ثقافةغير مصنف

“فرسان السعال”  للكاتبة الليبية وفاء البوعيسى: هكذا تتمثل الأنثى صناعة الموت

شهد سلامة- مجلة ميم

 

 

كيف تكتب المرأة فالمرأة المتعطشة للأمان والحب بشكل فطري عن  العنف؟ وهل يمكن أن يصبح القلم ملاذا من قسوة المعيش اليومي الضاج بمفردات القتل والدم؟ وكيف يمكن أن يعيد النص المؤنث صياغة الوقائع الدامية؟

 

أسئلة  محورية  تجيب عنها  الكاتبة الليبية وفاء البوعيسى في نصها الروائي” فرسان السعال”.

 

 

أول ما يمكن آن نستهل به قراءتنا لهذه الرواية ، القول بأنها نص نبوءة فقد كتبته قبل الثورة الليبية فكان صدور رواية فرسان السعال عام  2009. وفيها ولجت الكاتبة عالم صناعة الموت التي بدأت ملامحه تبرز في ليبيا وبدأ يتبلور بشكل واضح في المجتمع الليبي المحافظ والمنغلق على ذاته في تلك المرحلة. وعندما اندلعت الثورة حدث الانفجار الكبير الذي جعل البلد يلج مرحلة التطاحن والعنف المسلح وصراع الميليشيات الذي لم يخرج منه حتى اليوم.

وفي رواية وفاء البوعيسى تسليط للضوء على حياة المقاتلين من العرب الأفغان الذين شاركوا في ما اصطلح عليه بالجهاد في أفغانستان أثناء الاجتياح السوفياتي لها. ومن خلال حياتهم التي تتوزع على خمسة بلدان هي الجزائر وأفغانستان والباكستان والسعودية واليمن تعمل الكاتب على تفكيك بنية تفكير هؤلاء المقاتلين القائمة على الغلو في الدين وتكفير الآخرين والتأويلات السطحية للنص الديني. وهو ما يقود إلى استباحة دماء الآخر تحت مبررات الجهاد وقتال الكفار.

وتمضي الكاتبة إلى تبرئة الدين الإسلامي القائم على السماحة والمحبة من الأفعال العنيفة التي يأتي بها هؤلاء

وفي روايتها التي قسمتها إلى أربعة  أبواب اتساقا مع الفضاء  التي اختارته مدارا لكتابها تقدم شخوصا تطمح إلى سلام شامل يقطع مع كل مظاهر العنف وجحيم الإرهاب والتطرف وتنزع بشكل طبيعي إلى الأمان والاستقرار والتأسيس لحالة تعايش بين البشر.

وتذهب وفاء البوعيسى بعيدا في تمثلها لصناعة الموت التي في نظرها كانت سببا للفهم الخاطئ لظاهرة الاسلاموفوبيا التي اجتاحت العالم وتبررها بمظاهر القتل والعنف التي ترتكب تحت غطاء ديني التي أسهمت في تنامي المد المعادي للمسلمين بشكل عام وحالة الكراهية المتصاعدة لهم .

وقد جعلت وفاء البوعيسى في كل فصل من فصول روايتها فرسان السعال بطلا أو مجموعة من الأبطال ففي الفصل الأول كان البطل أسامة الليبي احد المقاتلين في أفغانستان والذي يصدم عندما يصل إلى الميدان الذي اختارت الكاتب آن تدور وقائع هذا الفصل فيه ونعني الجبهة الأفغانية ويكتشف ان حالات التكفير والعنف تحكم علاقة المقاتلين في ما بينهم وليس علاقتهم بالآخرين فحسب.

 

 

أما الفصل الثاني والذي تدور أحداثه في الجزائر فبطله خبير في الجماعات المقاتلة والذي يعمل مراسلا لجريدة لوفيغارو الفرنسية ويحاول أن يندس داخل الجماعات لكنه يجد نفسه بين فكي كماشة الإرهابيين من ناحية والأمن من ناحية ثانية.

أما الفصل الثالث ففيه تبرز زوجات المقاتلين كفاعلات رئيسات في الرواية يواجهن هذه الظاهرة الإرهابية بطريقتهن تقودهن في ذلك مثقفة أفغانية في الطريق إلى بيشاور هربا من بطش طالبان وطلبا للحماية من الأمم المتحدة.

وفي الفصل الأخير تكون البطولة لشخصيتين نسائيتين من السعودية إحداهما تتحرك في فضاء بلدها والأخرى في اليمن وذلك لمواجهة الإرهاب والتشهير به ومقاومته كل بطريقتها ووفق ما تتيحه الظروف والسياقات لها.

ويمكن ان نقول إن هذه الرواية من قبيل الكتابات التي لا تقوم على فن التخيل والقدرة على السرد فقط بل فيها تجميع للمعطيات وبحث ميداني وهو ما قامت به الكاتبة من خلال تجميعها لمعطيات ميدانية عن العرب الأفغان ودراستها لسيرهم وما حف بها من تحولات.

وهذا ما تجلى في الكتابة العميقة والواقعية التي اتسمت بها رواية وفاء البوعيسى  التي يمكن اعتبارها عملا توثيقيا لهؤلاء المقاتلين يعتد بها خاصة مع تنامي الظاهرة الإرهابية بشكل اعنف وأكثر شراسة بعد الثورات العربية ومع تعدد بؤر التوتر فير العالم العربي التي يقصدها المقاتلون.

وفي هذا السياق يمكن أن نقول إن النظام الليبي السابق طارد الكاتبة وفاء البوعيسي التي هي حقوقية وحامية وطلبت اللجوء السياسي في هولندا حيث كتبت هذه الرواية وقد أصدرت عديد الأعمال الأخرى من بينها: للجوع وجوه أخرى وتيوليب مانيا والروائي.

ولها عديد النصوص المقالات الصادرة فيس منشورات عربية عن المرأة والسياسة وغيرها من القضايا الراهنة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد