مدوناتغير مصنف

ما لا ينمحي من القضية السورية

 

قبل مدة ذكرني موقع فيسبوك بمنشور كتبته في بدايات الثورة السورية قبل سبعة أعوام وهو : “إن الصدر الذي يتحدى الرصاص ولا يبالي بالموت لا يمكن أن يكون مأجورا”.. حيث كانت الدعاية التبريرية التي يستخدمها النظام لقمع الثورة قوامها أن المتظاهرين مأجورون وتدعمهم أطراف خارجية.

 

وبعد كل هذه الأعوام، ظل ذلك المنشور يعبر عن رؤيتي للقضية السورية، وعن موقفي المنحاز دائماً لثورتها، أي المنحاز لقضية الإنسان في سوريا، الإنسان المظلوم والمقموع والمجرد عنوة من أبسط حقوقه، والذي كان يعلم حين ثار على الظلم أن ضريبة موقفه هذا ستكون كبيرة، والذي ظلت تفاصيل يوميات الثورة فيما بعد تؤكد أنه لا وزن له في عرف العصابة التي حكمته عقودا، وسطت على مقدراته وبددت أحلامه.

القضية السورية بأركانها الأهم ليست فصائل متنازعة أخفقت في حسم المعركة وفي الاحتفاظ بالمناطق المحررة بدماء المقاتلين، وليست تلك الأطراف التي أفسدت الثورة بتدخلاتها ومحاولات توظيفها لخدمة أجندة مقابلة لتلك الأجندة التي لأجلها احتشد داعمو النظام وحلفاؤه داخل سوريا للمشاركة في كرنفال التدمير والقتل اليومي.

القضية السورية ليست هذا الواقع المزري الذي آلت إليه الآن في ظل انتفاشة النظام وادعائه الانتصار، وتقدمه الدموي فيما تبقى من مناطق محررة، فيما تفتك بالبلد القوات الأجنبية بقواعدها العسكرية وبوارجها وطائراتها.

أقول لهذا لأن كثيرين غيروا موقفهم من القضية السورية بناء على ما ترتب على ثورتها من نتائج آنية، وصاروا يميلون للاعتقاد بصوابية ادعاء نظامها حول المؤامرة الكونية وارتهان جمهور الثورة لأمريكا وأذنابها، أو تبني تلك المقولة المتهتكة التي تقول إن ربيع العرب وخصوصاً في سوريا كان ربيعاً أمريكيا، رغم أن الثورة السورية لا تختلف في الجوهر عن النتائج التي آلت إليها ثورة يناير المصرية، لكن ظل لثورة يناير أنصار كثيرون يمجدون تاريخها ويحتفون بذكراها كل عام، مع أن مصر ما تزال تحت حكم عصابة العسكر ذاتها، ولكن بوجه أكثر قبحا، وهي تُعايش واقعاً أصعب وأكثر تردياً من كل حقب حكم العسكر السابقة.

 

رغم أن الثورة السورية لا تختلف في الجوهر عن النتائج التي آلت إليها ثورة يناير المصرية، لكن ظل لثورة يناير أنصار كثيرون يمجدون تاريخها ويحتفون بذكراها كل عام، مع أن مصر ما تزال تحت حكم عصابة العسكر ذاتها، ولكن بوجه أكثر قبحا، وهي تُعايش واقعاً أصعب وأكثر تردياً من كل حقب حكم العسكر السابقة

 

صحيح أنه قد تدمر أكثر سوريا، وهُجر الملايين منها، وقضى نحو مليون شهيد بفعل سياسة المجازر الممنهجة، وصحيح أنه قد تكاثرت الأصوات التي تقول: “قد كان السوريون في غنى عن كل هذا، وإن الرضا بالاستبداد أرحم من هذه الكارثة غير المسبوقة في التاريخ المعاصر”، إنما يبدو من غير الأخلاقي أن يتغير الموقف من الثورة السورية بما هي قضية الإنسان العادلة والمحقة في مطالبها لمجرد النظر في حجم الكارثة المترتبة عليها، بل إن هذه الكارثة تؤكد أن تلك العصابة الحاكمة في سوريا كيان منبت الصلة بها، ودخيل عليها، ولا يختلف عن أي احتلال آخر غصب أرضاً واستباح إنسانها وهدر حقوقه كلها.

ولعل الفلسطيني على وجه الخصوص أكثر من يدرك ألم الخذلان والتشكيك في حقوقه والانحياز إلى أعدائه وتبني روايتهم، مثلما أنه يعلم تماماً أن فساد قيادته الرسمية وتنكبها عن درب الثورة والقتال لا يخدش جوهر قضيته ولا يشكك بعدالتها، فدوام أي احتلال يعني دوام معاناة الرازحين تحته، واشتداد حاجتهم للحرية، كما أن دوام الاستبداد واشتداد قبضته وجنون مجازره يلزم بمزيد من التعاطف مع ضحاياه، إنساناً منكوباً وأرضاً مستباحة. ولا يمكن لتفوق فريق على آخر أن يجعل الحق مع المتغلب، ولا يمكن أن يكون فساد ممثلي المظلوم سبباً في التحول عن مناصرته والكف عن التعاطف مع مأساته.

ربما ستتمكن آلة التدمير والتقتيل المكوّنة من النظام السوري وحلفائه من إعادة السيطرة على جميع سوريا، لكن ثمة أشياء  لا يمكن أن تتغير، وهي عدالة الثورة السورية في منطلقاتها ودوافعها، وفداحة مظلومية إنسانها، وجدارته بالتضامن، وقذارة النظام الإجرامي الذي حكم سوريا بقوة البطش والإرهاب، وحتمية بقاء الشعب السوري متطلعاً للتحرر من العصابة الطائفية الغاشمة التي تهيمن على البلد، وفوق كل ذلك أن من يرتكب ما ارتكبه النظام السوري من مجازر وعمليات تطهير وتدمير لا يمكن إلا أن يكون سلطة احتلال، وستجري عليها سنة الاندحار لا محالة.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي مجلة ميم

الوسوم

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد