مجتمعغير مصنف

“إسمي إيلياز، وأنا من سربرينتسا”

أحد الضحايا يروي تفاصيل المجزرة المروعة

 

إسمي إيلياز ، عمري واحد وخمسون، وأعمل طبيباً، وأنا من سربرينتسا.

أكتب هذا الكلام لأنّ جيلاً سيأتي بعدنا، وسيقول “ أنا من سراييفو، لكنّ أسرتي أصلها من سربرينتسا “  هكذا اذن !

باتت سريبرينتسا قصيّة ، بعيدة المنال، محرومة من أبنائها وأبناؤها محرومون منها، محرومون منها وهم الذين بذلوا مهجة عيونهم لأجلها، دماء قلوبهم.

أزور  سريبرينتسا في الحادي عشر من تموز كل عام، وأشارك الآلاف في صلاة الجنازة على رفات الشّهداء الذي اكتشف مؤخراً، يتكرّر انذهالي من جمال المدينة الآسر، أرفع رأسي لأتأمّل جبالها الشّامخة باذخة الخضرة،  كثيرٌ من أبناء الجيل الجديد يأتون معي لصلاة الجنازة ويخبرونني عن تأثّرهم من هول المذبحة،  ومن دفاع جيلنا  عن المدينة حتى آخر رمق، هم لا يعلمون أنّ المجزرة كانت هي الفصل الختامي من مأساتنا، وأنا في هذه السّطور أحاول أن أروي بعضاً ممّا شهدته كطبيب ومحارب في سربرينتسا، باعتبار أنّي من القلّة الذين بقوا على قيد الحياة.

ولا استطيع القول أنّي حيّ في الحقيقة.

لقد تسرّبت منّي روح الحياة ببطء قاتل، فمنذ اليوم الأول لعدوان الصّرب على بلدنا، وأنا أشهد احتضار الإنسانيّة، فما بتّ أميّز ملامحها، مدى الخذلان الذي عاناه أبناء مدينتي،  ومستوى الوحشيّة ، وقسوة الجوع والبرد والمرض والخوف الذي يجمّد العروق كان فوق احتمال أي مخلوق، لذا نعيش أنا ومن نجى من رفاقي لأنّها إرادة الله فحسب.

 

تحرير ثمّ تجويع

ففي بداية ربيع ١٩٩٢، غزت وحدات جيش صرب البوسنة مدن شرق البوسنة الواقعة على ضفاف نهر درينا، ‪سرعان ما سقطت ، كان الصّرب قد خطّطوا لهذا منذ سنوات، لديهم أطماعهم ب “صربيا الكبرى”، والبشناق المسلمون كانوا مجرّد شعب يبحث عن ذاته بعد عقود من قمع هويّتنا، حاولوا السّيطرة على مدينتنا والمناطق حولها، خلال شهرين قتل ستمئة مدنيّ بينهم عدد كبير من النّساء والأطفال، في قرية قريبة قتل الصّرب جارتهم البشناقيّة، في مدينة أخرى أطلقوا النّيران على كل ما يتحرّك،  كان التّطهير العرقيّ قد بدأ .

 

 

سارعت للدّفاع عن مدينتي، كانت قريتي على نهر درينا الفاصل بيننا وبين الصّرب، وكأنّها بمثابة جبهة الدّفاع الشّرقيّة للمدينة، فإذا دخلها الصّرب ستصبح المدينة مفتوحة لهم. نظّمت صفوف المتطوّعين، وبفضل مكانتي كطبيب منحوني قيادتهم في منطقتنا.

كان اليوم الأوّل مرعباً، فرق كبير بين سماع القذائف وهي تطلق من بعيد وبين سماعها تسقط بجواري علي مسافة أمتار، استجمعت شجاعتي لمّا رأيت أصدقائي يتعاملون مع الأمر كأيّ حدث عاديّ وعندما رأيت أشلاء الجرحى والشّهداء ، كان غضبي من غدر الصّرب  قد وصل حدّا قتل لديّ كل خوف، كان المحتضرون يئنّون بجواري وبعضهم ينادي أمّه، وآخر يطلب الرّحمة من الله وأنا في داخلي أؤمّن على دعائه وأتنفّس عميقاً وأدرك في كل لحظة نعمة البقاء، وأقسم على أن أجعل من وجودي على قيد الحياة ذا معنى وأنتقم لهؤلاء الرّفاق.

تمكّن المدافعون من صدّ الهجوم الصّربيّ بصعوبة، وغنمنا عشر دبّابات وآليّات ثقيلة، ولكن لندرة الوقود في المدينة، لم نستفد منها شيئاً. وصل ناصر أوريتش، ابن مدينتنا والذي كان يعمل في الحرس الرّئاسيّ لينظّم مقاومة البشناق في كلّ المدينة، ورفع مجيئه من روحنا المعنويّة، و بعدها باثنين وعشرين يوماً فرّ الصّرب من مدينتنا، كانت سربرينتسا أوّل مدينة محرّرة في البوسنة.

 

لقطة لموكب الفارّين من سريبرنتسا عبر الغابات

 

بعد تحرير المدينة ، عشنا جوعاً رهيباً لأنّ الصّرب حاصروا المدينة حصاراً محكماً، كنّا مقطوعي الصّلة عن بلدات البوسنة الأخرى ولا يمكننا الدّخول والخروج من المدينة إلّا عبر الهوليكوبترات ، فالدّبّابات  تقف لنا بالمرصاد، وأقرب مدينة تابعة للحكومة البوسنية “توزلا” تبعد عنا سبعين كيلومتراً.

كانت النّساء تخرجن أفواجاً في الصّباح للحقول والغابات المحيطة قائلات العبارة الدّارجة حينها “ ذاهبات للحصول على الطّعام”، وصل الأمر بهنّ إلى مرافقة جنودنا للقرى التي هرب منها سكّانها، ليحاولن البحث في البيوت المهجورة عن أيّ طعام متبقّ. كانت الأمّهات تنجبن مواليد بوزن كيلو ونصف لنقص غذائهنّ، إذ اقتصر طعام جميع سكّان المدينة على وجبة واحدة، ولو نظرتم إلى صورنا المخيفة تلك الفترة لعلمتم ماذا فعل الجوع بنا .

 

جنود صرب يحاولون قنص الفارّين من سربرينتسا عبر الغابات

 

وامتلأت مدينتنا فجأة بالسّكّان، لجؤوا  من القرى  والمدن المجاورة ، صار العمل في المستشفى  أكثر حركة بما لا يقاس بالسّابق، و تأتينا حالات لا أعرف لها وصفاً في قاموسنا الطّبّيّ، شخص تعرّض للذبح ولم يمت لأن شرياني الرّقبة لم يقطعا،  فتيات حوامل من الإغتصاب و يتوسّلن عمليّة إجهاض ليتخلّصن من العار،  جاءتنا امرأة مصابة بالصّدمة، لأن طفلها الذي كانت تحمله على ظهرها أثناء جريها للهرب ، اكتشفت أنّه بلا رأس بعد وصولها للمدينة، أصابته قذيفة ولم تنتبه لهول الوضع حولها.

كان الصّرب يتفنّنون في تشويه الجثث والأحياء ، شاهدت في التّلفاز لقاءً مع واحد منهم قتل ثمانين مسلماً بنفسه، وعندما ينقص عليه المال يقطع أذن أحد الضّحايا ويبيعها بخمسين ماركاً.

في ابريل ٩٣ سقطت قذائف صربيّة على سربرينتسا على ملعب مدرسة، وقتلت ثمانين شخصاً معظمهم من الأطفال ، وجدت مشقّة هائلة في جمع فتات الرؤوس ، وشعرت حينها أنّي فقدت جزءاً من صوابي.

ما كان يزيد من صعوبة عملنا هو ندرة  الكادر الطّبّي والدّواء والمعدّات ، كنّا نقوم بالعمليّات الجراحية دون تخدير، كنت أرجو أحدهم أن يتماسك ريثما أبتر له يده أو قدمه،  ويغمى على المريض من الألم، وكنت أستعمل منشار الخشب لإجرائها، حتى الحبوب العلاجيّة البسيطة انقطعت.

منطقة آمنة

وفي ١٦ ابريل من عام ٩٣ ، أعلنت الأمم المتّحدة سريبرينتسا منطقة آمنة.

وصل فيليب موريلون زعيم القوّات الدّولية لأرضنا ، وبدأ يقنع قائدنا العسكريّ بضرورة التّخلّي عن سربرينتسا لحقن الدّماء ولتخليص المدنيّين من ظروف الحياة الصّعبة ، كان ردّ قائدنا أنّ قرار الخروج هو قرارنا ، ولكنّ حماية المدنيّين وتوفير ضروريّات الحياة لهم هم واجب الأمم المتّحدة الذي من المفترض أن تقوم به، وليس بوسعهم التّهرّب من هذا الواجب فحسب وإلقاء الّلوم عن المدافعين عن المدينة ، هم يدافعون عن أرضهم، وهذا حقّهم الطّبيعيّ.

رضخ الجنرال موريلون ، وأعلن عبر مكبّرات الصّوت أنّ سربرينتسا باتت تحت حماية الأمم المتّحدة، وهلّل النّاس في الشّوارع ، ظنّاً منهم أنّ الأمور في طريقها إلى التّحسّن ، ولكن دفعنا ثمناً غالياً لإعلان مدينتنا منطقة آمنة، اشترطوا التّخلّي عن سلاحنا، وأجبر المدافعون على تسليم ما يملكونه من سلاح وعتاد، بعضهم خبّأ سلاحه لأنّه لم يثق بنواياهم،  وكنت أنا منهم.

ردمت قوّات الأمم المتّحدة الخنادق التي أقمناها على حدود المدينة لإعاقة الصّرب إن حاولوا الهجوم ثانية. باتت سربرينتسا مكشوفة تماماً للعدوّ.

ومن أقسى الأشياء علينا  كان موقف القوّات الدّولية التي (من المفترض) أنّها جاءت لحمايتنا ، كنت أشعر أنّهم  ميّالين للصّرب أكثر ، لا أدري ما السّبب إلّا لأنّهم كانوا القوّة الأكبر على أرضنا ، منذ بدايات ٩٣ والأمم المتّحدة توجّه نداءاتها ورجاءها من سكّان مدينتنا أن يخلو المدينة وينتقلوا إلى توزلا، وكأنّه بالأمر اليسير ! لا أدري كيف يفكّرون!

ولم أشعر بأي تعاطف منهم مع ظروفنا، كان هناك إخلاء لجرحى  من قوّات الأمم المتّحدة أصيبوا بسبب إطلاق قذائف صربيّة على المدينة ، كان سيتمّ نقلهم لتوزلا عبر طائرة هوليكوبتر لتلقّي العلاج في مستشفياتها حسنة التّجهيز بالمقارنة بستشفانا البسيط، وكانت هناك حالة متقدّمة لرضيع يعاني الجفاف بسبب الجوع، رجوناهم اصطحاب الرّضيع معهم ليعالج في توزلا لأن العلاج لدينا غير متوفّر، رفضوا ذلك قائلين: ليس هناك مكان له في الطّائرة، لا زال منظر الأب جالساً على رصيف الشّارع  يبكي ويقبّل وجه صغيره الميّت عالقاً في ذاكرتي.

جاءت شاحنات منهم محمّلة بالمواد الغذائيّة، قدّمت المساعدة، غير أنّ كل  الاغاثة تلك لم تكفي العدد الهائل من اللاجئين الذين انقطعت بهم السّبل، شهدت التّدافع على شاحنات المعونة، رأيت الفوضى النّاجمة عن حالة اليأس المطبقة على السّكّان، كانوا يشعرون أنّهم متروكون مهملون من الجميع، لا أحد يأبه بهم، تعامل العالم معهم كبائسين لا كبشر، لا أستطيع أن أغفر أبداً مواقف الدّول الكبرى وألعوبتهم منظّمة الأمم المتّحدة، كان صمود مدينتنا عقبة أمام ضمّ أجزاء البوسنة التي يسيطر عليها الصّرب ويريدون أن يقيموا عليها دولتهم، كان لابدّ من الإنتهاء منّا، وهذا ما قد حدث، في يوليو٩٥.

 

طابور الرّجال الذّاهبين للإعدام بالقرب من قاعدة الأمم المتحدة – Copie

وارتفع صوت القتل

بالنسبة لنا ، بدأت الأحداث بالفعل في السادس من يوليو. كان ذلك عندما بدأ الهجوم الصّربي و سارعنا  إلى أسلحتنا المخبّأة. ارتأى رفاقي أن أتفرّغ لعمل الطّبيب لأنّ عدد الأطبّاء المتبقّين كان يعدّ على أصابع اليد الواحدة. دخلت المستشفى في السادس من يوليو ولم أتركه لخمسة أيام.

كان هناك الكثير من الجرحى، وتوقفنا عن تدوين معلوماتهم لعدم وجود وقت،  لقد كنت منهمكاًباستمرار في العمليّات الجراحية. نمت في المستشفى ساعتين أو ثلاث ساعات في الليلة. كان مركز المدينة محميًا  وكان هناك صراع في الضواحي، ولكن دفاعنا كان يتراجع كل ساعة. كان واضحا لي تماماً ما كان يحدث في الخارج.

نحن وحيدون ، وحيدون تماماً بلا أيّ مساندة، وهذه كانت النهاية. بقي لدي أملٌ وحيد ،لو سقطت المدينة لن تكون هناك مجزرة، على الأقلّ بسبب وجود القوّة الهولنديّة التّابعة للأمم المتّحدة.

اجتمع الضّابط كاريمان رئيس القوّة الهولنديّة بقائدنا وأخبره أنّ النّاتو سيقصف الآليّات الثّقيلة للصّرب في صباح الحادي عشر من يوليو ليوقفوا هجومهم، ولذا من الأفضل أن تنسحب قوّاتنا من خطّ الجبهة لئلّا تقصف، لم ندر أنصدّق وعوده أم لا، لكنّنا سكتنا على مضض، وقرّرنا وقف القتال.

 

الأب يبكي ابنه الرّضيع الذي مات جوعاً

 

وانتظرنا قصف النّاتو ، بلا طائل. لقد تمكّن الصّرب من اقتحام المدينة.

وفي الساعة الواحدة بعد الظهر، أمرت بإخلاء المستشفى. ذهبت إلى إحدى القواعد الهولندية بالقرب من المستشفى لمحاولة حملهم على أخذ المرضى المصابين. لم أودّ أن يكون هؤلاء فريسة سهلة .وعند البوّابة  جاء أحد ضباط الأمم المتحدة وقال لي إنهم لا يريدون أن يكونوا متورّطين في ما وصفه بـ “صراع المسلمين والصرب”.  كنت غاضباً جدا وبالطبع صرخت به، قلت له “إذا لم تفتح الآن فسوف أسقط هذه البوابة. أحتاج إلى نقل مرضاي إلى مكان آمن”. شعر الضّابط بجدّيّة تهديدي، ولذا سمح لنا بالدخول .

جمعت موظّفي المستشفى في المبنى الفارغ. أخبرتهم بأن أمامهم خياران – الذهاب إلى قاعدة الأمم المتحدة في بوتوتشاري أو الغابة. بالنسبة للرجال ، كان القرار واضحاً. كانت الغابة هي الخيار الوحيد ، لكن زملائي الإناث قررن أيضاً تجنب قاعدة الأمم المتحدة،  لذلك توجهن معنا.

عندما أعود تلك اللحظات ، كان شعوري الرئيسي هو الالتزام بأمن أكبر عدد ممكن من الجرحى دون التفكير في حياتي الخاصة. كنت أعلم أنه من المنطقي محاولة مغادرة المنطقة في أقرب وقت ممكن بعد ذلك ، ولكن لسبب ما رفضت أن أصدق أن هذه هي النهاية. حاولت إنشاء اتصال لاسلكي مع  العاصمة سراييفو من مكتب البريد. لم يستجب أحد.

عدت لبيتي، لم يكن والدي وأخواي قد عادا بعد، أخبرت أمي أني ذاهب إلى أقرب منطقة تسيطر عليهاالحكومة البوسنية “توزلا” مشياً عبر الجبال ، نظرت لي بوجوم ولم تعلّق، طمأنتها بأنّنا سنلتقي قريباً، عانقتني وبكت ، تظاهرت بأنّي متماسك وهادئ، وخرجت متوقّعاً لقاء أبي وأخواي في الطّريق ، لابدّ أنّ الخبر بلغهما كما بلغني، لم أحمل معي الا بندقيتي ، وحقيبة اسعافات أولية، ومعطفي ،  توجّهت للشّارع الذي من بعده تبدأ الجبال ورأيت رفاقي المدافعين في طريقهم أيضاً إلي وجهتي ، بعضهم يحمل بندقيّته وبعضهم لا يملكها.

والتقيت أخي الأكبر سناً زياد، كنّا قد اتفقنا مسبقاً على الخروج معاً نحو الغابة، لكنّي لحظتها رأيته متردّداً، وبدا يائساً تماماً. تطلّع في وجهي في مفترق الطرق بين الغابة وقاعدة للأمم المتحدة، وقال: “ما رأيك؟ إلى أين نذهب ؟”  نظرت نحوه، عاجزاً عن الإجابة، لا أعرف كم من الوقت. وفي تلك اللحظة قال إنه ذاهب إلى قاعدة الأمم المتّحدة ليرافق أمي، لم أحاول حتى منعه. كنت أتخيل ما سوف نواجهه في صعود الجبال في الغابة.

قال لي: ” من  الأفضل  أن يذهب كل منا في طريقه. ذلك سيزيد من فرص البقاء على قيد الحياة لواحد منا.”

على مدى الثلاثة والعشرين سنة الماضية ، لم يمر يوم واحد حيث لا أسأل نفسي إذا كان هناك شيء يمكن أن أقوم به بشكل مختلف، لو أمسكت به فقط.

 

مما وجد بين رفات ضحايا التّطهير العرقيّ

 

حدّثتني أمّي عما جرى لهما بعد أن افترقنا : “كنّا قد تجمّعنا حوالي عشرين ألفاً في  بوتوتشاري، جائعين شاعرين بالهلع، مرّ بنا جنود الصّرب، ينظرون إلينا بتشفٍّ ولامبالاة، كانوا ينتظرون قائدهم راتكو ملاديتش ليصدر الأوامر حول مصيرنا، وعندما جاء ، كانت كاميرات التلفزيون الصّربيّ تلاحقه، تحدّث إلينا قائلاً: “لا تقلقوا ! سوف نأخذكم إلى مكان آخر، لن يمسّكم أحد بسوء .” لكن عندما غادرت الكاميرات، رأيته يشمّر عن ذراعيه قائلاً لجنوده :” إخواني الصّرب، هذه فرصتكم التي لن تتاح مرّة أخرى” وقهقهوا جميعهم.

طلبوا منّا أن ننقسم لطابورين ، طابور فيه رجال وفتية بين الرّابعة عشر والسّتّين، وطابور فيه نساء وأطفال وعجائز، كان ابني زياد واقفاً بقربي ، نظرنا إلى بعضنا وتعانقنا ذاهلين ، كلانا لا يدري ما مصيره.

كان الأطفال كثيرين، في آخر القاعة كانت أمّ تحمل رضيعتها الصّارخة ، اقترب منها جنديّ وقال : اخرسي هذه الطّفلة. والأم تهزّها بقوّة محاولة إسكاتها، فبادر الصّربي  وتناولها وفصل رأسها . اقشعرّت أبداننا كلّنا وساد الصّمت، شعرنا بما هو قادم.

ركبنا الحافلات التي أحضروها لنا ، وسط الرّكلات والتّهديد والسّباب، بعض النّساء والفتيات أخذوهنّ من الطّابور للإغتصاب ، ولم يستطع أحد أن يفعل شيئاً، كنت أحاول الصّراخ فلا يخرج صوتي، وانعقد لساني تماماً. بقيت هكذا حتى وصلنا لتوزلا.”

 

مقابر جماعية لضحايا المجزرة

 

لم يكن طريقي أفضل من طريق أمّي.

فحين بدأت صعود الجبل، كان في أوّله سهلاً، فقد ألفناه منذ أن كنّا نزوره في رحلاتنا المدرسيّة، لكن بعد عشرين كيلومتراً، سوف يخرج الجبل من حدود المدينة، وستبدأ مناطق سيطرة الصّرب، ولن يتركوننا نمرّ بسلام، تأمّلنا أن تحجبنا الغابات الكثيفة عن عيونهم.

حذّرني رفيق أنّ مساحات الغابة التي سنعبرها الآن مليئة بالألغام ، قال لي أن علينا انتظار أحدهم من الخبراء الذي سيساعدنا على المشي متفادين الألغام ، انتظرناه قرابة السّاعة، كان شابّاً صغيراً تبدو علامات الذّكاء على وجهه.

أمرنا بأنّ علينا أن نضع خطانا في مكان خطوته تماماً، كان الأمر بالغ الصعوبة، مشينا وجباهنا تتصبّب عرقاً، كنت أفكّر بأبي وأخي الثّاني نجاد، لماذا لم ألتق بهما حتى الآن ؟غربت الشّمس، وصرنا حذرين في خطواتنا أكثر، وكلّما تقدّمنا ينضمّ إلينا المزيد، في منتصف الليل  انضمّت قرية كاملة ، برجالها ونسائها وأطفالها وحتى دوابّها ، وعلا الضّجيج بعد أن كنّا لا نصدر صوتاً مخافة أن يكتشفنا الصّرب الذين يتمركزون على بعد كيلومتر بعيداً عنا ، وما هي إلّا دقائق حتى تحوّل المكان إلى جحيم.

 

رفات ضحية من ضحايا التطهير العرقي

 

سقطت أعداد هائلة من القذائف ، وبدأت الأشجار حولنا تشتعل، وهرب الكلّ في جميع الاتجاهات فانهال عليهم رصاص القنّاصة إذ أصبح الجميع في مرمى الرؤية، تلفتّ حولي باحثاً عن أفضل سبيل للنّجاة، وركضت إلي الأمام غير عابئ بالجثث التي تناثرت، سمعت شهقة مرعبة تحت قدمي، لقد دست أحدهم وهو ما زال حيّاً، لم أكن في حال أستطيع فيها أن أنظر إليه وأن أسعفه، كنت فقط أريد التنفّس بعد الدّخّان الهائل الذي أحاط بنا .

تجمّعنا نحن الذين بقينا أحياء في بقعة مظلمة نلهث، وصل أحدهم وقد أحرقت النار ذراعه وامتدّت لبطنه، جثوت على الأرض أحاول إسعافه ، ما لبث أن جاء ناجون جدد، بعضهم يصرخ وبعضهم يرتعد كما كنّا كلّنا نفعل، قرّرنا المبيت في هذا المكان ونواصل السّير بعد ساعات حتى نتأكد من توقّفهم عن إطلاق النّار .

 

 

في الأيّام التّالية تعرّضنا لقصف آخر ، لم يمت كثيرون هذه المرّة ، كان القصف يأتي من مكان أبعد، واجهنا خطر شرب المياه المسمومة وأسعفت المصابين، رأينا في طريقنا رجالاً ونساء جرحى عاجزين عن الحركة فارتجلنا محفة ونقلناهم على أكتافنا ، حتى التقيت بأبي.

عانقنا بعضنا، من نشيجه فهمت أنّ نجاد قد فقد أثره بعد قصف آخر، لم أتمالك نفسي حينها وبكيت أنا الآخر ، بكيت سربرينتسا ، وأخي، ورفاقي الذين قضوا أمامي.

عندما وصلت أخيرا إلى المنطقة الحرة ، لا أستطيع أن أقول إنني شعرت بأي إحساس بالسعادة. كل تجربة مررت بها سابقًا كانت أقوى من الإحساس المتوقع بالسعادة. ما زلت لا أشعر بالفرح الكامل ، بعد أكثر من عشرين عامًا. نعم وقعت في الحبّ ، وتزوّجت وأنجبت ابنين وبنت، سمّيتهم زياد ونجاد على اسم اخويّ الشّهيدين، والميادا على اسم أمّي. لكنّ ضباباً كثيفاً من الأسى جاثمٌ على الرّوح.

حياة الإنسان فيها مزيج من الفرح والتّرح لا شكّ، وفي كثير من الأحيان تكون البلادة هي وسيلة الدّفاع عن النّفس لمنع انهيارها من هول ما رأت وعاشت، أقاوم هذه البلادة لأشعر أنني ما زلت إنساناً، وأبادر للمزيد والمزيد من كتابة ورواية ما جرى في سربرينتسا ، وفي كلّ نصٍّ أكتبه أبدأ بهذه المقدّمة :” إسمي إيلياز، وأنا من سربرينتسا”.

 

تنويه

“… هذا النّص مستوحى من شخصيّة حقيقيّة، والأحداث هنا جرت بالفعل، لكن على نحو أكثر فظاعة وإيلاماً في عالم الواقع ، لذلك اقتضى التنويه”

الوسوم

مريم تولتش

صحفية متابعة للشؤون الأوروبية ومتخصصة في البوسنة والهرسك

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق