مدوناتغير مصنف

جسد الأنثى.. نعمة أم نقمة؟

 

قد لا ينشغل الرجل بشكل جسده كثيراً مثلما نفعل نحن معشر النساء، وربما لا يعير أحد هذا الجسد نفس الاهتمام الذي يراقب به جسم المرأة ليل نهار من النساء والرجال على السواء.

 

قد لا تجد حتى من يتسائل “هل جسد الرجل نعمة أم نقمة؟” أو يجعل حريته أطروحة يناقشها المثقفون والأدباء، أو معضلة يبحرون فيها لفهمها؛ بين من يراها غاوية وغانية ومن يعتبرها مصدر للجمال والعذوبة على الأرض.

المقولة الشائعة ” الحظ السيء أن تولد في جسد أنثى” هي حقيقة ف مجتمعاتنا العربية على الأرجح .. فمنذ طفولتها المبكرة، تستمع الفتاة لتحذيرات عديدة من أن يمس شخصاً جسدها؛ وتأتي فترة البلوغ الفاصلة والمربكة  التي تتطلب الكثير من الوعي للمرور منها بسلام .. ويتغير شكل الجسم يرافقه تزايد النظرات للبروز التي تأخذ في الظهور يبدأ في خط موازي سيل من المفروض والممنوع ربما يدفع الفتاة لكراهية تطورها الجسدي، خاصة مع اضطرارها لارتداء أشياء غير محببة .. والتزام تصرفات لم تكن مفروضة من قبل.

ترددت على مسامعي ومسامع شقيقاتي كثيراً مثل هذه التحذيرات من والدتي، لم أكن أدرك المغزى أو المقصود منها، لكن كل ما كنت أفهمه أن أخي لا يتلقى نفس التحذيرات فقط نحن البنات.

وكبرت قليلاً لأتلقى الصدمة الأكبر؛ صدمة البلوغ والدورة الشهرية، الدماء المؤلمة كل شهر، استأت أيضاً عندما عرفت أننا فقط من نحيض ونتألم دون الرجال، وتوالت التطورات سريعاً، لتبدأ علامات البلوغ الأخرى بروز الثديين ونمو الشعر، وازدادت تحذيرات أمي وانهالت علينا التعليمات ” ارتدي الحجاب .. اختاري ملابس واسعة .. ابتعدي عن مرافقة الصبيان .. لا ترفعي صوتك بالطرقات .. لا تضحكي بصوتٍ عال ..” وبالطبع أهم التحذيرات ” لا يلمس أي شخص مهما كان جسدك “.

تطورات مربكة ترتبط جميعها بجسدي الآخذ في النمو دفعتني لكراهيته لفترات طويلة وتمني لو كنت ولداً مثل أخي، لا يسأل عند عودته عما إذا اقترب منه أو ضايقه أحد، لا يعنف على التأخير خارج المنزل، لا يخشى عليه من مرافقة أي شخص حتى لو كن فتيات.. ولا يتلقى تحذيرات متكررة ومملة قبل خروجه كل مرة.

ربما كانت والدتي شديدة القلق علينا وربما لا تفعل جميع الأمهات نفس الشيء، لكنه تكرر أمامي كثيراً في بيئتي المحيطة، ودفعني للتساؤل: هل فعلاً جسد المرأة نقمة ويجلب لها المتاعب؟

يحق لكل امرأة وفتاة أن تعتبره كذلك خلال فترات الحيض أو الحمل والولادة التي تشعرها بآلام وتقلبات نفسية شاقة للغاية، وأتفهم أن يراودها نفس الشعور عند تعرضها للمعاكسة أو التحرش اللفظي أو الجسدي بسبب شكل الجسد هذا، أو عندما يخذلها هذا الجسد الضعيف عند تعرضها للعنف فلا تستطيع الدفاع عن نفسها.

يحق لها كراهيته عندما يعرضها للانتقاد عندما تتزين وتبدو بأفضل حال فيتهمها البعض بأنها تهدف لإغواء الرجال، أو عندما تولد بقدر أقل من الجمال فيعرضها للتهكم والتمييز، عندما يعرضها لأحكام المجتمع الجائرة مثل الختان.

لكن، عندما نضجت أصبحت أؤمن جداً بأن ” كل ميسر لما خلق له ” وأن كل شيء له إيجابياته وسلبياته، فجسد الأنثى يمنحها قوةً لا يستهان بها إذ يجعلها محط اهتمام الآخرين، فتأثيره على الجنس الآخر فائق، كما أنه أكثر مرونة لتحمل جهدها اليومي في المنزل والعمل.

كما تستطيع كل امرأة أن تستخدم جسدها بالشكل الأنسب لكن هذا يحتاج منها للإيمان أولاً به.. فإذا كانت أزمتك مع جسدك في ضعفه فالحل يكمن في تعلم رياضات الدفاع عن النفس، أما إذا كانت أزمتك في إثارته للآخرين فهذا ليس عيباً فيه بل هي ميزة وفطرة طبيعية منحها له الله.

عزيزتي الأنثى، من قديم الأزل اهتم العالم بحضاراته المختلفة بجسد المرأة، كتبوا عنه وأفردوا مجلدات وقصائد لوصف أجزائه والتغزل به، حتى مشايخ العرب وقضاتهم الشرعيين كتبوا عنه، هذا لا يعنى سوى أنه مصدر إلهام لهم.

عزيزتي؛ الفروق التشريحية أو التكوينية والوظيفية بين جسدك وجسد الرجل لا تجعل من أي الجسدين أعلى مكانة أو أقل منزلة، فرغم أن الكثير من القيود المجتمعية تدفع باتجاه تقييد حرية جسدك وتسبب غضبك منه،  إلا أن خيار التمرد والإيمان بقيمة جسدك متروك لكِ أيضاً.

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد