اختيار المحررينثقافةغير مصنف

“التانغو”.. رقصة الأحـــــــــزان  

 

 كثيرا ما تسمرّ أحدنا أمام مشهد رقصة “تانغو” في فيلم عربي وأجنبي، يتابع بكل شغف وانتباه حركات الجسد البطيئة والأخرى السريعة، يحاول الإنصات إلى أنفاس الثنائي الراقص والتمعن في نظراتهما في آن واحد ، ربّما اختلط عليه الأمر، هل “التانغو” رقصة الجسد والأنفاس الحارّة أو رقصة القلب النابض والمشاعر المزدحمة.

ربّما لا يعرف بعضنا أصول هذه الرقصة متى ظهرت وكيف تشكلت وكيف أصبحت اليوم إحدى أهمّ مميزات الثقافة الأرجنتينية سنحاول في نصّ هذا المقال أن نرحل معا إلى عالم “التانغو” الذي جمع بين حركات الجسد الساحرة والنظرات الصاخبة، هذه الرقصة التي سحرت العشاق في العالم  وكأننا نستمع إلى أمنية وحيدة تقول ليت الحياة كما رقصة “التانغو” تحمل مع تعب وجهد إتقانها سعادة وسحرا لا يقاوم.

 

 

ظهرت رقصة “التانغو” في أواخر القرن التاسع عشر بالأرجنتين في أوساط الطبقات الفقيرة والمهمشة بالعاصمة “بوينس أيرس”، كان الأمر في البداية عبارة عن اختلاط موسيقي هجين جمع بين موسيقى إسبانية وإفريقية وموسيقى أخرى يعكس انصهار المهاجرين في الحياة العامة وتقاسمهم للوقت، لقد اختلطت  إيقاعات المهاجرين كما اختلطت همومهم ومشاكلهم في الأحياء الفقيرة والعشوائيات التي أقاموا بها.

عبّرت موسيقى التانغو الحزينة عن وجود المهاجر بسلاسة واعترفت به ولو كانت هذه الموسيقى قد تواجدت على هامش الثقافة المركزية، استطاع المهاجرون ذوي الأعراق المتنافرة والمختلفة انتزاع الاعتراف بوجودهم في شكل موسيقي راقص على أنغام حزينة تحمل أوجاع المضطهدين وأنين المهمشين، لقد وحدهم الحزن كما وحدّهم الفقر سابقا. في هذا السياق تقول الأستاذة بجامعة باريس 10  “كارمن برنان” أنّ موسيقى التانغو هي ” رقص الأفكار الحزينة، هي أشبه بأحزان راقصة”

 

 

تشكلت بدايات موسيقى  التانغو في الأوساط المفقرة في بيوت البغاء وفي ساحات الأحياء الفقيرة، وكانت في بداياتها الأولى وسيلة الرجل للتقرب من النساء يمكن اعتبار هذه الرقصة كخطاب جسدي يحاول الرجال (الأكثر عددا من عدد النساء آنذاك)  من خلاله جذب أنظار النساء لهم دون أن يتعرض أحدهم إلى الرفض المعلن الذي يمكن أن يجرح قلب مهاجر لم يرغب سوى في لحظات حبّ في أرض غريبة عنه فحركة رفض الجسد الذي يصاحبه في الرقص كبروده أو عدم تقبله وانسجامه معه أقل وطأة من الكلمات الجارحة.

 

لم يستحسن الأثرياء التانغو بادئ الأمر بل كان مستهجنا ومرفوضا فهو رقصة العوام والغوغاء قبل أن ينتقل إلى أرقى القاعات في باريس ويصبح في لحظة نخبويا بعد إدخال بعض التعديلات، تأثر التانغو بأنغام الجاز والموسيقى الكلاسيكية ليصبح في فترة قصيرة في  ثلاثينات القرن العشرين منتشرا في الأوساط النخبوية.

أصبحت هذه الرقصة من ثقافة الأثرياء في العالم دون أن يعلم البعض أن جذور هذه الرقصة خلقت في ساحات وأحياء من فقراء الأرجنتين وقد ظهرت ثلاث أنواع من التانغو : الأرجنتيني الأصلي والفرنسي والأمريكي.

 

 

حملت هذه الرقصة مفردات  مشفرة بين الرجل والمرأة تحمل في طياتها أسرار وقواعد العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة بشكل ارتجالي يتحرك فيه الجسد في الظاهر بحريّة ولكنه ينضبط في الباطن لقوانين اللعبة.

تبدأ الرقصة بخطوات بطيئة ثم تزيد سرعتها وفق إيقاعات غير منتظمة وتتراوح بين خطوات بطيئة وأخرى سريعة وتحمل هذه الخطوات إيحاءات جنسية مشفرّة، يمكن أن نستحضر في هذا المقولة الشهيرة ل”جون دافيز” والقائلة ” الرقص طفل الموسيقى والحبّ “. 

 

 

تعبّر رقصة التانغو  عن شهوانية مفرطة يمكن ملاحظتها بسهولة، لقد استيقظت مملكة الحواس من سباتها أي الجسد الذي سيظهر وكأنّه بين لحظات توجس وتوثب.  تتميّز حركات هذه الرقصة بالإثارة إذ يلتصق النصف الأعلى من جسد الرجل بالنصف الأعلى من جسد المرأة إضافة إلى حركة الساق المثيرة جدّا، إنّها رقصة حسيّة ولكنّها تتطلب الكثير من الانتباه والإحساس ولا يمكن أن تنجح رقصة التانغو إلا في ظلّ التوافق النفسي بين الراقص وشريكته والذي يظهر في تناغم وانسجام الخطوات الراقصة.

لمع اسم  “أستور بيازّولا” (1922) الأرجنتيني ذو الأصول الإيطالية نسبة إلى والديه المهاجرين، كأشهر وأفضل فناني موسيقى التانغو وقد عمل “بيازّولا” على تطوير التانغو لتصبح هذه الموسيقى منتشرة في كلّ أنحاء العالم.

 

 

يصنف البعض ” بيازّولا” على أنّه الأب الروحي لموسيقى التانغو الحديثة، فمع مجهوداته تجاوز التانغو البعد الفلكلوري والتقليدي الذي صاحبه منذ بداياته الأولى أي وصلة الرقص المصاحبة للموسيقى ليصبح نوتة موسيقية عزفتها أكبر فرق الأوركسترا في العالم.

قبل أن يتحول التانغو إلى رقصة الأثرياء وإلى إحدى أشهر الرقصات في العالم كان في أوّل الأمر مفتاح المهاجر للانصهار مع الآخر المهاجر الذي لا يشبهه شكلا ولكن يشبهه مضمونا ، ومفتاح الرجال والنساء من الطبقات الدنيا لخلق المتعة والفرحة بأشياء بسيطة هكذا خلقت رقصة التانغو.

 

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد