ثقافةغير مصنف

رحيل عمار معروف يفتح جراحا غائرة في قلوب الفنانين الجزائريين

الجزائر – مجلة ميم _ ربيعة خريس

        

 

فقدت الساحة الفنية في الجزائر تباعا, أكبر عمالقة الفن والشاشة الجزائرية, أغلبهم رحلوا في صمت بعد صراع مرير مع المرض ألزمهم الفراش, وكان آخرهم الفنان والممثل المسرحي والسنيمائي , عمار معروف, وقبله هرم الكوميديا “أبو جمال” والمعروف في الوسط الفني  ب”هواري بوضو “, وخلف رحيلهم حسرة في الساحة الفنية, لكنه كان مناسبة لفتح جراح غائرة في قلب كل فنان جزائري, بسبب التهميش الذي يطاله رغم أنه يحمل رسالة سامية ونبيلة.

 

ويحمل رحيل كل فنان في طياته قصة ” معاناة ” أليمة بسبب الإهمال الذي عانى منه, فالكثيرون غادروا وتركوا وراءهم رسائل ” عتاب ” و تأنيب للضمير ” وانتقادات شرسة إلى المسؤولين عن وزارة الثقافة بسبب تقصيرها في تقديم الدعم لهم.

يحدث هذا بينما يؤكد وزير الثقافة, عز الدين ميهوبي أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان حريصا دائما على التّوجيه للإعتناء بصحّة الفنانين, وقال إنه يتم التكفل بالفنانين من خلال المساعدة من الجانب المادي والفني. مضيفا بأنّه لا يعتقد أنّ هناك تهميشا، متمنيا أن تسقط كلمة التهميش من القاموس الجزائري.

 

” عمار معروف ” … عاش مهمشا ومات في صمت

” عمار معروف ” واحد من الفنانين الذي رحلوا في ” صمت “, عملاق من عمالقة الفن الرابع , رحل وترك وراءه ثروة من الأعمال الفنية المسرحية والسينمائية صدحت في سماء الاحترافية.

مسيرته في عالم التمثيل انطلقت على خشبة المسرح, مثل إلى جانب أكبر عمالقة الفن الجزائري, كالكوميدي والفنان الكبير رشيد قسنطيني المعروف بـ “رويشد ” الذي تقاسم معه الخشبة في مسرحية ” البوابون “،  وكانت له أدوار ثانوية في ” معركة الجزائر ” للمخرج الايطالي جيلو بونتيكورفو، ومسلسل ” المصير ” لجمال فزاز.

وفتح رحيل  عمار معروف  مجالا لاستذكار أحزان فنية مرت على نساء ورجال هذا المجال, فرحيله كان في صمت قاتل دون أي مبالاة من طرف وزارة الثقافة الجزائرية.

 

 

ووجهت عائلته انتقادات لاذعة إلى المسؤولين, وفي مقدمتهم الوزارة الوصية عقب تنكرهم للفنان الراحل وتقصيرهم في تقديم الدعم اللازم له, وانتقدت عدم توفير الرعاية الصحية اللازمة للفنان المسرحي والسينمائي، الذي قدم 54 سنة من حياته، للساحة الفنية، ومع ذلك تقول عائلة الفقيد إن الراحل عجز عن امتلاك سكن وراتب ثابت، طيلة مسيرته الفنية، حيث ظل مستأجرا مع أولاده منذ سنوات، في مشهد صادم.

الوضع ذاته ينطبق على الكثير من الفنانين الجزائريين الذين يعانون اليوم في صمت, كمحمد بوكرش الملقب بـ ” قديس ” الفن التشكيلي, المتواجد حاليا في مستشفى القليعة غرب الجزائر العاصمة والفنان الجزائري ” صالح_دڨدوڨة ” هو أستاذ الراحل عثمان بالي ونجم الأغنية المحلية الصحراوية، كان مرجعا ًفنيا ًلزملائه, أدرج الطُبوع اليمنية والشامية بها, سيدُ آلة العُود وصاحب موسيقى الأغنية التراثية “لزرق سعاني”, فالفنان اليوم يعيش أوضاعا نفسية صعبة.

وقال أغلب الفنانين الذين تقربت منهم مجلة ” ميم ” لتقصى معاناتهم, إن ” الوضع لم يعد يطاق, فالتهميش والإقصاء قد نال من الجميع في الحقل الفني, وأغلب الدين يمتلكون سنوات من الخبرة, ومن الجيل الجديد, قرروا الرحيل أو الاستقالة “.

 

حقوق مادية مهضومة

ويقول في الموضوع الشاعر الجزائري, ياسين بوذراع نوري, في تصريح لمجلة ” ميم ” إن ما يحدث في الساحة الثقافية الجزائرية مخجل فعلا, وهذا في غياب قانون خاص يحمي الفنانين, أو في غياب تطبيق فعلي لهذا القانون.

“طبعا هذا الإهمال وعدم الاهتمام يقابله اهتمام غير مفهوم بأسماء فنية عربية وغربية ربما لم تحظ في بلدانها بمثله , بدليل الدعوات الموجهة للفنانين الأجانب للمشاركة في المهرجانات والملتقيات, والمصاريف التي تصرف هكذا دون وجه حق على وجوه فنية يريدون فرضها على الواقع الثقافي, فهذه المشكلة تطال جميع الفنانين فلا نستثني أي نوع من الفنون سواء كان فن تشكيلي او مسرح أو سينما وموسيقى وحتى في المجالات الأدبية فالإشكال نفسه”.

ويضيف المتحدث أن وزارة الثقافة لم تقدم أي دعم مقنع لهذه الفئات، وهو ما جعل المعاناة تمتد لحياة الفنانين الخاصة, ويشير ” نتمنى أن تلتفت وزارة الثقافة إلى الفنانين المحسوبين عليها وذلك بإعداد قانون خاص يحمي هذه الفئات ويمنحها مجالا خصبا للعمل والإبداع وأن يسهر على تطبيق هذا القانون قدر الإمكان “.

 

نظرة المجتمع لا ترحم ولا العائلة أيضا

من جانبه يقول الممثل المسرحي, وعضو اللجنة الفنية في المسرح الجهوي بمدينة سوق اهراس, زعفور سمير بن كبلوت, في تصريح لمجلة “ميم”

“إن الفنان في الجزائر يتحدى المجتمع كله وحتى أقرب الناس له, وحتى نفسه حتى يتسنى له ممارسة مهنة الفن, فيجد نفسه في متاهة لها أول وليس لها آخر, قد تبدأ بالمجتمع الذي ينظر للفن كأنه دخيل وهواية فقط ولا يرتقي لكي يكون مهنة ومجال قائم بحد ذاته, فالفنان في الجزائر لا يستطيع ان يعيش وهو يمارس الفن الذي يؤمن به وبرسالته”.

 

الممثل المسرحي الجزائري سمير زعروف

ولا يعتبر سمير الممثل الجزائري الوحيد الذي اشتكى من هذا الأمر, فبالأجماع يعتبر التحاق أي شخص بعالم الفن وخاصة الموسيقى خطوة تزعج كثيرا العائلة, خاصة إذا تعلق الأمر بامرأة أو شابة جزائرية قررت التخلي عن مقاعد الدراسة, ويعود هذا لعدة أسباب حسب أهل الفن أبرزها غياب ثقافة الفن والابداع.

ويضيف المتحدث إن “الفن عطاء, لكن للأسف لا شيء ببلدنا يحفزنا لكي نواصل عطاءنا في مجال الفني وخاصة المسرح فهو أبو الفنون, فهو يربي ويثقف ويوعي, ويصنع ما لا تصنعه السياسية ومجالات أخرى “.

ويقول الممثل المسرحي الجزائري إن هذا المجال يلزم إعادة النظر فيه وإعادة هيكلة القطاع وتسليك الضوء على ما يحدث في كواليسه من انتهاكات وتسلط وظلم في حق الفنان المسرحي, فمن الضروري خلق استراتيجية ذكية لخلق ثقافة وجمهور مسرحي”.

ويشدد زعفور سمير على ضرورة إعادة النظر في “حقوق الفنان المادية وتسوية وضعيته في الضمان الاجتماعي، وإعطائه راتب شهري ليعيش به ويستطيع أن يواصل إبداعه وفنه “.

وتابع المتحدث قائلا في تصريح لمجلة “ميم”

“المسارح الجزائرية، وخاصة على المستوى الاداري شهدت ولوج العديد من المتطفلين والطفيليين ولا علاقة لهم بالميدان لا من قريب ولا من بعيد, دخلوا المسارح بمناصب قائمة على المحسوبية فقط.

هذا ما زاد الضرر على مستقبل المسرح فهم لا يتمتعون بالحس الفني الذي يجعلهم غيورين على المسرح, فلا يأبهوا بضياعه وبفساده “, ويشتكي في هذا السياق الكثير من الفنانين الجزائريين حول كيفية الحصول على بطاقة فنان, فالساحة الفنية الجزائرية على حد قولهم غرقت بالدخلاء”.

 

تخلى عن الفن ليصبح فلاحا بسيطا

يقول الفنان التشكيلي, حسان بودراع, ابن مدينة قسنطينة الملقبة بعاصمة الجسور المعلقة, في تصريح لمجلة ” ميم ” إنه ولد ليكون فنانا بالفطرة, عشق الرسم في صغر مبكرة, لكنه قرر هجرة الساحة الفنية في التسعينيات, وقرر  أن يصبح فلاحا بسيطا بعد إدراكه بأن احتراف الفن غير ممكن في بلاد لا تهتم به.

 

الفنان الجزائري حسان بودراع

 

ويرى المتحدث أن الفنان الجزائري يرحل في صمت دائما بعد سنوات من التهميش رغم العطاء والابداع في التمثيل والموسيقى, فنهاية الفنان ” جد مؤلمة ” تكون في غالب الأحيان مجرد خبر في الجرائد, وفي أحسن الأحوال تأبينية رسمية أمام الكاميرات.

 

مشاكل لا تعد ولا تحصى

تقول الفنانة, نوال مسعودي, في تصريح لمجلة ” ميم ” إنه ومن بين أهم وأعظم المشاكل التي تواجه الفن والفنان الحقيقي هي عدم وضع  ” قانون يحمي الفنان “, فوحده  القانون من سيقضي على كل مشاكل الفن والفنانين التي لا تعد ولا تحصى.

 

الفنانة الجزائرية نوال مسعودي

 

وتضيف ” أخطرها مما يحدث بشكل مقرف وغريب, وهو فتح المجال الفني لكل من هب ودب ولكل من لا مهنة له بممارسة الفن، على حساب الفنانين الحقيقيين الموهوبين من الهواة والمحترفين, ففي هذه الحالة قانون الفنان وحده من يردع هكذا تجاوزات واختراقات في حق الميدان الفني ككل “.

بطاقة فنان لا تسمن ولا تغني من جوع

ترى نوال مسعودي, أن قانون الفنان الجزائري ضمان لكرامته, وللأسف الفنان دون قانون لا وجود له, وقالت ” ما هو تفسيرك  لكل القطاعات الاخرى التي تتوفر على قانون يحميها إلا قطاعنا نحن…قانون الفنان باقٍ مجرد وعود ،حين يملؤون الفراغ على طريقة سياسة كم الأفواه المطالبة بذلك القانون، حين اخترعت لنا ذات سنة ليست بالبعيدة (بطاقة فنان) وشهادة شكلية لاتسمن ولاتغني من جوع”…والفنان أبسط حقوقه مهضومه.

وتقول “إذا حاولنا وضع مقارنة سطحية فقط ودون الغوص في أمور مفصلة أخرى نقول أن وضع الفنان العربي أفضل من وضع الفنان الجزائري بكثير وأقل ضرر منا و أول فرق بيننا وبينهم هو أن جميع الدول العربية لديها قانون فنان يحفظ كرامتهم وحقوقهم, أما عندنا فلا”.

وأضافت: “هل سمعتِ مثلا  عن فنان جزائري بالتمثيل اخص بالذكر لأنه مجالي…. له مدير أعمال مقنن يسير جميع أعماله ويقوم بالتسويق لها؟….لا وجود لذلك لأنه لاوجود لقانون أصلا يفرض له وعليه هذا الحق والكرامة”.

 

صورة للفنان الجزائري عمار معروف ساعات قبل وفاته

الفنّ في تردّي والفنّان يشقى ولكنّه لا يستسلم لأنّه مقاوم بطبيعته

ومن جهته يقول الممثل المسرحي الجزائري, عميرش أيوب في تصريح لمجلة ” ميم ” ” إذا كان لزاما علينا الخوض في أمر تهميش الفنّان الجزائري حسب سؤالكم فلا بدّ من العودة إلى الوراء واستعراض شيء من الماضي ومحاولة الوقوف عند الأسباب منها الظّاهرة ومنها الخفيّة كما منها المباشرة واللاّمباشرة وهي مرتبطة أساسا بمختلف المراحل التي مرّ بها المجتمع الجزائري “.

ويرى المتحدث أن العودة للحديث عن هذا الموضوع تحتم علينا معرفة طبيعة الحياة وبالأخصّ النّظم السّياسيّة التي اعتمدت في الجزائر والّتي كانت تؤطّر وتسيّر شؤون الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها, فالبيئة الجزائرية عرفت فجر الاستقلال نمطا ثقافيّا لا يختلف كثيرا كمّا ونوعا عمّا كان أيّام الاستعمار بحيث أنّ الأنشطة الثّقافية لم تتوقّف بقدر ما تدعّمت وانتشرت وظهرت العديد من الفرق على مستوى ربوع الوطن.

وبرزت على وجه الخصوص الفرق الموسيقية التي كانت أساسا تنشّط الأعراس ومختلف المناسبات بجميع طبوعها بحيث أنها انتقلت إلى قاعات العرض وأصبحت تقيم الحفلات الغنائية والسّهرات وتستقطب الجماهير من الجنسين وحذا على نحوها المسرح والسّينما.

ويضيف الممثل المسرحي الجزائري, أن بعد بضع سنوات اعتمدت نظاما سياسيّا اشتراكيّا وتسبّب هذا الخيار في أنّ الجهاز السياسيّ تمكّن من مفاصل كلّ شيء عن طريق الحزب الوحيد الذي جعل الهندسة المجتمعية بكلّ منظوماتها هرميّة حتّى أنّ الثقافة كما التعليم والصحة وغيرها كلّها تنبثق عن سلطة مركزيّة القرارات.

وهنا نعود إلى الشّأن الثّقافي الّذي كان بيد القرار السّياسي بحيث أن الدّولة هي التي بفضل مؤسّساتها كانت تنتج وتقيم وتسهر على الثقافة بتمويل منها وقد عرفت السّاحة بحكم تلك السّياسة ديناميكيّة ونشاطا وانتشارا وعرف الفنّان ومختلف الفاعلين في الحقل الثّقافي بروزا وإشهارا واعتلت أسماء جزائرية منابر عربية ودولية كبيرة بفضل دعم ورعاية السلطة السّياسيّة وتبنّيها الكامل للمنظومة تحت تسمية السّياسة الثّقافية.

 

الفنان الجزائري مهمش اليوم أكثر من أي وقت مضى

ويؤكد عميرش أيوب  لكن وبعد الإنفتاح الذي عرفته الساحة السياسية والإقتصادية والتّراجع في منهجيّة التسيير واصلت الدّولة على نفس النّسق من حيث سياسة الرّعاية والتّمويل والتّكفّل بالفنّ والفنّانين وعرف واقع الإنتاج بجميع أنواعه وأشكاله زخما وعلوّا وازدهارا بحكم البحبوحة الماليّة والأموال المكدّسة في الخزينة العموميّة.

حيث أنّ الجزائر عرفت أبرز الفعاليات والأنشطة الثقافية من مهرجانات وملتقيات ومواعيد دولية وإقليمية عالميّة لكنّها في نهاية الأمر لم تكن سوى بريستيج وتمظهر لم تجن من وراءه ما يخدم حقيقة المجتمع ثقافيّا ولم يغيّر في واقع الفرد الجزائري شيئا.

ويبقى الفنّ والفنان اليوم مهمّشا أكثر من أي وقت مضى تحت مبرّر الأزمة الإقتصادية وشحّ الموارد المالية التي أعاقت كثيرا الإبداع والإنتاج الفني والثقافي وأوصلت الفنان إلى أسوء حالاته وأوضاعه المعيشية وقطعت جميع موارده وفتحت الأبواب المتبقية أمام الطفيليين والفضوليين الدخلا.

وما يزيد الطين بلة قلة الإنتاج والمناسباتية  وغياب استراتيجية واضحة المعالم دون أن ننسى أيضا عامل مساهمة الفنان نفسه في تهميشه وعزله بعدم تمكّنه من فرض نفسه من خلال تنظيم وتأطير قاعدته وتأسيس إطار ومنبر رسمي يتولّى مسؤولية الدفاع عن حقوقه ومصيره.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد