مجتمعاختيار المحررينسياسة

محاكمة قتلة الشهيد عثمان بن محمود.. صفحات دموية من تاريخ نظام ديكتاتوري

 

لا تزال عائلة الشهيد المهندس عثمان بن محمود تبحث عن العدالة والإنصاف، فبعد 32 سنة كاملة، يقف قتلة الشهيد أخيرا أمام محكمة مختصة وفق نظام العدالة الانتقالية ، وتنجلى صفحات الحقيقة المؤلمة للعلن، كي تفصح من جديد عن جريمة أخرى، كان الرئيس السابق بن علي تدخل مباشر فيها، وكان شاهدا عليها حيث اسدى اوامره بسلب حياة الشهيد برصاصة أردته قتيلا، بعد ان عجزت قوات الامن عن اعتقاله.

 

 

“أحس أن أخي مات اليوم فقط”، بهذه الكلمات وصفت أخت عثمان بن محمود اللحظات المؤلمة التي تعيشها عائلته الموجوعة، وهو نفس الشعور الذي نجده بين من عرفوا الشهيد وعاشروه وساروا على خطاه فيما بعد. استرجع الكثيرون الوقفة الاحتجاجية التي نظموها أمام المحكمة الابتدائية بتونس، وما صاحبها من وقائع مؤلمة من تعذيب وتنكيل وقمع مورس عليهم لعقود من الزمن في عهد الديكتاتورية، بسبب انتمائهم للتيار الإسلامي.

كان هدف النظام سحق المعارضين على اختلاف توجهاتهم، وأفزعه تنظيم وصلابة شباب الاتجاه الإسلامي وتنامي تأثيرهم في الأوساط الطلابية حينها، فصدرت الأوامر بالتخلص من أهم الرموز الطلابية الفاعلة، إما عبر الاعتقال أو القتل.

النمور السود…خلية إعدام أمنية

دشّن المدير العام للأمن آنذاك زين العابدين بن عهده الدموي بتكوين فرقة أمنية إجرامية أطلق عليها “النمور السود”، وكانت مهمتها تعقب وتصفية كل المعارضين للنظام وعلى رأسهم طلبة الاتجاه الإسلامي بطبيعة الحال، وقد تم ترصد الشهيد عثمان، وتحصل “البوليس” على معلومات تفيد بتخزين الشهيد لمجموعة من البيانات والكتب الدعوية في منزل بجهة خزندار، فقاموا بمداهمته، لكن عثمان تمكن من الإفلات منهم فجرت مطاردته على الطريق وهو على متن دراجته النارية.

في أحد أزقة حي الزهور بالعاصمة، وحينما كان الشهيد على مقربة من الإفلات منهم،  صدرت أوامر بإطلاق الرصاص الحي عليه، فتلقى إصابة في رجله أعاقته عن مواصلة قيادة الدراجة، عندها توقفت سيارة أمنية بجانبه ونزل منها الأعوان،  وبإيعاز مباشر من قياداتهم الميدانية تم الاجهاز عليه، حيث أمطروه بوابل من الرصاص أمام المارة حتى فارق الحياة .

إخفاء الجثة والتعتيم على الجريمة

لمدة 3 أيام واصلت عائلة الشهيد البحث عنه دون جدوى، حتى أتاها خبر من مستشفى شارل نيكول بالعاصمة  بأن ولدهم يقبع في المشرحة، بعد أن تعرّف عليه أحد الممرضين، حسب ما أكدت شقيقته نعيمة ، حينها انطلقت العائلة للتعرف على ولدها واستلام جثته ودفنه، وهناك صدموا بالسيناريو المجهز سلفا.

تمثلت رواية البوليس حينها في ان الشهيد، هو أحد العاطلين عن العمل، وتم رصده وهو بصدد سرقة أحد البيوت في حي الزهور، لتتم مطاردته، وبسبب عدم امتثاله لأمر التوقف، قام الأعوان بإطلاق الرصاص عليه لإصابته وإيقافه، غير ان رصاصة أصابته بالخطأ في الرأس وقتلته.

 

 

لكن تقرير الطبيب الشرعي الصادر عن معهد الطب الشرعي التابع لمستشفى شارل نيكول بالعاصمة تونس أثبت بأنّ الوفاة كانت ناجمة عن إطلاق رصاص كثيف من مسافة قريبة جدا، وفي اتجاه أماكن حساسة من جسد الشهيد كالقفص الصدري وما يحيط به من أعضاء قصد إحداث الوفاة بسرعة وهو ما حصل بالفعل.

رغم ذلك، تم التخلص من التقرير الأصلي وإعادة كتابة تقرير  آخر مزيف  يدعم الرواية التي قدمها مدير الامن بن علي في ذلك الوقت، الذي أمر بتنفيذ حملة اعتقالات واسعة في صفوف الإطار الطبي وشبه الطبي العامل في مستشفى شارل نيكول على إثر تصوير جثة الشهيد بعد التشريح وقبله، تلك الصور المأخوذة للشهيد في بيت الأموات التي أحرجت النظام وزادت في توتره وفي إصراره على تعقب كل من صور ووثّق الجريمة ودوّن وقائعها.

إصرار على الحقيقة

لم تيأس عائلة الشهيد من حقها في استرجاع دم ابنها المهدور ومحاكمة القتلة، لكن في ظل نظام يعتمد الديكتاتورية نمطا ولا يتورع عن استخدام القضاء والصحة ومختلف أجهزة الدولة لخدمة مصالحه السياسية، لم يكن من المتوقع أن تمضي العائلة بعيدا في مسعاها،بل تم التضييق عليها وعاشت سنوات مريرة  من الحرمان والتضييقات، وتم حرمان أشقاء عثمان وأقاربه من الدراسة والعمل والتنقل، وعاشت العائلة على وقع المداهمات المتواصلة.

 

سنة 1992، بعد جلسات متباعدة في المحكمة الابتدائية بتونس، تم تحديد أحد المتهمين في جريمة القتل، لقبه العياشي، وتقديمه للمحاكمة، إلا أن الحكم كان 6 سنوات سجنا بتهمة القتل الخطأ، وتم بعدها تقليصه ل 6أشهر مع تأجيل التنفيذ، ليقع بعدها تسفيره إلى خارج تونس.أما مدير الامن آنذاك بن علي، فقد تمت ترقيته ليصبح وزيرا للداخلية.

 

 

بعد اندلاع الثورة، و تركيز هيئات دستورية تعنى بالمحاسبةوعلى رأسها هيئة الحقيقة والكرامة، يمكن الآن لعائلة الشهيد ان تتعقب من قتل ابنها وهو على مشارف التخرج من كلية الهندسة، ونقتص ممن نكل بها  سنوات طوال. ورغم أن معظم المتهمين لا يزالون بحالة سراح وعلى قيد الحياة، إلا أن محاكمتهم هي  إثبات على أن الجريمة لا تسقط بالتقادم وأن العدالة تأخذ مجراها في نهاية المطاف لضمان تماسك المجتمع وعلوية القانون.

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد