اختيار المحررينثقافةغير مصنف

كاهلو وريفيرا.. زواج غريب الأطوار

 

 

 أصيبت بشلل الأطفال منذ نعومة أظفارها، فلم يتمكن منها اليأس بل جعلت من عجزها نقطة انطلاقها في عالم الإبداع، إننا نتحدث عن الرسامة المكسيكية ” فريدا كاهلو ” التي تعتبر إحدى أهمّ النساء الرائدات في العالم إذ مازال حضورها إلى اليوم طاغيا على الحركات النسوية المطالبة بتحرير المرأة.

 

 

ولدت فريدا كاهلو بالمكسيك في 07 جويلية  1907 لأب من أصول ألمانية ويقال أنّه من يهود ألمانيا وتوفيت في 13 جويلية 1954رغم حياتها القصيرة ( 47 سنة ) إلا أنّها تركت تاريخا حافلا بالانجازات العظيمة.

 

 

بدأت معاناتها مع المرض منذ طفولتها واستمر بعد شبابها، أصيبت بشلل الأطفال في سنّ السادسة ثم تعرّضت إلى حادث أليم (1925)  خضعت على إثره إلى 35 عملية، وأثناء عجزها عن مواصلة الحياة بشكل عادي طيلة فترة إصابتها، رسمت فريدا كاهلو نفسها ” رسمت نفسي لكوني في أغلب الأحيان وحيدة، إضافة إلي أنّ ذاتي هي أفضل موضوع أعرفه”.

 

 

مثل لها الرسم تحديا كبيرا لقهر عجزها وهي القابعة فوق فراش تنظر إلى مرآة ضخمة معلقة أعلى السقف، جسد مرقع بالمسامير لا تملك القوّة على تحريكه كما تشاء فحركت الألوان وصهرتها لتصبح في وقت وجيز من أهمّ الرسامين في ذلك العصر.

 

 

قال البعض عنها أنّها أفضل من كتبت سيرتها الذاتية ومن هؤلاء الروائي المكسيكي “كارلوس فويتنس” والذي قدّم مذكراتها قائلا : ” إنّ فريدا كاهلو لن تغمض عينيها البتة، لأنّها كما تقول في يومياتها للجميع ولنا أكتب للجميع بعيني”.

 

زواج غريب الأطوار 

خطف الفنّان “دياغو ريفيرا” أحد أهمّ رسامي الجداريات قلب فريدا التي هامت به حبّا، ورغم اختلافهما الجسدي تعلق قلب الحمامة بالفيل كما أطلق عليهما، كانت تبلغ من العمر عند زواجها بريفييرا 22 سنة وكان يكبرها بعشرين عاما.

 

 

تزوج الثنائي سنة 1929 وعاشا قصة حبّ غريبة الأطوار، لم يجمعهما بيت واحد، كانت تعيش بمنزل منفرد عن منزل دياغو الملاصق لمنزلها، تعذبت فريدا من خيانات زوجها المتكررة حتى وصلت الخيانة إلى حدّ لم تتحمله فقد خانها مع شقيقتها الصغرى كريستينا.

 

 

 

 

حدث الطلاق بينهما سنة 1939، تروى بعض الأحاديث عن ميول فريدا الجنسية المثلية، وتروى أحاديث أخرى أنّها كانت تمارس الجنس مع عشيقات زوجها.. ربّما كانت تبحث في أجسادهن عن ما نقصها حتّى يخونها زوجها ويتنكر لعشقها الكبير له.

 

 

 

انتقمت فريدا من زوجها الستاليني بارتباطها بعلاقة عابرة مع ” ليون تروتسكي” أثناء هربه من حكم جوزيف ستالين إلى المسكيك، وقد أقام بينهما في الفترة 1937 إلى 1939  دافعت فريدا عن تروتسكي رغم انتمائها للحزب الشيوعي المكسيكي، ربّما ردا على خيانات دياغو لها فقالت في إحدى المرّات : كنت عضوا بالحزب قبل أن التقي ريفيرا. وأنا ماركسية أفضل منه، وعاشقة أفضل منه”. .

 

 

قامت الرسامة المكسيكية بإهداء المنشق ليون تروتسكي لوحة بعنوان ” لوحة ذاتية مهداة إلى ليون تروتسكي ” شغف المناضل اليساري بالرسامة المكسيكية وبشخصيتها الودودة واللطيفة وتوفي تروتسكي سنة 1940 في عملية اغتيال.

 

 

بعد فترة من الطلاق عادت فريدا إلى زوجها في أواخر سنة 1940  واستمر  زواجهما إلى لحظة وفاتها سنة 1954.

 

 

العذاب الشخصي سمة إبداع فريدا 

 قامت فريدا بتدوين حياتها الخاصة بالألوان، حملت أغلب لوحاتها أوجاعها وعذاباتها الخاصة، كما حملت أيضا تشبثها بهويتها المكسيكية عن الإجهاض والخيانة والخصوبة المعدومة رسمت فريدا وكتبت مشاعرها بالألوان التي بقيت شاهدا على مأساة امرأة.

رسمت فريدا الإجهاض من منظور امرأة حلمت مرارا بالإنجاب ولكنّها لم تفلح في تحقيق رغبتها، تكرّر حمل فريدا ستّ مرّات دون جدوى، كانت تحلم بإنجاب طفل أو إنجاب دياغو صغير كما كتبت لزوجها : ” لقد أردت أن أكتب إليك من فترة طويلة، طويلة جدًا لدرجة حتى لا تستطيع تخيُلها، لطالما تمنيت أن يكون لي ديجو صغير، وبكيت طويلاً لأجل هذا الأمر، أما وأن الأمر قد أصبح ميئوسًا الآن، لا يوجد شئ يتوجّب علينا فعله سوى أن نتحمّل “.

 

 

حملت أغلب لوحاتها عذاباتها الشخصية، الفراق والإجهاض، رغم مكابرتها في لوحة “الفريدتان ” والتي رسمت بعد طلاقها من زوجها حاولت فريدا التنصل من عشقها إلا أنّها لم تفلح وعادت إليه أكثر شغفا  قال زوجها  دياغو ريفييرا  عنها : ” فريدا هي المثال الوحيد في تاريخ الفنّ، عن الفنانة التي مزقت صدرها وقلبها لتكشف عن الحقيقة البيولوجية لمشاعرها”.

 

 

 

نجحت فريدا في لفت أنظار عظماء عصرها سواء نحو شخصيتها المختلفة أو نحو فنّها الذي وصفه البعض أنّه ينتمي إلى مدرسة ” السريالية ” وهو الأمر الذي رفضته فريدا بشدّة كانت تردّ على القائلين أنّها ترسم واقعها لا أحلامها، من أشهر أصدقائها الرسام العالمي بابلو بيكاسو  والذي قال عنها : ” لا يمكننا تجسيد الصورة الشخصية كما تفعل فريدا “.

 

 

أتمنى أن تكون النهاية مبهجة وأتمنى أن لا أعود أبدا 

سحبها الموت إليها رغم أنّها حاربته بكل ما ملكت من أمل وإصرار على الحياة، كان الموت أقرب لها، سحبها إليه رويدا رويدا، بترت ساقها اليمنى سنة 1950 وذلك بعد إصابتها بالغرغرينا، وهو ما جعلها تستهلك الموّاد المسكنة للأوجاع ، انعكست نفسيتها السيئة على لوحاتها الأخيرة.

 

 

قضت آخر حياتها في التنقل بين تقديم دروس الرسم ونشاطها الحزبي، ثم رحلت نتيجة مشاكل في التنفس ويرجح البعض أنّها انتحرت، تمّ إحراق جثتها تنفيذا لوصيتها ووضع رماد جثتها في جرّة معروضة ضمن لوحاتها ومقتنياتها الشخصية بالبيت الأزرق الذي عاشت فيه أغلب حياتها والذي تحوّل إلى معرض في أوائل الثمانينات.

إلى اليوم مازالت صور فريدا منتشرة وسيرتها الذاتية موضع تأمل ومبحث للنسويات اللواتي رأين فيها صورة المرأة المحاربة والمكافحة رغم الصعوبات الصحيّة والعاطفية، لقد تحوّلت فريدا إلى أيقونة حيّة في أذهان النساء في مختلف العالم.

لم تتخل فريدا عن أفكارها ومارستها إلى آخر لحظة في حياتها بل جعلت من عذاباتها الشخصية دافعا للإبداع والمضي نحو الخلود الفنيّ.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد