دين وحياة

الشيخ محمد عبده رائد التنوير والتجديد الفكري الإسلامي في القرن ال19

بكى الشرق فارتجت له الأرض رجة

ضاقت عيون الكون بالعبرات

ففي الهند محزون وفي اليمن جازع

وفي مصر باك دائم الحسرات

وفي الشام مفجوع وفي الفرس نادب

وفي تونس ما شئت من زفرات

بكى عالم الإسلام عالم عصره

سراج الدياجي هادم الشبهات.

بهذه الأبيات الشعرية، رثى الشاعر المصري، حافظ إبراهيم، رائد التنوير، الشيخ محمد عبده، الذي يعد أحد رموز التجديد في الفقه الإسلامي، ومن دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي والإسلامي.

وفي أبيات أخرى، قال عنه حافظ إبراهيم أيضا:

سَلامٌ عَلى الإِسلامِ بَعدَ مُحَمَّدٍ

سَلامٌ عَلى أَيّامِهِ النَضِراتِ

عَلى الدينِ وَالدُنيا

عَلى العِلمِ وَالحِجا

عَلى البِرِّ وَالتَقوى

عَلى الحَسَناتِ

لقد كنت أخشى عادي الموت قبله

فأصبحت أخشى ان تطول حياتي”.

هو محمد عبده بن حسن خير الله، ولد سنة 1849، في إحدى القرى المصرية، التابعة لمحافظة البحيرة، من أب تركماني وأم مصرية، ترجع أصولها إلى قبيلة بني عدي العربية، وقد سعى والداه إلى إنباته منبتا حسنا، وتربيته على نهل العلم وشحذ المعرفة.

و التحق الشيخ محمد في سن ال13، بالمسجد الأحمدي بطنطا، الذي يعتبر قبلة العلماء ومن أكبر المعاهد العلمية والدينية والإسلامية بعد الأزهر الشريف وتخرج منه علماء الدين والفقهاء ومشاهير قراء القرآن الكريم وحفظته.

وحين بلغ ال17 من عمره، التحق بالجامع الأزهر، وبعد 11 عام، حصل الشيخ محمد عبده على الشهادة العالمية، ومنها التحق بمجال التعليم والتدريس، حيث أصبح مدرساً للتاريخ في مدرسة دار العلوم المصرية.

من الثورة إلى السجن والمنفى

اشترك في ثورة الشيخ أحمد عُرابي التي قادها في القرن ال19 وتحديدا ما بين 1879-1882 ضد الخديوي توفيق والانجليز، وسميت هوجة عرابي.

وبعد فشل الثورة حُكِم بالسجن على الشيخ محمد عبده، الذي كان مناديا ومتشبثا بدعاوي الإصلاح الديني وتجديد الفكر الإسلامي، كما كان رافضا للتدخل الأجنبي في مصر، الذي عمق الأزمات السياسية والاقتصادية.

ومن ثمة تم نفيه إلى بيروت لمدة 3 أعوام، ليسافر بعدها إلى العاصمة الفرنسية، باريس، بدعوةٍ من جمال الدين الأفغاني، أبرز المصلحين المسلمين في القرن التاسع عشر، الذين واجهوا التخلف والاستعمار الأوربي، وتأثرا بفكره التجديدي، الداعي إلى استنهاض المسلمين وحثهم على إستجماع شروط النهضة ومواجهة التحديات التي أوجدها الإستعمار، أصبح عبده أحد تلامذته، وتحول بسببه من الصوفية إلى الفلسفة.

كان محمد عبده يعتبر  أن التعليم ومحاربة الجهل أساس لتغيير المجتمع وإصلاحه، دون رفض أصل طمس الحضارة العربية والإسلام.

و في باريس، أنشأ الشيخ المجدد محمد عبده، حركة تنويرٍ واسعة، تنبني على التجديد الفكري الإسلامي، ترمي إلى القضاء على الجمود الفكري والحضاري و إعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر، وكانت الانطلاقة من خلال منبره الإعلامي، التي أطلق عليها “صحيفة العروة الوثقى”.

الشيخ جمال الدين الأفغاني، معلم الشيخ محمد عبد

كانت الرغبة الملحة في الإصلاح، النقطة المشتركة التي جمعت بين المعلم وتلميذه، غير أنهما كان يختلفان من حيث رؤية الأسلوب في الإصلاح، فبينما، كان يعتبر الأفغاني، أن الثورة لازمة لمقاومة الاستبداد والظلم المتفشيان، كان يعتبر محمد عبده، أن التعليم ومحاربة الجهل أساس لتغيير المجتمع وإصلاحه، دون رفض أصل حضارتنا العربية وطمسها والتي تتلخص في الإسلام.

وخلال الفترة التي قضاها في فرنسا، كان الشيخ المفكر محمد عبده، مذهولا بالنهضة الشاملة التي شهدها الغرب، وهناك ردد كلمته الشهيرة،”وجدت هنا إسلاماً ولم أجد مسلمين، وفي ديار الإسلام وجدت المسلمين ولم أجد الإسلام”.

و شدد الشيخ أيضا قائلا”وجدت المبادئ والقيم والمثل العليا، وكلها صفات يطالبنا بها الإسلام وأمانة وإتقانا وإخلاصا، وكلها سمات يحثنا عليها ديننا، وبذلك فهم مسلمون بلا إسلام.”

العودة وإصلاح الأزهر

في سنة 1889، أنزل عفو من الخديوي توفيق، على الشيخ محمد عبده، ليعود على إثرها إلى بلده مصر، أين انطلق بتطبيق منهجه في الإصلاح الديني واللغوي، وأولها كان إعادة إصلاح الأزهر الشريف، الذي انتابه الضعف في تلك الفترة، جراء انعزال الأزهريون عن العالم الخارجي وباقي العلماء، وقال عنه ذلك جملته الشهيرة “إن بقاء الأزهر متداعياً على حاله محال، فهو إما أن يعمر، أو أن يتم خرابه”.

وحين تولى الخديوي عباس الثاني الحكم، أصدر مرسوماً يقضي بإنشاء مجلس لإدارة الأزهر ضم بين أعضائه الشيخ محمد عبده، الذي كان موقنا بأن المشكلة في الفهم الخاطئ للدين الإسلامي، الذي طمست الأفكار المكتسبة المغلوطة حقيقته البناءة المواكبة لكل زمان ومكان، وتبعا لذلك شهد الأزهر الشريف إصلاحا علميا ودينيا ولغويا.

 مؤلفاته

تمكن الشيخ المفكر والعلامة محمد عبده، من إصدار عدة مؤلفات وكتب قيمة، ماتزال محفوظة ومرجعا إلى يومنا هذا، و جمعت جلها في موسوعة بعنوان”الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده”.

من أبرزها :

  • كتاب العروة الوثقى الذي وضعه مع جمال الدين الأفغاني.
  • الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية، وهو كتابٌ ردّ فيه على ارنست رينان.
  •  رسالة التوحيد، شرح نهج البلاغة للإمام علي ابن ابي طالب.
  • تحقيق وشرح البصائر القصيرية للطوسي.
  • تحقيق وشرح كتاب دلائل الاعجاز.
  •  أسرار البلاغة للجرجاني. 
  • تقرير إصلاح المحاكم الشرعية.
الأعمال الكاملة الشيخ محمد عبده

رحيل المجدد 

في ال11 من يوليو/ جويلية 1905، رحل الشيخ محمد عبده، بعد أن حفر اسمه بعمق في التجديد الفكري في التاريخ العربي  والإسلامي، حيث ساهم بعلمه ووعيه واجتهاده في تحرير العقل العربي من الجمود الذي أصابه لعدة قرون، جراء الإستعمار الغاشم من الدول الغربية.

كما عمل الشيخ العلامة عللا استنهاض الهمة وروح الوطنية والتحرر، عبر نشر العلم، الذي اعتمده كسلاح لمحاربة الأفكار السوداوية المنتشرة والسائدة والتخلف والرجعية القاتمة والجهل، التي كانت منتاشرة في جل الأقطار العربية، وقد وقد تأثر به العديد من رواد النهضة،من أبرزهم المصلح الجزائري عبد الحميد بن باديس.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

اترك رد