مجتمعغير مصنف

رحلة الصدرية رفيقة النساء الناعمة.. من رمز للقمع إلى أقوى رموز الإغراء

 

تحضر الصدرية أو مشد الصدر بصورة دائمة في حياة النساء، وهي أول علامة تعرف بها الفتاة بعد بلوغها ان جسمها قد بدا ينتقل من طور الطفولة الغضة الصغيرة الى النضج. وهكذا تقترن قطعة الملابس التي ترافق هذا التطور بهويتها كامرأة. وتستمر رحلة المرأة مع الصدرية لبقية حياتها دون ان تستطيع الاستغناء عنها حتى في أوقات النوم أحيانا.

وعاصرت الصدرية تاريخا حافلا للنساء منذ العهد الروماني مرورا بالعصور الوسطى، وصولا إلى الحقبة الحالية التي أصبحت  فيها بعض التيارات النسوية تدعو للتخلي عن الصدرية لتحرير المرأة  من أي قمع.

وتقوم اقتصاديات شركات كبرى للأزياء في العالم على ما تحققه الصدريات من رواج و أرباح قد تصل لمئات المليارات سنويا..  فماهي حكاية الصدرية؟

الصدرية في التاريخ

 

يرجح مؤرخون أن أول من لبس حمالة الصدر او الصدرية هن النساء الفرعونيات في مصر القديمة، فقد وجدت رسومات جدارية تبين رجالا ونساء بملابس داخلية، لكن الرومان هم أول من وثق استعمال نسائهم للملابس الداخلية (الصدرية)، وكانت عبارة عن قطعة قماش رقيقة تلف مرارا حول الصدر كي تمنع ظهور ثديي الفتاة غير المتزوجة، اما المتزوجات فكانت لهن حرية لبس الصدرية او الاستغناء عنها.

 

ماري انطوانيت ملكة فرنسا..لاحظوا ضيق خصرها بالمشد

 

وفي العصور الوسطى، تواصل ظهور الصدرية التي تحولت لمشد الصدر “الكورسيه”، الذي ترى الحركات النسوية بعد منتصف القرن العشرين، أنه كان رمزا لاستعباد المرأة قديماً.

فقد كان لبس المشد من ضرورات الألبسة النسائية، واستخدم في الطبقة النبيلة أولا ثم لدى العائلات الميسورة او “المحترمة” في أوروبا، دونا عن الخادمات أو بنات العامة، وكان يستعمل لشد خصر المرأة ونحته، على شاكلة الدمية “باربي” حاليا، فقد كان الخصر الاهيف والصدر الصغير من علامات الجمال في ذلك العصر.

 

لكن دراسات أثبتت بعد ذلك أن له علاقة بحدوث تشوهات في عظام الحوض والعقم وحتى انثناء بعض الأضلع، كانت النساء في ذلك الوقت تعانين بحق!!

أما في القرن التاسع عشر، فكانت النساء يرتدين قوالب داخلية مصنوعة من الخشب أو المعدن لتمنع المرأة من تناول الكثير من الأكل كي لا تسمن معدتها وبطنها، قبل ذلك لم تكن تعتبر المرأة النحيفة جميلة على العكس كانت المرأة الممتلئة هي المرغوبة وقد انعكس هذا على الملابس الداخلية.

ثورة الصدرية

امراة تخلع حمالة صدرها في سان فرانسيسكو

 

سنة 1914، قامت ماري فيليبس جاكوب بتقديم الصدرية في شكلها المعروف اليوم، أي الكوبين المنفصلين، بتصميم مريح وجذاب للنساء.

وكان هذا طبيعيا، مع بدايات القرن العشرين والثورة الصناعية التي أفرزت تحولات اجتماعية جيدة، وخرجت المرأة من الصفوف الخلفية للمجتمع وتحولت الى قوة منتجة تسير جنبا الى جنب مع الرجل، فكان يجب ان تتطور الصدرية لتلائم حاجة المرأة العاملة المنتجة، وتخفي البعض من أنوثتها أيضا.

كانت الصدرية حينها لا تزال عاملا للإخفاء والحجب وقمع المنحنيات الطبيعية للمرأة باعتبارها عارا أخلاقيا و”عيبا” اجتماعيا بجب مداراته.

ازدادت أهمية الصدرية مع تزايد حضور المرأة في المجتمع، لكن الخمسينات والستينات شهدت انتقال الصدرية من دورها في حفظ جسد المرأة من أعين الفضوليين وتسهيل حركتها، إلى دور الغراء والتجميل الذي بقيت تحافظ به إلى اليوم على المركز الأول في أسلحة المرأة لإغواء الرجل.

أشكال عديدة

 

ظهرت الصدرية التجميلية، التي استعملت أساسا لتحسين وضع نهدي المرأة وتكبير حجمهما، بالشكل المخروطي، مصنوعة من الحرير او الساتان، وتميزت بها نجمات الستينات كإليزابيث تايلورو مارلين مونرو وغيرهما.

لكن تلك الموضة لم تعمّر طويلا، فقد أطاحت بها ثورة النسوية في السبعينات، وتحررت المرأة من لبس أي شيء تحت القميص، وقامت تجمعات نسائية بإحراق صدرياتهن في احتفالات فرحا بالتحرر من رمز القمع.

 

 

جاءت الحركات التحريرية للمرأة بنتائج إيجابية منها إلغاء الحواجز الاجتماعية امام المرأة للارتقاء الاجتماعي وممارسة أنشطة معينة مثل الرياضة، التي اقتحمتها المرأة جنبا الى جنب مع الرجل، فكان لا بد من اختراع صدرية رياضية مريحة لا تعوق الحركة وتسهّل على المرأة التفوق في رياضتها المفضلة.

وتغير شكل الصدرية من جديد، ليتوحد الجزءان المنفصلان ليدعما حركة الصدر دون أن يتسببا في ترهله أو في ضيق التنفس، وتغير قماش الصدرية ليصبح من القطن الناعم المدعم بقطع من البلاستيك الصغيرة، وتم استخدام علم البيولوجيا الحركية لاختراع الصدرية المثالية أثناء ممارسة الرياضة.

في الثمانينات، عادت الصدرية كأقوى ما يكون لتصبح رمز الإغراء الأول لدى النساء كما الرجال، وتطورت أشكالها لتجسد الصورة المثالية عن جسد المرأة في الثمانينات والتسعينات، تلك التي تملك صدرا مشدودا شامخا، تزينه صدرية بالدانتيل الأسود او البيج او الأحمر، فكانت نجمات الإغراء يحتفظن ولابد بمجموعة واسعة من الصدريات في ذلك الوقت.

أرباح أسطورية

 

تنافس تجارة الملابس الداخلية حاليا تجارة السلاح والمخدرات في العالم، وسنة 2016، تم إحصاء 109 علامة تجارية جديدة أطلقت، خلافا ل 518 علامة سابقة تحقق أرباحا خيالية منذ إنشائها.

وأصبح للصدريات والملابس الداخلية معارض وعارضات أزياء على مستوى عالمي، بينما يتربع مصممون مثل التابعين ل”فيكوريا سيكرت” على عرش الموضة لسنوات.

رغم ذلك، لم تخرج الصدرية عن دورها القديم والازلي في قمع المرأة، سوءا جسديا عبر إعادة تشكيل جسمها كما في العصور الوسطى، أو فكريا واجتماعيا حيث أصبحت الصدرية سرا من أسرار الجمال وسلاحا تعتمده المرأة للإغراء والإيقاع بالرجل، حتى وإن كان بواسطة خلق الوهم والإيحاء بإمكانيات لا تملكها.

كما تعكس الصدرية المكانة الاجتماعية للمرأة، ففي حين تشتري الثريات صدرياتهن من ماركات عالمية، ويحظين بفرصة تجربة آخر الصيحات، تتطلع النساء الأفقر إلى شراء ماركات محلية، محاولات في نفس الوقت تقليد الماركات العالمية لاكتساب جمال وهمي مصطنع.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد