الرئيسيثقافةغير مصنف

ميريام ماكيبا: أم افريقيا وصوتها الغاضب

خديجة بن صالح _ مجلة ميم

 

هي ماما   افريقيا التي احتضنت كل اوجاع القارة السمراء وحنت عليها كالام الرؤوم.و هي الصوت الذي حمل قضايا التحرر والانعتاق من ربقة المستعمر الغاشم التي عانت منها البلدان الافريقية الى العالم.

هي ذاك الصوت المثخن بالوجع الافريقي الذي اتخذ الوانا من العذاب والهوان والقمع والعنصرية والاستعمار.

 

هي أم افريقيا كما يناديها الجميع التي جالت مسارح العالم لتقول بصوتها الفذ ” اننا نحن الافارقة نستحق الحياة ايضا”.

 

 

وبمنأى عن المضامين التي عرفتها بها الفنانة الكبيرة ميريام ماكيبا فإن موسيقاها ايضا شكلت ثورة في هذا المجال فقد جمعت بين الجاز والبلوز ومزجت هذه التعبيرات الموسيقية مع الفنون الشعبية والاهازيج الافريقية التقليدية وتلك هي السمة التي طغت على فنها وجعلت لها روحا مخصوصة.

 

 

ويعتبر اهل الفن وعشاقه ميريام ماكيبا ايقونة افريقية بكل المقاييس ويتخذ فنها الى جانب الابداع والتميز بعدا حقوقيا من خلال القضايا التي تحملها اغانيها.

 

 

لقد حملت ماما افريقيا وجع اللون ووجع الهوية منذ ان رأت عيناها النور ذات ربيع من عام 1932 . وبمجرد ان عانقت الاضواء والشهرة في خمسينات القرن الماضي قررت ان يكون ذلك خدمة لقضايا القارة السمراء التي شاء اقوياء العالم ان يجعلوها ارضا للبؤس والحروب والتطاحن وان تكون مرادفة للتخلف والهمجية رغم ان الله حباها بطبيعة مكتنزة بالخيرات والموارد.

 

 

ورغم ان ميريام ماكيبا ابنة جنوب افريقيا التي عانت من الميز العنصري طوال احقاب زمنية وتعرض زعيمها الخالد نيلسون مانديلا الى السجن والنفي قبل ان يحقق حلمه وحلم كل الافارقة واحرار العالم الا أن اغانيها لم تقتصر على حدود بلدها.

 

 

فقد اتخذت من قلوب جميع الافارقة وطنا وجنسية لها فعبرت عن كل ضيم عانت منه الشعوب الافريقية كما حملت صوتهم الى الاخر ولعل هذا ما جعلها تحصل على الجنسية الغينية على سبيل المثال في القرن الماضي وتحظى باحترام بالغ واهتمام كبير من كل البلدان الافريقية التي كانت تنال حظوة كبيرة عندما تحل بها باعتبارها صوت افريقيا الى العالم. كما حملت طوال مسيرتها اكثر من جواز سفر وذلك طوال ما يربو عن الثلاثين عاما من المنافي التي قضتها متنقلة بين اماكن عدة.

 

 

والحقيقة ان ارتباط ميريام ماكيبا بقضايا التحرر ليس ترفا بقدر ما هو انتماء حقيقي وصادق للفن الهادف الذي يحمل رسالة التغيير فهي ذاتها قد تعرضت الى الاضطهاد والقمع فقد  عانت من  النفي من بلدها ومن  التجريد من جنسيتها عام 1956 وذلك عقابا لها على تعبيرها عن وجع ابناء بلدها المضطهدين من اجل لونهم وعرقهم وانتمائهم الوطني.

 

 

وميريام التي تحمل اسما غاضبا جاءت به الى الدنيا وهو اوزنزيل وهو يعني في اللغة المحلية “لا تلومن الا نفسك” وهي الصرخة التي وجهتها الى الظالم المستبد والصوت الذي رفعته في وجه اعداء الحرية.

وهي التي عاشت في المنافي ما يزيد عن ثلاثين عاما دفعتها ثمنا للاتزامها بالقضايا التي امنت بها منذ بداية انتشارها الفني ولم تنعم مثل غيرها من مواطني جنوب افريقيا بحقها في العودة سوى بعد الافراج عن الزعيم الخالد نيلسون مانديلا.

 

 

وعنها قال كلمة خالدة ايضا ” كانت السيدة الاولى للغناء في جنوب افريقيا وتستحق لقب أم افريقيا. كانت معركتنا وأم شعبنا الفتي”.

وهي تعتبر بلا منازع اسطورة في الموسيقى الافريقية على مستوى الابداع والتفرد وعلى مستوى الرسائل والمضامين التي تؤديها باقتدار وتؤمن بها ايضا على مستوى السلوك والتبني.

 

 

وكما كانت صوتا عميقا  للامل الهمت سكان جنوب افريقيا والافارقة عموما وحرضتهم على الايمان بالغد الافضل كانت ايضا صوتا ايجابيا في مرحلة ما بعد انتهاء الفصل العنصري فلعبت دورها كما ينبغي في جنوب افريقيا الديمقراطية الثرية المتعايشة.

وكما احتفلت بكل استقالات دول افريقيا واحيتها على طريقتها قدر لها ان تعود الى بلدها عام 1990  قبيل نهاية المرحلة العنصرية المظلمة باربع سنوات وشاءت الاقدار ان تشارك ايضا في احتفاء بلدها بالحرية والانعتاق.

وهي من الاصوات التي كان غضبها رسائل الى كل المقموعين والمضطهدين في انحاء العالم وهذا سر هذه الاسطورة الفنية

 

 

وظلت الفنانة التي يمكن ان نعدها دونما مبالغة مناضلة وفية لمبادئها ورسائلها الفنية حتى اخر نفس من حياتها واخر نبضة من قلبها الكبير الذي توقف اثر  حفلها الاخير الذي اقامته في ايطاليا  عام 2008.

ولعل  اغنيتها “ماما افريقا” التي جالت العالم باتت انجيبلا لكل الافارقة تردد في كل المحافل والمناسبات التي يحتفى فيها بالقارة السمراء او كتعبير عن وجع يشق الجسم الافريقي.

 

 

وخلدت ميريام ماكيبا حياتها الثرية ما بين الموسيقى والمنافي المختلفة في كتاب وسمته ب “ماكيبا قصتي”.

وعندما استقرت في وطنها الام اختارت ان تقوم بنشاط خيري وانساني فكان تأسيسها لمركز لتأهيل المراهقات المشردات اللواتي يعانين من البؤس والحيف وذلك اخلاصا للمبادىء التي امنت بها منذ البداية وهي الانتماء للمضطهدين والمقموعين والانحياز لهم.

 

 

وكانت سعيدة باقامتها في احدى ضواحي جوهانسبوغ  واكثر سرورا عندما تتلقى التحية من ابناء وطنها الذين يبادرونها في كل لقاء بسؤال ” كيف حالك ايتها الام ؟؟؟ ” .وكان ذلك اللقب اكثر ما يسعدها.

ولعل سلسلة الحفلات الاخيرة التي اقامتها كانت بمثابة وداع وشكر للعالم كما جاء على لسان ماما افريقا التي قالت ايضا انها بعد هذه الحفلات ستبقى في بيتها مثل جدة.

الوسوم

اترك رد