مجتمع

جدل حول تقرير  الحريات الفردية والمساواة

 

 

قدّمت مؤخرا (جوان 2018) لجنة الحرّيات الفردية والمساواة تقريرها الى رئيس الجمهورية استنادا الى أمر تكليفها الصادر عن رئاسة الجمهورية بتاريخ 13 أوت/ أغسطس 2017 . وكما كان متوقعا فقد تضمّن التقرير مجموعة من المقترحات حول تعديل جملة من القوانين والتشريعات التي تندرج ضمن مجال الحريات الشخصية.

 

تضمّن التقرير جملة من المقترحات حول تعديل قوانين سارية المفعول بتونس تتعلق بالأسرة وقوانين الأحوال الشخصية وبشكل يُصادم الوجدان الديني ويناقض التوجهات المجتمعية في تونس على الأقل لدى قطاع مهم من الرأي العام، وهو ما يشكل بالفعل نزوعا نحو إثارة صراعات حول مسائل عقدية وقضايا الهوية التي مازال المشهد الثقافي والفكري التونسي يخوض فيها منذ سنوات الاستقلال.

ويقوم التقرير الذي قدمته اللجنة على اقتراح إلغاء كل خصوصيات التشريع الإسلامي بدعوى الانتصار لكونية القيم الإنسانية والحقوقية، ففي مجال الأسرة تقترح اللجنة جعل المهر اختياريا كخطوة أولى نحو إلغائه تماما. كما تم اقتراح حذف مفهوم ولاية الرجل لتصبح رئاسة الأسرة متساوية بين الرجل والمرأة، وفي إطار تدعيم هذا الاتجاه جاء مقترح  حقّ الأشخاص الذين بلغوا سنّ الرّشد في حمل لقب الأم إلى جانب لقب الأب وذلك بطلب منهم ويتولّى القاضي الإذن بتسجيل ذلك.

 

المقترحات الصادرة عن لجنة الحقوق والحريات الفردية تتنكّب عن المطالب الفعلية للناس وتسير الى بحث قضايا هي اقرب في اللحظة الراهنة الى نمط من الترف الفكري الذي تقتات عليه نخب بورجوازية لا يشغلها قوتها اليومي بقدر ما تسعى الى إقرار أجندات متصلة بتوجهاتها الفكرية والسياسية

 

كما تقترح اللجنة أن يصبح الأصل هو المساواة بين الذكور والإناث في الميراث، ولمن شاء خلاف ذلك أن يصرّح في قائم حياته بأنّه يختار توزيع تركته استنادا إلى “للذكر مثل حظّ الأنثيين” شرط أن يكون التصريح بحجّة رسمية حرّرها عدل إشهاد. وبذلك يتم استبعاد النص الشرعي وجعله مجرّد حالة استثنائية لمن يرغب في الاستناد إليها.

وتقترح اللجنة في تقريرها إلغاء كل العقوبات المتعلّقة بقضايا البغاء حيث اقترحت تعويض العقوبة سواء بالنسبة للنساء العاملات في الجنس (كما يسميهن التقرير) أو الحرفاء من عقوبة بالسجن إلى خطية مالية. وبهذا المنحى يسير القانون المدني التونسي نحو السماح بالبغاء ليصبح محميا بقوة القانون بوصفه يندرج ضمن الحريات الخاصة والفردية.

وإذا كان التقرير يتضمن مقترحات يمكن تثمينها في ذاتها، إلا أنه أثار لغطا كبيرا في المشهد العام وخلّف ردود فعل متباينة سواء من خلال الردود التي صدرت عن المختصين في الشريعة (بيانات أساتذة جامعة الزيتونة) أو من خلال حالة الرفض التي أبداها جانب مهم من المتابعين كما تجلى في الجدل الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

المسائل التي يحاول التقرير الدفع نحو مجاوزتها عبر صياغة مدونة قانونية جديدة متحررة تماما من حضور النص الديني لا تراعي أن كثير من الأعراف التي تسعى الى إلغائها إنما هي جزء من النسيج المجتمعي ذاته

 

أبدى أعضاء اللجنة التي أصدرت التقرير سخطا إزاء ردود أفعال الشارع معتبرين أصحابها اقرب الى التصورات الداعشية المناهضة للحداثة والعصرنة. غير أن أي مراقب موضوعي يمكن أن يتفهّم حالة التشنج التي أبداها الشارع إزاء ما ورد في التقرير بالنظر الى جملة من العوامل التي ربما أهملت اللجنة منحها ما تستحق من عناية.

فهذه المسائل التي يحاول التقرير الدفع نحو مجاوزتها عبر صياغة مدونة قانونية جديدة متحررة تماما من حضور النص الديني لا تراعي أن كثير من الأعراف التي تسعى الى إلغائها إنما هي جزء من النسيج المجتمعي ذاته فقضايا المهر والميراث ليست مجرد مسألة قانونية يمكن إلغاء العمل بها بقدر ما هي جزء من بنية الوعي العام.

 

أبدى أعضاء اللجنة التي أصدرت التقرير سخطا إزاء ردود أفعال الشارع معتبرين أصحابها اقرب الى التصورات الداعشية المناهضة للحداثة والعصرنة

 

وإذا كان المتعارف عليه أن القانون يأتي لتنظيم  نزوعات غير شرعية وإقرار حقوق منتهكة فإنه من الصعب أن يدرك العقل اليومي كيف يمكن أن يكون التخلي عن المهر مسألة حقوقية أو أن يكون التخلي عن تجريم البغاء هو جزء من الحريات الفردية.

فالأولويات المجتمعية للشارع التونسي في هذه المرحلة لا تتقاطع مع توجهات اللجنة التي ظهرت في ثوب الوصي الذي يريد فرض توجهاته الفكرية عبر قوة الدولة ومنح تصوراته لمعنى المنظومة الحقوقية الكونية معنى شموليا ضد ما استقر في الضمير الجمعي من تشريعات مرتبطة بالسياقات الدينية ولا يمكن القفز فوقها بسهولة مهما كانت الشعارات التي ترفعها اللجنة.

أولويات الشارع التونسي حاليا لا تتعلق تحديدا بقضايا المهر والميراث وتشريع البغاء والدفاع عن المثلية، بقدر ما هي أولويات اجتماعية اقتصادية ترتبط أساسا بقضايا التشغيل والأمن والعدالة بين الجهات. وهنا يمكن الاستناد الى ما ورد في استطلاع المؤشر العربي الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حيث يكشف أن 80 بالمائة من التونسيين يقيّمون الوضع السياسي ببلادهم بأنه سيء وحيث تصل نسبة الذين لا يكفيهم دخلهم الأسري لتغطية احتياجاتهم الأساسية الى 55 بالمائة، فيما يؤكد 79 بالمائة من المستطلعة آراءهم أن الفساد منتشر بصورة واسعة في بلادهم.

 

الأولويات المجتمعية للشارع التونسي في هذه المرحلة لا تتقاطع مع توجهات اللجنة التي ظهرت في ثوب الوصي الذي يريد فرض توجهاته الفكرية عبر قوة الدولة

 

هذه النتائج التي تقترب كثيرا من واقع المشهد العام في البلاد تؤكد أن أولويات المرحلة بالنسبة للشعب التونسي لا تتعلق بما يطرحه التقرير بقدر ما تتخذ توجها عاما نحو مزيد تجذير الإصلاح السياسي وبناء دولة توفر الأدنى من الظروف المعيشية الملائمة لمواطنيها.

ومن هنا يمكن التأكيد قولا واحدا أن المقترحات الصادرة عن لجنة الحقوق والحريات الفردية تتنكّب عن المطالب الفعلية للناس وتسير الى بحث قضايا هي اقرب في اللحظة الراهنة الى نمط من الترف الفكري الذي تقتات عليه نخب بورجوازية لا يشغلها قوتها اليومي بقدر ما تسعى الى إقرار أجندات متصلة بتوجهاتها الفكرية والسياسية دون أن يعني كلامنا هذا عدم الحاجة الى مزيد بناء منظومة قانونية تحفظ للجميع حقوقهم وهو ما يستحق كثير من الجهد ومن المشاورات المجتمعية الواسعة فالمسائل القيمية ليست مما يمكن تغييره بين عشية وضحاها بمجرد قرار رسمي صادر بصورة فوقية مفروضة على الناس.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد