اختيار المحررينثقافة

ولاّدة وابن زيدون.. عاشقا الأندلس سيئا الحظ

سلسلة أشهر قصص العشق

 

لم يستطع لسان ابن زيدون سوى ان ينطق شعرا وغزلا، حين وقعت عيناه  على غادة غرناطة ولّادة بنت المستكفي، فلم يملك سوى ان يقول

” إني ذكرتك بالزهراء مشتاقًا            والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله            كأنما رق لي فاعتل إشفاقا “

 

هذه الأبيات جاءت في أوج  قصة خلّدت سيرة اثنين من أشهر الشعراء وأيقونتين من أيقونات الحضارة الأندلسية التي كانت في بداية أفولها في ذلك الوقت مع ملوك الطوائف، فطبّقت شهرة الغرام بينهما الآفاق، وأثارت الحسد والبغض والإعجاب، فكان العشق بين ولاّدة سحرا رقّت له الكلمات فخطّت فوق أديم الزمن.

 

 

هي الأميرة بنت الخليفة الأموي الأندلسي “محمد بن عبد الرحمن”، الملقب بـ “المستكفي بالله”، أحد أضعف حكام الأندلس في فترة انهيار العصر الأموي الذي قام على أنقاضه عصر الطوائف.

ولدت “ولادة” عام 1001 ميلادي، وعاشت في غرناطة ثراء وبذخ الأميرات، وحباها الله بموهبة شعرية فذة، وهي التي قال فيها المؤرخ الأندلسي “ابن بسام” في كتابه “الذخيرة” : “كانت في نساء أهل زمانها، واحدة من أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعبا لجياد النظم والنثر، كانت درة يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، وسهولة حجّابها، وكثرة منتابها، يخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب”.

وفي مجلسها الأدبي الشهير، الذي كان قبلة الأعيان والشعراء والادباء من أفقه آل ذلك الزمان وأفصحهم واملحهم، تلاقت ولاّدة بابن زيدون، الذي لقب بذي الوزارتين، لأول مرة.

وهو أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي، واشتهر بابن زيدون، شاب مليح اولجه ظرف اللسان مرهف القلب والشعور، فوقع من قلب ولادة موقعا حسنا، ونشأت قصة حب جارفة، أشعلت المجالس الأدبية حينها بسجالات شعرية وادبية رائعة، ولا تزال أشعارهما تشهد على العشق الملتهب الذي جمعهما في واحدة من اجمل مدن الاندلس وهي قرطبة.

فقال فيها ابن زيدون

أصونك من لحظات الظنون

وأعليك من خطرات الفكر

وأحذر من لحظات الرقيب

وقد يستدام الهوى بالحذر

أضحى التنائي..

للأسف لم يتواصل الحب والوداد بين ابن زيدون ومعشوقته ولاّدة، واختلف المؤرخون في أسباب ذلك، فمنهم من ارجع المسالة لكون ابن زيدون قد عشق جارية على ملك ولاّدة، فملا عرفت بالحكاية سائها ذلك، ونظمت أبياتا تقول فيها

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا     لم تهو جاريتي ولم تتخير
وتركت غصنا مثمـرا بجمـاله     وجنحت للغصن الذي لم يثمر

وقال آخرون انه انتقد أبياتا نظمتها فلم تحتمل وثارت لكبريائها وهجرته.

دسائس وقطيعة

 

رغم ذلك، تقول رواية أخرى ان السبب في فراق الحبيبين كان الوزير ابن عبدوس الذي كان مولّها بولاّدة، لكنها حرمته من حبها لتقدمه للشاعر، الذي كان في نفس الوقت منافسه على السلطة، فكاد له حتى حوكم ودخل السجن سنوات طوالا، لم تنقطع خلالها ولاّدة عن زيارته.

ثم عفا عنه الخليفة لكبر سنه، لكن خروجه من السجن لم يقرّبه من حبيبته التي بقيت على بعدها وجفاها ما إن استعاد حريته، ولم تصفح عنه، فظل ينظم فيها الشعر عسى ان يرق قلبها، ومنها نونيته الشهيرة “أضحى التنائي”ً.

إلا انها لم تلن، وبقيت على رفضها، ليس له فقط بل للزواج بشكل عام، فقد توفيت ولادة بنت المستكفي عن سن ناهز الثمانين عاما وهي دون زواج.

 

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد