مجتمع

الغش في الزواج: من رتق البكارة الى جراحات التجميل

تقرير ثريا القاسمي ودواجة العوادني

 

يعتبر الزواج حياة جديدة يبنيها طرفان على أسس وركائز تساهم في استمراره وديمومته، ومؤسسة تقوم على الشراكة والمحبة والصدق بين الزوجين. بيد انه في الآونة الأخيرة، برزت على السطح مظاهر للغش في الزواج، ابرزها العمليات التي تجريها بعض الفتيات لرتق البكارة، او لتغيير ملامح الوجه والجسم من خلال جراحات التجميل.   

 

ارتفعت في السنوات الأخيرة ظاهرة “رتق غشاء البكارة ” في الدول العربية، مع إقبال الكثير من الفتيات اللائي يقمن علاقات جنسية قبل الزواج على مواراة ذلك من خلال اجراء جراحات ترمم ما فُض من أغشية وتمنحهن مظهر البكر التي لم تعرف ممارسة الجنس بعد.

اما عمليات التجميل قبل الزواج فهي نوع اخر من الغش  يغير تقاسيم الوجه ويكسبها شكلا مغايرا، دون تغيير الجينات التي كثيرا ما تظهر لاحقا في ملامح الأبناء الذين تنتقل اليهم عبر الخصائص الوراثية  للام التي لا تتبدل بتبدل المظهر الخارجي للوجه او الجسم.   

رتق غشاء البكارة

تتم عملية رتق البكارة بطريقتين اثنتين، الأولى  تسمى طويلة المدى ويطلق على هذه العملية “عملية الليزر”، يقوم فيها المختص بتضييق المهبل وتعويض الغشاء القديم بجزء من جدار المهبل، لتكوين غشاء جديد.  

 

وتتم هذه العملية تحت التخدير الكلي وتدوم من 20 دقيقة الى ساعة، وتتراوح كلفتها بين 400 و900 دولار. وتسمى طويلة المدى لأن الفتاة تحافظ على عذريتها الاصطناعية إلى حين زواجها.

أما الطريقة الثانية وتسمى قصيرة المدى فينصح الأطباء بإجرائها قبيل الزواج مباشرة. وتتم عبر تضييق المهبل، وان لم يقع جماع خلال عشرة أيام تفقد الفتاة عذريتها الاصطناعية تلقائيا، وتدوم هذه العملية من 10 إلى 20 دقيقة وتتراوح كلفتها بين 100 الى 200 دولار.

القانون ورتق غشاء البكارة

تؤكد الاستاذة درصاف الشعيبي في تصريح  لمجلة “ميم” ان مسالة رتق البكارة شخصية،  حيث لا يوجد في تونس قانون يجرم
فقدان البكارة، فيما يجرم العنف والزنا.  لكنه يجيز للزوج إبطال عقد الزواج في هذه الحالة لكونه كان ضحية عملية “تحيل”.

واشارت الشعيبي الى “أنه من الضروري تكريس مبدأ الشفافية والوضوح بالنسبة للزوج أو الزوجة، وكل علاقة زواج ان لم تُبن على الوضوح تكون نتائجها وخيمة وتفقد عنصر الثقة. ونحن نعيش في مجتمع عربي محافظ يرى أن شرف المرأة في بكارتها”.

وتختلف الإجراءات القانونية من بلد عربي إلى آخر، حيث توجد قوانين تجرم الفتيات اللاتي فقدن عذريتهن لسبب أو لآخر، فمثلا في السعودية يمنع القانون السعودي الأطباء والمستشفيات الحكومية والخاصة من اجراء عملية ترقيع البكارة ويحاسب الطبيب والمستشفى في حال تورطهما في القيام بها. يسحب الترخيص الطبي من الطبيب أو المستشفى ويصبح الطبيب شريكا في الجريمة.

عذرية العضوية رمز للعفة والطهارة!

في تصريح له لمجلة “ميم” يؤكد  الدكتور أحمد الأبيض المختصّ في العلوم النفسية والاجتماعية أن العذرية تصنف إلى صنفين، وهما عذرية عضوية تثبتها البكارة، والعذرية النفسية التي تتعلق  بخلو النفس والقلب لدى المرأة من الاهتمام برجل آخر غير الذي  يفترض ان ترتبط به، وهي الأهم. والعضوية هي المظهر الجسدي لهذه الخاصية، لاغير.

 

 

وتُعتبر العذرية في المجتمعات العربية ركيزة من ركائز الزواج الناجح التي يستدل بها على عفة الفتاة واستقامتها.  وفي هذا الإطار يفسر الدكتور الأبيض أن”العذرية النفسية التي تجد تعبيرا لها على المستوى العضوي على غاية من الأهمية لضمان علاقة ناجحة بين الرجل والمرأة” ، مضيفا أنه “في ثقافتنا الجمعية، العذرية العضوية هي رمز  للعفة والاستقامة  وعدم الانحراف، لكن في الواقع  “يمكن ان توجد أقدار من التسيب في العلاقات حتى وان بقي مظهر البكارة سليما”.

وفسر الدكتور الابيض تفشي ظاهرة العلاقات خارج إطار الزواج بتدهور الوضع الاجتماعي بسبب عدم توفر مواطن الشغل للشباب وتقدم سن الزواج للفتيات حتى جاوز سن الثلاثين والاربعين احيانا، وأمام عسر تكاليف الزواج، ومن جهة أخرى  توجه الشباب ممن أقاموا علاقات جنسية كاملة في الماضي، الى طلب الزواج من فتيات من غير اللائي مارسوا معهن الجنس، والبحث عن  بكر لم يسبقهم إليهن أحد..  ومن هذا المنطلق أصبحت الفتيات يبحثن عن حلول بديلة لتورية أخطائهن باللجوء إلى رتق غشاء البكارة.

 

لماذا تلجأ الفتاة إلى هذا الحل؟

من بين أهم الأسباب التي تجبر الفتاة التي فقدت عذريتها الى رتق غشاء البكارة هو خوفها من تشوه صورتها وصورة عائلتها في
المجتمع، وقد أكد الدكتور أحمد الأبيض أنه في علم النفس الاجتماعي كل إنسان لا ينفك عن تسويق صورة إيجابية عن نفسه، وإعلان الفتاة انها فقدت عذريتها يهدد العلاقات الفردية، باعتبار أن الرجل بفعل تنشئته الشرقية غير مهيأ  لا الى ان يصدقها  او ان يتجاوز عن خطيئتها. لذا تضطر للبحث عن سبل تتيح لها ان تواصل حياتها وتبني علاقة زوجية  وأسرية بصفة تبدو طبيعية.

وأشار محدثنا إلى أن كل فتاة عربية فاقدة لعذريتها يزعجها ذلك نفسانيا وتخشى أنها ان اقدمت على إعلام الطرف الثاني بذلك لن يكتفي فقط بالأعراض عنها، بل قد يشيع ذلك في المجتمع فيشوه صورتها ويدمر سمعتها فتغدو منبوذة هي وأسرتها، لذا لا تجد بدا من السعي لحماية نفسها من خلال التدخلات الجراحية. 

رأي الشرع: “من غشنا فليس منا”

حرم عدد من الشيوخ عملية رتق غشاء البكارة، معتبرين أن عملية رتق غشاء البكارة ضرب من الغش والخداع، مستندين في ذلك إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “من غشنا فليس منا”.

في حين حلل البعض الآخر من رجال الدين هذه العملية باعتبارها تدخل في إطار ستر المرأة والعائلة، مشيرين إلى قول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه “أتعمد إلى ستر ستره الله، فتكشف؟”.

ومن جهته، أجاز الدكتور علي جمعة مفتي مصر في تصريح له سنة 2007 إجراء عملية رتق غشاء البكارة للنساء اللاتي فقدن عذريتهن لأي سبب كان قبل الزواج، فهي برأيه  مباحة ” تأتي في إطار السعي للحفاظ على وحدة الأسرة ومساعدة الفتيات المخطئات على التوبة”.  

شُح في الأرقام والاحصائيات 

هناك شُح في الإحصائيات والارقام الراصدة للظاهرة بدقة. الا ان دراسة استطلاعية يتيمة تؤكد أن 80 بالمائة من الشبان و 58 بالمائة من الفتيات في الدول العربية يمارسن الجنس خارج إطار الزواج ،و يرغبن في إجراء عمليات ترقيع غشاء البكارة قبل الزواج.

وأفادت ذات الدراسة أن فتاة واحدة من بين كل 10 فتيات عربيات لا تعارض على إقامة علاقة جنسية قبل الزواج مقابل 6 من بين 10 شبان.

عدم الإفصاح عن عمليات التجميل

مسألة أخرى يصنفها البعض ضمن خانة الغش في الزواج، تتمثل في خضوع عدد من الفتيات لعمليات تجميل على مستوى الوجه  لاكتساب مظهر من الحسن.   

 


وتتناقل الصحف بين كل فينة اخبارا عن رجال اكتشفوا زيف مظهر الجمال في محيا الزوجات بعد الزواج، وتحديدا بعد الإنجاب، حين تلد الام وليدا لا يشبه الأبوين في قسماته.

هذا ما حدث لصيني قام بمقاضاة زوجته  بعد إنجابها أبناءا بدوا له دميمين واعتراف الاخيرة بإجرائها عددا كبيرا من جراحات التجميل والتبييض في كوريا الجنوبية قبل الارتباط به. وقد قضت المحكمة بتغريم الزوجة مبلغا قدره 120 ألف دولار، بسبب الغش و اخفاء الحقيقة عن الزوج. 

وتشير الأرقام إلى أن حوالي 20 ألف فتاة صينية يتوجهن سنوياً إلى كوريا الجنوبية لإجراء عمليات تجميل، وخاصة عمليات شد الوجه وتجميل الأنف وحقن الشفاه والخدود.

 

يذكر انه منذ أيام قليلة، اضطرت السلطات في كوريا الجنوبية في مطار إنتشون الدولي إلى إيقاف ثلاث فتيات صينيات، بسبب عدم التعرف على ملامحهن بعد أن انتفخت وجوههن بشكل لافت إثر عمليات تجميل خضعن لها في العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

 

 

عربيا، تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى والثالثة عالميا في إجراء عمليات التجميل خاصة لدى الفتيات من بين 19 و 30 عاما. ففي عام 2016 سجلت السعودية 95 ألف عملية تجميل من جملة 12 مليون عملية في العالم.  

 

 

وشهدت الإمارات تضاعف عدد مراكز التجميل خلال السنوات الأخيرة، مما جعلها تحتل المركز الثاني عربيا، وخاصة في إمارة دبي التي غدت مركزا دوليا لجراحات التجميل تقصدها الآلاف ممن يحلمن بالجمال شهريا.

اما لبنان، فقد سجل نسبة أعلى مستوى نمو في نسب عمليات التجميل عالمياً، قدرت بنحو 20% سنوياً، وتقدر إحصائيات عمليات التجميل أن أقل مراكز التجميل في لبنان يقوم بإجراء 120 إلى 150 عملية تجميل شهرياً.

 

 

وينخفض في  مصر متوسط أسعار عمليات التجميل بنسبة 50 إلى 60% عن متوسط السعر العالمي، إلى جانب امتلاك البلد عددا كبيرا من جراحي التجميل  يفوق ال400 جراحاً يمثلون نسبة 1% من إجمالي عدد جراحي التجميل في العالم. كل هذا ساهم في الحفاظ على استقرار متوسط نسبة عمليات التجميل في مصر وابقى عليها في مركز متقدم من حيث عدد العمليات.

ما الاشكال؟

الإشكال في عمليات التجميل قبل الزواج لا يتعلق بحق المرأة في تغيير شكلها، وإنما في حق الرجل معرفة ذلك، لأن عدد حالات الطلاق وتشتت الأسر بسبب إخفاء الحقيقة يرتفع بشكل لافت.

 

من ذلك أن رجلا في إحدى الدول العربية تفاجأ عندما رأى صورة زوجته وهي صغيرة في ألبوم صور قديم لعائلتها، وصدم بأنها  لم تكن تشبه ابدا الفتاة التي تزوجها، فبادر الى رفع قضية طلاق واتهامها بأنها كذبت عليه وهو ما اعتبره نوعا من التحيّل.

كما أن الأمر يختلف عن جراحة تجميلية لإخفاء تشوهات خلقية أو آثار للحروق والحوادث، حيث يمكن ان نلتمس للمصابة الاعذار.  لكن أن تغير المرأة شكلها بالكامل فقط لتشبه إحدى الفنانات أو المشاهير، او لتكسب نفسها شكلا مخالفا بدرجة كبيرة لأصلها الخلقي والجيني، فهذا ما يصعب تبريره،  ويمكن تفهم ادراجه في خانة التحيل، اذا لم تصارح الفتاة من سيشاركها حياتها ويكون ابا لابنائها، قبل الارتباط.

عمليات التجميل قبل الزواج، رأي الدين

امام هذا الانتشار الهائل  لجراحات التجميل، بات الموضوع مطروحا بإلحاح على الدعاة الدينيين، الذين ذهب جلهم الى أن من حق الزوج معرفة الحقيقة قبل حدوث الارتباط.

من ذلك ما قاله عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الدكتور سعود الفنيسان “إن إخفاء الزوج أو الزوجة عن الآخر عمليات التجميل التي أجراها قبل الزواج يعتبر نوعاً من الغش.”

يعتبر الصدق بين الأزواج أهم ركائز  العلاقات الزوجية وشروط نجاحها واستمرارها، واللبنة الاساسية لأسرة سليمة مستقرة ومنسجمة.

وهو ما تضرب به مساعي بعض الأسر العربية وبناتها للظفر بزوج مهما كان الثمن، حتى وان اقتضى الامر رتق المفتوق، وتغيير ما قد يبدو دميما، والحال ان الجمال معطى نسبي، وما تراه انت قبيحا قد يراه غيرك جميلا،  والارزاق بيد الله يقسمها كيف يشاء ويجازي من رضي بقدره  خير الجزاء. 

الوسوم

Thoraya Kassmi

عضو فريق مجلة ميم التحريري تختص في القضايا الإجتماعية والإقتصادية

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الغش في الزواج: من رتق البكارة الى جراحات التجميل”

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.