مجتمعغير مصنف

الأزمات الاقتصادية في غزة تعيد الناس إلى “الحياة البدائية”

الكثيرون يضطرون لبيع الأثاث والأدوات المنزلية لتوفير الغذاء:

 

 

    رشا أبو جلال- قطاع غزة

تدفع الحاجة وضيق سبل العيش، المواطنين في قطاع غزة لبيع جزء من أثاث منازلهم، بثمن بخس، من أجل توفير احتياجات أفراد أسرهم الضرورية ومنعهم من التسول. ويشمل الأثاث المباع الأدوات والأجهزة المساعدة للمرأة في أعمال المنزل والتي تصبح في أوقات الأزمات الحادة غير ضرورية، أو ترفاً لا حاجة له، مثل الغسالة الأوتوماتيكية والمكنسة الكهربائية وشاشات التلفاز.. الأمر الذي أعاد الزوجات إلى الحياة البدائية وزاد من ثقل واجباتهن المنزلية

 

وجرت العادة في المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، تخصيص يوم واحد أسبوعياً في كل محافظة في القطاع، لعرض البضائع المستعملة في أسواق استثنائية تشبه إلى حد كبير الكرنفالات بازدحامها الشديد سواء على مستوى المعروضات أو المشترين.

ففي مدينة غزة يوجد سوق يسمى سوق الجمعة، وفي مدينة خان يونس جنوباً هناك سوق الأربعاء، ولدى المحافظة الوسطى سوق الخميس، أما المحافظة الشمالية فلديها سوق الأحد.

المواطن “خالد سليم” (48 عاماً) من مدينة غزة، حضر إلى سوق الجمعة لبيع جزء من أثاث منزله، وهو عبارة عن طقم كنب متوسط الاستعمال، من أجل توفير احتياجات أفراد أسرته الضرورية ومنعهم من التسول.

“سليم” كان يعمل في مصنع للباطون دُمر خلال الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014، ومنذ ذلك الوقت أصبح عاطلاً عن العمل ويعتمد على الجمعيات الإغاثية كمصدر رئيس للحصول على الغذاء.

 

سوق الأربعاء في خان يونس جنوب قطاع غزة

 

يقول سليم لمجلة “ميم”: “لم تعد أمامي خيارات سوى بيع عفش وأثاث منزلي، حيث نفدت كافة الأموال التي ادخرتها، ولم يتبق أي أموال لشراء احتياجات أسرتي المعيشية، والدواء الخاص بزوجتي المريضة بالسرطان”.

وأوضح أنه سبق وقام ببيع أسِرّة النوم الخاصة بأسرته التي باتت تنام على فراش يوضع على الأرض، مشيراً إلى أن بقاءه دون عمل سيجبره على بيع ثلاجة الطعام في القريب العاجل، وأضاف بنبرة مليئة بالحسرة: “ما فائدة ثلاجة الطعام وهي بلا طعام؟!”.

وتعكس حكاية “خالد سليم” الذي يسكن مدينة غزة، المعاناة التي يعيشها معظم سكان القطاع البالغ عدده 2 مليون نسمة، حيث يعيشون في ظل أزمات مالية وحياتية خانقة ومتعددة، انعكست على الوضع الاقتصادي الفلسطيني المدمر أصلاً، وجرته إلى مستويات خطيرة للغاية.

 

بيع كل ما يمكن بيعه في أسواق غزة

 

في سوق الجمعة، وقف الشاب “محمد” (29 عاماً) والذي فضل ذكر اسمه الأول فقط، أمام جهاز حاسوب آلي، وأرجوحة أطفال صغيرة، وقد وضع عليهما لوحة كُتب عليها “للبيع”.

 

ما فائدة ثلاجة الطعام وهي بلا طعام؟!

المواطن “خالد سليم” (48 عاماً)

 

وقال محمد الذي يسكن مدينة غزة ويعمل موظفاً لدى السلطة الفلسطينية بغزة لمجلة “ميم”: إن صرف السلطة رواتب الموظفين بنسبة 50%، “أرهقني فقراً وجعلني غير قادر على توفير الاحتياجات الضرورية لأسرتي المكونة من 4 أفراد بينهم طفلين”.

وأشار إلى الأرجوحة، وقال إنها كانت هدية من والدته عندما أنجب طفله الأول قبل عامين، وأضاف: “إنني ببيع هذه الأرجوحة أحرم أطفالي من اللعب، ولكن الحاجة الماسة أجبرتني على بيعها لأنها تعد من الكماليات، وأكثر ما أخشاه أن تستمر هذه الأزمة المالية لتجبرني على البدء في بيع الأغراض المهمة والتي لا يمكن الاستغناء عنها”.

 

بيع الدراجات الهوائية في سوق الجمعة وسط مدينة غزة

 

ترويج عبر “فيسبوك”

بيع الأدوات المستعملة من أجل توفير الاحتياجات الضرورية، لم يكن حكراً على الأسواق العامة، إذ يوظف الفلسطينيون مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة للترويج لما يودون بيعه، وباتت هناك عشرات الصفحات في موقع فيسبوك متخصصة لهذا الغرض.

 

المواطنة أم إبراهيم تحاول بيع خزانة أطفالها عبر فيسبوك

 

المواطنة إم إبراهيم (42 عاماً) نشرت منشوراً في صفحة (جروب السوق الحر) تعرض من خلاله خزانة ملابس أطفالها للبيع.

تقول إم إبراهيم التي فضلت عدم ذكر اسمها كاملاً لمجلة “ميم”: “نحن بحاجة لبيع هذه الخزانة من أجل شراء الطحين لإعداد الخبز، إذ أن الطرد الغذائي الشهري الذي نحصل عليه من “الأونروا” لا يسد حاجة أطفالي السبعة”.

وأوضحت أنها سبق وباعت من خلال الفيسبوك غسالتها الخاصة، وأصبحت من بعدها تغسل الملابس بيديها، مضيفةً: “الأزمات المعيشية أعادتنا إلى العصر الحجري. على أي حال لم يعد للأدوات الكهربائية قيمة أو فائدة في ظل أزمة انقطاع التيار الكهربائي المستشرية”.

ويصل التيار الكهربائي بيوت الغزيين 4 ساعات فقط يتبعها 16 ساعة من قطع التيار، إذ يبلغ مجموع الطاقة المتوفرة حالياً 120 ميجا وات، في حين يبلغ الاحتياج الفعلي للقطاع 500 ميجاوات، بعجز يبلغ 380 ميجا وات.

 

ابو ياسر أبو سعدة يعرض ما يشتريه من المواطنين في فيسبوك

 

التاجر أبو ياسر أبو سعدة الذي عرض مجموعة من الخلاطات المستعملة والقديمة للبيع على موقع فيسبوك، قال لمجلة “ميم”: “يوميا يأتني مواطنين يرغبون ببيع ممتلكاتهم، مثل مكانس كهربائية وخلاطات وغسالات، ليس لسبب سوى لحاجتهم الماسة للمال”.

وأوضح أن هناك ازدياد مستمر لإقبال المواطنين الميسورين على شراء الأدوات المستعملة بدلاً من الجديدة، نظراً لعدم القدرة على شراء البضائع والأدوات الجديدة التي عادةً ما تبلغ أسعارها ثلاثة أضعاف سعر المستعمل منها.

ظروف معيشية قاسية

وعن هذه الأزمات، يوضح الخبير الاقتصادي سمير حمتو، أنها ناجمة عن ظروف سياسية واقتصادية عديدة، من بينها الحصار الإسرائيلي والحرب على غزة، فضلاً عن الخلافات السياسية بين حركتي حماس وفتح، والأزمة المالية التي تعصف بمؤسسات السلطة الفلسطينية في الوقت الجاري.

 

سمير حمتو

 

وقال حمتو لمجلة “ميم”: “تسبب الحصار الإسرائيلي المستمر منذ 11 عاماً، في خلق واقعاً معيشياً مأساوياً، ومن ثم جاءت الحرب ودمرت كافة المنشآت الاقتصادية والتنموية، وبعد كل ذلك بدأ رئيس السلطة يتخذ إجراءات عقابية ضد غزة لدفع حماس نحو ترك الحكم فيها، من بينها خصم 50% من راتب الموظف الحكومي بشكل شهري، وتقليص إمدادات الكهرباء ما نشر مظاهر اليأس والفقر والاحباط في كل مكان”.

وتبلغ نسبة البطالة في المجتمع الفلسطيني بغزة 46.6%، فيما تبلغ نسبة الفقر 53%، بحسب آخر إحصاءات نشرها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

 

مؤشرات خطيرة

أما ماهر الطباع الخبير الاقتصادي الذي يشغل منصب مدير العلاقات العامة والإعلام بغرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، فيقول لمجلة “ميم” إن المؤشرات الاقتصادية في قطاع غزة مخيفة إلى درجة تشكل مبرراً قوياً لقيام المواطنين لبيع أثاث منزلهم وهواتفهم الذكية والأدوات الكهربائية التي تساعدهم في الحياة والمعيشة.

 

ماهر الطباع

 

وأوضح الطباع أن نصف سكان قطاع غزة يعتمدون على الطرود الغذائية التي تقدمها المنظمات الدولية كوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، كمصدر رئيسي للحصول على الغذاء.

وأشار إلى أن الأزمات التي تعيشها غزة جعلت جميع شرائح المجتمع في مواجهة الفقر، بدءً بشريحة العمال والموظفين وليس انتهاءً بشريحة التجار ورجال الأعمال، مضيفاً: “خلال عام 2017 بلغت قيمة الشيكات المرجعة في تعاملات التجار 112.8 مليون دولار، فيما في عام 2016 بلغت 62.8 مليون دولار، وفي عام 2015 بلغت 37.7 مليون دولار. وهذا يعني أن إفلاس التجار يتعاظم شيئاً فشيئاً في قطاع غزة”.

وبيّن أن ارتفاع مستويات الفقر والبطالة وتلقي الموظفين نصف رواتبهم بشكل غير منتظم، تسبب في خلق عدة مظاهر اجتماعية واقتصادية في المجتمع الفلسطيني، من بينها توجه الموظفين لبيع أثاث منزلهم، مشيراً إلى أن استمرار هذه الأزمة سيزيد من اتساع ظواهر سلبية مثل التسول.

 

سلطة فلسطينية عاجزة

ومن جهة أخرى، تعاني السلطة الفلسطينية من عجز كبير في مواردها المالية اثر تراجع التمويل الأجنبي بشكل غير مسبوق من جهة، وقيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بفرض قانون في 2 يوليو الجاري، يقضي باقتطاع جزء من أموال الضرائب الفلسطينيّة (المقاصّة) التي تجبيها (إسرائيل) لصالح السلطة، يعادل المبالغ التي تدفعها للأسرى والجرحى والشهداء الفلسطينيين وعائلاتهم، والبالغة 300 مليون دولار سنوياً.

وكان رئيس الوزراء رامي الحمد الله، قال خلال لقاء حول الموازنة العامة مع رجال أعمال وممثّلي مؤسّسات المجتمع المدنيّ في رام الله في 19 فبراير 2018، إن الدعم الخارجي للسلطة الفلسطينية تراجع بنسبة 70% مقارنة مع عام 2010.

بالنسبة إلى سمير حمتو فإن القانون الإسرائيلي لاستقطاع 300 مليون دولار سنوياً في محاولة لدفع السلطة وقف دفع رواتب للأسرى وعائلات الشهداء الفلسطينيين، “يعد قرصنة إسرائيلية تهدف إلى تجفيف منابع ومصادر المال للفلسطينيين لتشديد الحصار عليهم”.

وأوضح أن هذا الإجراء أثر بشكل كبير على شريحة الموظفين التابعين للسلطة الفلسطينية وعلى عائلاتهم، مشيراً إلى أن المواطن بات يتجه للاستدانة من الآخرين من أجل توفير احتياجات منزله، كما بات مضطراً لبيع مقتنيات عائلته الخاصة من أجل سداد هذه الديون.

وحتى حل كافة المشاكل السياسية والاقتصادية التي تسببت بهذه الأزمات المالية، يتوجب على المواطنين اتباع إجراءات تقشفية صارمة، والحرص على توفير أدنى المتطلبات الحياتية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد