مجتمعاختيار المحررينغير مصنف

“الهمّوز” مقهى عثماني صامد في قلب نابلس

سلسلة: اعرق المقاهي العربية

 

فلسطين دوما هي الملهمة ففي كل شبر من ترابها يطالعنا التاريخ المجيد حاملا عبق الذكريات.

وكل أمكنتها ضاجة بالتفاصيل حافلة بالوقائع وباعتبار أن المقهى إرث يحمل ملامح كل زمن ويختزل معالم أهله فإن لفلسطين أيضا مقاهيها العتيقة التي تحدثنا بلسان فصيح عما مر بها ومنها.

 

ومن المقاهي الفلسطينية العتيقة والعريقة تستوقفنا ” الهمّوز” مقهى عثماني مر على إنشائه حوالي قرن وربع ولازال صامدا يواجه بخصائصه المعمارية والبشرية وبذاكرته الموغلة في القدم كل مظاهر الوحشية الاستيطانية تحت آلة القمع الصهيوني.

على أعتاب الهمّوز ندرك أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة كما قال الرائع محمود درويش وأن الحياة الفلسطينية الزاخرة بالثراء والتعدد تستحق أن نستقرئها وان نستلهم من وقائعها وشخوصها وأمكنتها.

 

 

يعود تأسيس مقهى الهمّوز إلى مرحلة الحكم العثماني وذلك عام 1892

وعلى هذا الأساس يمكن اعتباره من اعرق المقاهي في فلسطين ولازال وفيا على مستوى المعمار للحقبة العثمانية التي أنشأ خلالها.

 

 

وثمة علاقة وجدانية بين النابلسيين ومقهاهم العريق الذي يعد احد ابرز معالم مدينتهم وهو يرتبط في مخيالهم الجماعي بعبق الزمن الجميل وروائح الماضي الذي يستنشقونه ملء صدورهم وقلوبهم في هذا المكان.

ويشهد الراديو القديم المعلق على الحائط على نجوم الفن والثقافة الذين ارتادوا هذا المقهى الذي غنت فيه أم كلثوم كما تقول الشهادات الشفوية لبعض من عاصروا مجد هذا المقهى كما أن فيروز وقفت على اعتابه وغنت أيضا أما أسمهان فيبدو أنها أحبت هذا المكان وارتادته وكذلك فعل شقيقها  الموسيقار فريد الأطرش.

 

 

ويشهد الراديو الذي بات قطعة ديكور أو لنقل تحفة فنية نادرة على انه كان يجمع رواد المقهى حوله ليستمعوا إلى القران الكريم في الإذاعة المصرية في ذاك الزمان كان للعرب طقوسهم وخصوصياتهم الثقافية وتقاليدهم التي فقدوها تدريجيا عبر الزمن وخاصة منذ أن حلت عليهم ” لعنة النفط”.

 

 

ولازالت الركوة النحاسية التي تعد فيها القهوة التركية إلى اليوم صامدة تقدم للزوار من مختلف الفئات العمرية والطبقات الاجتماعية وهي ذات الركوة التي كان الشعراء والأدباء الكبار يحتسون فيها قهوتهم على غرار أكرم زعيتر وإبراهيم طوقان و غيرهم.

وليست الثقافة وحدها هي التي كان المقهى فضاء لها فالسياسة أيضا حاضرة في ابرز تجلياتها وكيف لا تحضر السياسة في مقهى فلسطيني؟

 

 

إذن على امتداد تاريخ مقهى الهمّوز كان رواده يتداولون الشأن السياسي وذلك وفق مفردات كل عصر ومقتضيات أحداثه وسياقاته فمن العصر العثماني مرورا بالانتداب البريطاني ثم تداعيات مرحلة ما بعد النكبة ثم ما يعرف بالمرحلة الأردنية وارتدادات النكسة واتفاق كامب ديفيد وصولا إلى مرحلة السلطة الفلسطينية كانت أشكال الخطاب وتوتراته تتغير ولكن وحدها الروح الفلسطينية الصامدة الرافضة لكل مظاهر  ذوبان الهوية ظلت صامدة وتقاوم بمنتهى العنفوان.

 

وبالرغم من التغيرات الشكلية التي تطرأ على المقهى على غرار وجود شاشات عملاقة لنقل مباريات كرة القدم كأغلب المقاهي الأخرى ووجود مشروبات جديدة تنافس القهوة التركية والنارجيلة وغيرها من موروث هذا المقهى إلا انه ظل رغم التطور على وفائه لكونه معقلا للمقاومة الرمزية والفعلية بشتى صنوفها.

الوسوم

اترك رد