الرئيسيثقافةغير مصنف

رواية فضل الليل على النهار: الملحمة الجزائرية بشعرية عذبة

خديجة بن صالح _ مجلة ميم

 

ليس صدفة أو من قبيل الاجتهاد التاريخي تسمية الجزائر ببلد المليون شهيد. بل إن الاسم فرضته مشيئة التاريخ والجغرافيا التي جعلت الشعب الجزائري يخوض معركة شرسة ضد استعمار فرنسي استيطاني قبيح كان يرنو إلى طمس ملامح الدولة الجزائرية وإلحاقها بالإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية التي احتلت عديد الدول.

 

وكان هذا المستعمر يعمل على اجتثاث كل الخصوصيات الثقافية والحضارية لهذا الشعب وأولها اللغة ولكنها واجه شراسة وبسالة تثير الدهشة.

وهذه الملحمة التي كتبها التاريخ بأحرف من ذهب وسالت فيها دماء كثيرة أثارت شغف المبدعين والمؤرخين والباحثين في مجال العلوم الاجتماعية على حد السواء.

وعنها صدرت إبداعات كثيرة شعرا ونثرا وسينما وفي هذا الإطار يمكن تنزيل رواية فضل الليل على النهار أو ما يدين به النهار لليل ويعد هذا النص المكتوب بالفرنسية لصاحبه ياسمين خضرا  واسمه الحقيقي  محمد مولسهول الذي تولينا تقديمه في سياق سابق من أهم النصوص الروائية الجزائرية التي صدرت في العقدين الأخيرين.

 

 

تدور أحداث الرواية في الجزائر في الفترة الممتدة ما بين 1930 و 1962 وصدرت عام 2008.

وتناقش الكثير من القضايا المتصلة بمرحلة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وما حف بها من انتهاكات. وتدور الأحداث فيها خلال حرب الجزائر. وفيها أيضا تستوقفنا مرحلة مغادرة الأقدام السوداء لأرض الجزائر.

بشاعرية فائضة صاغ ياسمينة خضرا نصه الفذ وعبر حياكة قصة حب في سياق جزائري كانت فيه البلاد تواجه منعرجا حاسما في تاريخها المعاصر تمكن الكاتب من انجاز رواية فريدة تحصلت على عديد الجوائز الأدبية المهمة.

ويمكن القول إن هذه الرواية تتوجه إلى كل عشاق الجزائر كما قال عنها النقاد وكأن الكاتب أراد من خلالها تقديم لمسة وفاء الى بلده الجميل الذي عاش فترة استعمارية قاسية ألقت بظلالها على السوسيولوجيا الثقافية لهذا البلد وترك جروحا غائرة  لم تندمل ربما حتى اليوم.

ورغم أن الوطن قد حيك في كل تفاصيل الرواية إلا أنه لا يمكن تصنيفها بالنص الروائي السياسي  ففيها تتقاطع قضايا وتفاصيل كثيرة و  كالأسرة والجهة والدين فضلا عن الحب والصداقة اللذين يكمنان في كل سطور الرواية وأحرفها وهو ما منحها بعدا إنسانيا وكونيا يتملص من حدود الزمان والمكان دون تجاوز للمحلية الضيقة.

 

 

 

فما الذي يمكن أن نفعله عندما يتواجه شعورنا بالانتماء إلى الوطن مع ذواتنا؟

ذاك هو السؤال المركزي الذي تجيب عليه شخصية يونس القروي الذي يعيش حياة وادعة مع وأبويه وشقيقته ولكن حياته سرعان ما انقلبت رأسا على عقب عندما سرت النار في حقل القمح واتت على الصابة الوافرة التي كان الأهل ينتظرونها.

 

 

هنا تبدأ التحولات في حياة يونس الذي سيصبح لاحقا جوناس بعد الانتقال إلى مدينة وهران والعمل في صيدلية عمه  الذي سيسهر على تربيته وهو المتزوج من فرنسية.

 

 

وهنا نفهم ضمنيا كيف سعى المستعمر الفرنسي الذي أشعل فتيل الحرب في الجزائر إلى طمس هوية شعبها وهو ما يقوله ياسمينة خضرا بمنتهى العذوبة والشاعرية.

 

 

ويحدث المنعرج الثاني في حياة يونس الذي تغيرت أشياء كثيرة فيها منذ إن حل بوهران وهذه المرة يعتقل عمه بسبب أفكاره السياسية ويغادر السجن وقد طرأت عليه اضطرابات كثيرة. ويبدأ جوناس في الاقتراب من فئات فرنسية  ويؤسس بعض الصداقات معهم وهم الذين سيصبحون في ما بعد الأقدام السوداء وتترك هذه العلائق أثرها في نفسه طوال الرواية رغم أن الحرب كادت تعصف بهذه الصداقة التي نشأت على صفيح ساخن ما بين المستعمر والمستعمر بفتح الميم الأولى وكسر الثانية.

 

 

وفي سيرورة الأحداث يخفق قلب يونس لفرنسية ويواجه قدره في سياقات تجعل من هذا الحب ” عشقا ممنوعا ” وفي كل المراحل كان يواجه مع الذين اقترب منهم سؤال الهوية والاختلاف فكل من الطرفين كان يحمل وفاءه لوطنه وهويته وانتمائه وهذا التمزق يعكس حقيقة واجهتها الشعوب التي عانت من الاستعمار وقدر لها أن تختلط بالمستعمر وتتعايش معه.

 

 

وإذا كان البعض اختار التماهي مع المحتل والاستلاب أمامه فإن البعض الآخر اختار المحافظة على خصوصيته حتى وان اضطر إلى قبول فكرة التعايش معه وكان البعض الآخر قد خير المواجهة والرفض القطعي وحمل السلاح لاجتثاث المحتل.

ونظرا لأهمية وفرادة هذه الرواية فقد اختار المخرج الفرنسي الكسندر اركادي المولود بالجزائر  تحويله إلى فيلم  رأى النور عام 2012 .

 

 

وقارب هذا الشريط السينمائي التراجيديا التي عاشتها الجزائر زمن الاستعمار  وتوقف عند مظاهر الظلم والحيف وأشكال المعاناة البغيضة التي عاشها الجزائريون إبان الحقبة الاستعمارية مسلطا الضوء على قصة حب مستحيلة وهو من بطولة فؤاد ايت عطو ونورا ارنزيدير ثم محمد فلاق وارماند امار ونيكولا جيرو والطيب بلميهوب.

وتم تصوير هذا الفيلم في الجزائر وتونس وفرنسا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد