مجتمعغير مصنف

نبيل بركاتي… شهيد وشاهد على زمن الإستبداد

# سلسة شهداء الديكتاتوريات

 

قرّرت الدائرة المختصة بالمحكمة الابتدائية بولاية الكاف في مجال العدالة الانتقالية، الاربعاء 4 جويلية 2018، تأجيل النظر في ما يعرف بقضية “الشهيد نبيل بركاتي”، إلى يوم 3 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

 

وتعد هذه الجلسة، بالمحكمة الابتدائية بالكاف أولى جلسات العدالة الانتقالية، التي خصصت للنظر في قضية اغتيال الناشط السياسي نبيل بركاتي، أصيل مدينة قعفور، التابعة لولاية (محافظة) سليانة، والذي توفي بعد تعرضه للتعذيب والرمي بالرصاص، في 8 مايو 1987.

ويشمل ملف قضية بركاتي، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية ، تتمثل في قتل نفس بشرية عمدا والتعذيب الناجم عنه الموت والاختفاء القسري.

وقد تم توجيه جملة هذه التهم  الى وزير سابق وطبيب ومسؤولين أمنيين، وفي حين حضر الجلسة ا إثنان من المتهمين في هذه القضية وهما ضابطان أمنيان سابقان، وهما في حالة سراح، غاب بقية المتهمين عن الجلسة.

 

بركاتي، شاهد على زمن الاستبداد

كان نبيل بركاتي، أحد طلاب المدرسة الوطنية للمهندسين، حيث تحصل سنة 1983 على شهادة مهندس مساعد في الهندسة المدنيّة، ومنها انتقل إلى التعليم، وعمل مدرسا بالتعليم الابتدائي.

كما كان أحد نشطاء اتحاد الطلبة، وذلك في أواخر فترة حكم الحبيب بورقيبة، التي تميزت  باحتداد الأزمة داخل السلطة وتصدّع جهاز الدولة.

وقد ساهم في تأجيج الحركة الاحتجاجية أثناء انتفاضة الخبز جانفي/ كانون الثاني 1984، وقد تعرض خلال ذلك إلى الإيقاف لمدة أسبوع.

لم تثن الإيقافات والضرب المبرح، نشاط الشاب نبيل بركاتي، الذي استمر في عمله النقابي ورحلة الكر والفر مع البوليس السياسي، الذي كان تحت زعامة بن علي، الذي كان يشغل وزارة الداخلية في تلك الفترة.

وفي يوم 28 أبريل/ نيسان 1987، تم إيقاف نبيل بركاتي بتهمة توزيع مناشير واقتيد إلى مركز الأمن بقعفور، وهناك تم التلذذ بتعذيبه من قبل رئيس المركز وعونين من البوليس،  وقد استمر الحال طيلة 11 يوم، إلى أن عثر على جثته صبيحة ال9 مايو، ملقاة داخل قناة تصريف المياه مصابا برصاصة على مستوى الرأس.

 

نبيل بركاتي، شاهد على زمن الإستبداد

 

وقد كشف شقيقه خلال شهادته بجلسات هيئة الحقيقة والكرامة، التي جرت بتاريخ 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، أن شقيقه نبيل قد عثر عليه في حالة، يصعب وصفها، تعكس وحشية النظام وبطشه، حيث كان الهالك ممددا على بطنه،عاري الجسم إلا من تبان، ورجليه ممدودتين إلى الوراء بداخل القناة ويداه الى الوراء وكانت الدماء تكسو وجهه وبركة من الدماء أسفل رأسه، يحمل ثقبا بصدغه الأيسر و ثقبا آخر بأعلى أذنه اليمنى.

 

ولطمس معالم الجريمة البشعة وضع مسدسا، أسفل رجله اليسرى، حتى يتهيأ للرائي وللمحققين أن نبيل بركاتي، مات منتحرا بالرصاص ولم يقتل بفعل فاعل رميا بالرصاص.

 

ولم تكتمل مسرحية الجريمة عند ذلك الحد، بل تواصل الإخفاء والتمويه والمغالطات، أولها كان تأكيد رئيس الشرطة الفنية على عين المكان أنه يصعب تحديد البصمات، لأن مقبضه كان مُحبب، إضافة إلى أنه تلوث من جراء الأوحال الموجودة بالمكان.وذلك خلافا لما جاء بتقرير المخبر الجنائي الذي أكد إمكانية التقاط الآثار على المسدس واستغلالها.

كما تم التقاط صور فوتوغرافية للجثة بالأبيض والأسود، بغية تعتيم ملامحها، حتى يصعب استبيان حالة الجثة ومسرح الجريمة.

وعوض حمل الجثة للتشريح، في مستشفى شارل نيكول بالعاصمة، نقلت الجثة قبل ذلك لمستشفى سليانة أين وقع حلق شعر الهالك وتنظيف مكان الإصابة وبالتالي لم يتمكن من تحديد المسافة التي أطلقت منها الرصاصة.

 

وكشف شقيق الضحية، أيضا أن أعوان مركز الأمن بقعفور، شوهوا الحقائق، خلال استجوابهم من قبل قاضي التحقيق وصرحوا أن بركاتي، كان مربوطا بقميص أبيض وفك قيده وفر عبر الغرفة الأولى ثم ولج الغرفة الثانية واستحوذ على مسدس أحد الأعوان ثم عاد الى المطبخ وخرج إلى الحديقة ومنها الى الخارج عبر السور مرورا بالسكة الحديدية!

 

 

وفي 28 مايو 1987، سحبت محكمة التعقيب القضية من مكتب التحقيق بالمحكمة الابتدائية بسليانة وأحالتها على مكتب تحقيق آخر بالمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة، تأكد وفقا للطبيب الشرعي، أن الضحية توفي نتيجة طلقة رصاصة وليس منتحرا.

ووجهت تهمة القتل العمد إلى رئيس مركز الأمن بقعفور وحفظ القضية في حق عوني الأمن لعدم قيام الحجة، لكن تم نقض قرار ختم البحث، ليعاد مجددا إلى قلم التحقيق بتاريخ 1 جوان/ يونيو 1988، ووجهت إليهم  تهمة الإفراط في السلطة.

وقد تتالت الجلسات بعد ذلك، غير أنه خلصت في النهاية، إلى ضعف القرائن الواردة بقرار دائرة الاتهام وغير متظافرة، لأنها مستمدة من التصورات والاحتمالات في خصوص القتل العمد. واعتبرت أن ما قام به رئيس المركز لا يشكل سوى جريمة تجاوز سلطة وقضت بسجنه وسجن العونين مدة 5 سنوات وبخطية مقدارها 120 دينار من أجل تجاوز سلطة.

 

وأغلق الملف الشائك، طيلة 30 عام من الاستبداد والقمع والتمويه، إلى أن فتح مجددا في هيئة الحقيقة والكرامة، بعد ثورة 2011 وعرضت هذه القضية علنا في سنة 2016، وبدورها قامت بدورها بإحالة ملف نبيل بركاتي، على الدائرة القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية بالكاف، حتى تتمكن عائلته من استرجاع حق ابنها الذي توفي ظلما وبهتانا في زمن الإستبداد.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد