الرئيسيثقافةغير مصنف

فيلم آخر أيّام المدينة: حكاية أخرى عن القاهرة بعين “تامر سعيد”  

سنيما

 

هل سبق وأن رأيت القاهرة بعين مختلفة، بعيدا عن وجهة الأفلام التجارية…؟

من هذه النقطة يبدأ المخرج الشابّ تامر سعيد في تقديم مدينة القاهرة منطلقا من تجربته الخاصة في فيلم ينتمي إلى السينما البديلة، أثناء تقديم الفيلم بسينما المدار الأسبوع الفارط قال المخرج: لقد قدمت عشر سنوات من حياتي الخاصة في هذا الفيلم. عشر سنوات بدأت قبل الثورة المصرية إختزنت فيها مظاهر الرفض وملامح ثورة بدأت تتشكل.

 

 

 

 

القاهرة مدينة صعبة جدّا تقهر الحرف عن كتابتها وإن حدث وأن كتبتها الكلمات بكل أمانة فهي أصدق وأشرس من سلطة اللغة، مدينة تحييك وتقتلك، تغريك وتفتنك وتصيبك بالخواء والعجز، مدينة بألف وجه لا يمكن أن تصدّق وجها واحدا وإن حدث وأن صدّقت وجها واحدا ووحيدا فإنّك سترمي بنفسك إلى التهلكة .. لا تصدّق القاهرة إنّها قاهرة.

 

 

يحوّل المخرج الشابّ القاهرة  في فيلمه إلى: بطاقات صور، تفاصيل صغيرة، حكايات حزينة، قصص حبّ منطفئة، وجوه متعبة، زحمة، قلق وحزن، نسيان، لهفة، أمومة مجهدة وشيخوخة تحاول أن تتجاوز عجزها بالحركة والإبداع وشباب يحاول أن يتجاوز الخيبة بالفنّ.

شكلت كل وجوه أبطال الفيلم قطعا صغيرة من قطع صورة القاهرة الكبيرة، حكايات صغيرة تدور في رحى الحكاية الكبرى: القاهرة، طيلة ساعتين يأخذنا خالد بطل الفيلم إلى ثنايا روح مدينة القاهرة التي لا يمكن أن يلمسها عابر أو غريب، تلك الزوايا الصغيرة الشفافة، التي شاهدناها بعين وأذن ويد خالد لم يتجوّل خالد في شوارع القاهرة بقدميه لقد حمل حواسه كل حواسه ليتعرف على المدينة لنعرفها نحن الغرباء أو نحن الذين لم نعرف القاهرة كما يجب.

 

 

عشق المخرج الشابّ المدينة فظهرت القاهرة كما يعرفها مدينة متناقضة وشائكة، آمنة وخطرة، مدينة تتغذى من تناقضاتها الكثيرة، تناقضات لا تزيدها سوى إغراء وفتنة، وقد ظهرت هذه الفتنة في كلّ مشاهد الفيلم بشكل أخاذ حتى في تلك المشاهد العنيفة هي أشياء خاصة لا تنتمي إلا لمدينة تمارس أمومتها وساديتها في آن واحد.

 

مخرج الفيلم

 

القاهرة مدينة تحبّها الكاميرا وتغذيها التفاصيل فتمنحها رونقا وجمالا يضاف إلى كلّ جمالها وحزنها وشموخها وشراستها وظلمها، هي المدينة التي يهرب منها الأصدقاء وتغادرها الحبيبة ” حبيبة خالد” التي لم تحلم إلا بقبلة في شوارع آمنة لا ترى في الحبّ فعلا فاضحا، على عكس القاهرة الحشرية التي تحشر نفسها في كلّ الأشياء والأمور، وهي المدينة التي تهرب إليها حنان من أجل أن تنسى تفاصيل الإسكندرية في مدينة القاهرة وهي المدينة التي تعيد فيها مريم صالح بناء ذاتها بعيدا عن فاجعة والدها الذي توفيّ محترقا في حادثة بني سويف.

 

 

يلتقي أصدقاء خالد في مدينة القاهرة هي مدينة اللقاء ومدينة الوداع ” مخرج لبناني ومخرج عراقي “، وهي المدينة التي ترحل بنا إلى بيروت عاصمة عربية يقول عنها صديق خالد اللبناني : بيروت عجوز مشوهة من جرّاء عمليات التجميل ويقيم بينها وبين القاهرة تفضي إلى أنّ مدينة القاهرة مدينة واضحة لا تراوغ ولا تكذب تصارحك وتكاشفك بحالها ” أنا مثل هيك يا تخدني هيك يا بلا”.

 

 

منحتنا القاهرة في هذا الفيلم  رحلة  نحو بغداد  بعد سنوات الاحتلال الأمريكي والفوضى العارمة التي عاشها العراقي في تلك السنوات ، لقد شكلت بغداد في هذا الفيلم شهادة حيّة عن سنوات يحاول البعض طمرها وتناسيها، لقد  باح المخرج العراقي  رغم لوعة الموت والفراق والجثث المرمية هنا وهناك  بحقيقة بغداد التي يؤمن بها أغلب من ولد وعاش في بغداد : “بغداد مو مدينة بغداد صديق “.

 

 

على هامش رحلتين إلى بيروت وبغداد نعود إلى القاهرة الأولى كشكل من أشكال النوستالجيا في الذاكرة العربية : لطالما كانت القاهرة تمثل استراحة محارب لكلّ متعب ومجهد من الحروب الكبيرة والأخرى الصغيرة  ، منحت القاهرة أمومتها لكلّ العرب دون استثناء.

هل يمكن أن تتغيّر القاهرة يوما ما ونحن نعاين لعشر سنوات قبل الثورة أحوالها، أحزانها، فتنتها وغنجها، بؤسها ويأسها، هل تغيّرت القاهرة اليوم سؤال نجيب عنه بكلّ سهولة مازالت القاهرة حزينة فوضوية ومازالت تكابر أنّها مدينة تتداعى وتتهاوى وأنّ حكم العسكر اليوم قد شوهها كثيرا … ورغم أنّ القاهرة مدينة حزينة إلا أنّها مازالت ترسم الحمرة على شفاهها وتبتسم تفتح يديها مثل الصليب تحتضن الجميع في ليلها وتبتلعهم دون تفرقة.

إنّها القاهرة:

 

البيتُ الذي لم ينقسمْ بيتَينِ
والغصنُ الذي لم ينقصِفْ فَرعَينِ

والعَينُ التي تَنْعَمُ في بحبوحةِ الـجَفنَينِ
والقاهرةُ
المعنى الذي ظلَّ يُطِلُّ
الوردُ والـمِسْكُ
وغصنُ البانِ والشوكُ
وتلكَ النعمةُ السابغةُ
البسمةُ والنيلُ

سعدي يوسف

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد