منوعاتبيت وأسرةغير مصنف

تعرف على خطورة انشغالك عن أبنائك بالموبايل

ترجمة مجلة ميم لمقال الكاتبة الأمريكية المختصة في تربية الطفل

 

عندما يتعلق الأمر بتطور ذهن الطفل، يجب أن يشعر الآباء والأمهات بالقلق إزاء الوقت الذي يقضونه في الانشغال بشاشة الهاتف، أكثر من خوفهم بسبب الوقت الذي يقضيه أبنائهم في هذا النشاط.

 

نجحت الهواتف الذكية في غزو كل جوانب حياتنا، وأحدثت تأثيرات سلبية متنوعة، مثل تزايد حوادث السيارات، ومشاكل النوم، وانعدام مشاعر التعاطف، وضعف العلاقات الشخصية، والفشل في الانتباه لما يدور من حولنا. وقد بات من الأسهل تعداد الجوانب التي لم تتأثر سلبا بالتكنولوجيا بالمقارنة بالجوانب التي تأثرت. والآن، يبدو مجتمعنا وكأنه قد وصل إلى ذروة التضرر من الأجهزة الرقمية.

الكاتبة إريكا كريساكسن صاحبة كتاب “أهمية أن تكون صغيرا: ما يحتاجه الأطفال قبل سن المدرسة من الكبار”

ولكن دراسات جديدة أظهرت أن الكثير من الأشخاص لم ينتبهوا بعد إلى المشكل الأخطر، الذي يرتبط بتطور عقل الطفل ووجدانه.

الحقيقة أنه بدل أن يشعر الآباء بالخوف إزاء إدمان أبنائهم على مشاهدة شاشة الهاتف، يجب عليهم أن يقلقوا أولا بشأن الوقت الذي يقضونه في الانشغال بهذه الأجهزة عن أبنائهم.

في الوقت الراهن، بات الأولياء يتواصلون مع أبنائهم عبر الأجهزة الإلكترونية أكثر من أي وقت مضى. ورغم التزايد الكبير في عدد النساء العاملات، إلا أن الأمهات اليوم يقضين وقتا في العناية بأطفالهن أكثر مما كانت الأمهات يفعلن في سنوات الستينات على سبيل المثال. ولكن هذا التواصل بين الآباء والطفل يفتقر للنجاعة وعديم التأثير، ويمكن وصفه بأنه صوري وغير عميق.

 

وفي حين أن الوالدين قد يكونا موجودين قرب الطفل بأجسادهم، ولكنهما غير متصلين به من الناحية العاطفية والذهنية. لأكون صريحة معكم، أنا أشعر بغضب كبير تجاه هذا النوع من الأهل. ففي بعض الأحيان، يمازحني أبنائي الذين كبروا وأصبحوا كهولا، قائلين إنهم ما كانوا لينشؤوا بشكل جيد في طفولتهم لو أنني كنت ملتصقة بهاتف ذكي قبل 25 سنة.

لا يرنو هذا التحذير من إفراط الآباء في الانشغال بالهواتف الذكية والأجهزة الرقمية بشكل عام، إلى التقليل من خطر استخدام الطفل بشكل مباشر لهذه الشاشات. فقد بينت دراسات معمقة أن العديد من الأشياء التي يشاهدها الأطفال، خاصة الأغاني المصورة السريعة، والمشاهد العنيفة، من شأنها أن تلحق ضررا جسيما بأدمغتهم.

يقضي الأطفال قبل سن الدراسة أكثر من 4 ساعات يوميا في مشاهدة شاشة الهاتف أو الحاسوب أو التلفاز. ومقارنة بسنة 1970، فقد انخفض معدل العمر الذي يبدأ فيه الطفل بمشاهدة الشاشة بشكل منتظم، من 4 سنوات إلى 4 أشهر.

و قد تبدو بعض الألعاب التفاعلية الجديدة التي يمارسها الأطفال عبر الهاتف أو الأجهزة اللوحية، أقل ضررا من مشاهدة التلفاز واليوتيوب، لأنها تحاكي السلوك الطبيعي للطفل. بالنسبة لأبناء جيلي الذين تطورت قدراتهم العقلية بشكل جيد، غالبا ما يتذكرون أننا في سنوات الطفولة كنا نقضي ساعات طويلة في مشاهدة برامج أطفال بسيطة وممتعة، مثل برنامج الرسوم المتحركة “سبيد رايسر، ومسلسل “جيليغانز أيلند”.

 

 

على الرغم من أن أمي كانت تحاول منعي من مشاهدة هذه البرامج التافهة، كنت دائما ما أقوم بذلك في غفلة منها، ولم يؤثر هذا على نمو قدراتي الذهنية. ولكن لا أحد يمكنه أن ينكر الوقت الكبير والفرص الهامة التي يهدرها الأطفال الصغار بسبب التصاقهم لوقت طويل بالشاشة. ففي الغالب، يعتبر الوقت الذي يقضونه على أجهزة الهاتف أو التلفزيون، في الواقع وقتا حرموا فيه من استكشاف العالم من حولهم والتدرب على إقامة العلاقات الإنسانية.

وفي حين أن هناك تركيزا كبيرا على الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام شاشات الأجهزة الإلكترونية، يوجد اهتمام محدود بانشغال الوالدين بهذه الشاشة. فقد أصبح الأهل يعانون من ظاهرة أطلقت عليها خبيرة التكنولوجيا، ليندا ستون، مشكلة “الاهتمام الجزئي المتواصل”. وفي هذا الشأن، أوردت ستون أن هذه الحالة لا تلحق الأضرار فقط بالكبار، بل وتؤثر أيضا على أطفالهم.

يمكن أن تؤثر هذه الطريقة الجديدة في التواصل بين الوالدين والطفل، سلبا على تطور الإدراك العاطفي لديه. ففي هذه المرحلة، يكون الطفل في أمس الحاجة للتواصل والتفاعل، باعتبارهما أسس تعلم الإنسان وتطوره العقلي والوجداني. ونتيجة لانعدام التواصل البناء، تدخل العلاقة داخل العائلة منعطفا مجهولا.

 

يطلق خبراء في مجال نمو الأطفال أسماء متنوعة على نظام الإشارات الثنائي بين الشخص البالغ والطفل، وهو التواصل الذي يضع الأسس الهندسية لتطور الدماغ. ويصف جاك شونكوف، وهو طبيب ومدير “مركز هارفارد لتطور الأطفال”، هذا النظام بأنه “التواصل بأسلوب الخدمة السريعة”، فيما تصفه خبيرتا علم النفس كاثي هيرش باسيك وروبرتا مشنيك غولينكوف على أنه “الثنائي التحادثي”.

 

تقضي الأمهات اليوم وقتا في العناية بأطفالهن أكثر مما كانت الأمهات يفعلن في سنوات الستينات على سبيل المثال. ولكن هذا التواصل بين الآباء والطفل يفتقر للنجاعة وعديم التأثير، ويمكن وصفه بأنه صوري وغير عميق.

 

غالبا ما تتميز الأنماط الكلامية التي يستخدمها الآباء أثناء تواصلهم مع أطفالهم، بنغمة عالية النبرة، وبنية لغوية مبسطة، والكثير من الوضوح والاهتمام. ورغم أن هذا الأسلوب في مخاطبة الطفل قد يبدو مملا بالنسبة للكبار، إلا أن الأطفال والرضع يستمتعون به ويستفيدون منه. فقد أثبتت الدراسات أن الأطفال الذين يتعرضون لهذا النوع من التواصل مع آبائهم، بناء على أسلوب التفاعل العاطفي، في عمر يتراوح بين 11 و14 شهرا، يتعلمون ضعف عدد الكلمات التي يتعلمها الأطفال الذين بلغوا عمر السنتين ولم يتعرضوا لهذا النوع من التواصل.

ويعد تطور الطفل أمرا نسبيا ومرتبطا بعدة عوامل. ولذلك، قام العلماء في إحدى التجارب بمراقبة مجموعة رضّع أعمارهم 9 أشهر، تلقوا كل يوم حصة تعليم للغة الصينية لبضعة ساعات، على يد مدرّس. كما شملت التجربة مجموعة أخرى من الرضع من نفس العمر تلقوا الدروس اللغوية ذاتها ولكن عبر الفيديو. وقد تبيّن أن المجموعة الأولى نجحت في تمييز بعض العناصر اللغوية واللفظية في هذه اللغة بشكل أفضل.

وأوضحت عالمة النفس كاثي هيرش باسيك، أستاذة في جامعة تمبل في فيلادلفيا، وباحثة في “معهد بروكينجز”، أن أعدادا متزايدة من الدراسات تؤكد على أهمية التواصل الحواري والعاطفي بين الوالدين والطفل، حيث قالت الباحثة إن “اللغة هي أفضل عامل مؤثر على النجاح والتفوق الدراسي للطفل، وأهم مفتاح لتقوية القدرات اللغوية والاتصالية، والقدرة على إقامة حوار متوازن وسلس بين الصغار والكبار”.

عند هذه النقطة، يبرز مشكل كبير يتمثل في أن هذا التواصل العاطفي بين الأبوين والطفل، الذي يساهم في تطوير وتنظيم العواطف والقدرات العقلية لدى الطفل في مراحل التعلم المبكرة، يتعرض باستمرار للمقاطعة والتشويش، بسبب قيام الوالدين بإلقاء نظرة سريعة على رسالة نصية أو على حساباتهم على إنستغرام.

 

قام الباحثون في بوسطن بدراسة غير معلنة، تمثلت في مراقبة 55 شخصا بالغا بشكل سرّي، أثناء تناولهم الطعام مع أطفالهم. وقد كان 40 من هؤلاء البالغين منشغلين بهواتفهم بدرجات متفاوتة، حيث أن بعضهم كانوا يتجاهلون الطفل تماما

 

ومما لا شك فيه أن أي شخص ينتبه إلى انشغال الآباء أثناء دفع عربة الأطفال، واكتفائهم بالتواصل السطحي مع أبنائهم، يكون قد لاحظ أن هذه الظاهرة انتشرت بشكل كبير. ومن التبعات الخطيرة لهذا السلوك، بحسب دراسة علمية؛ وجود علاقة بين ارتفاع عدد الحوادث لدى الأطفال وتزايد استخدام الهواتف الذكية.

 

وقد وصل الأمر بشركة “أي تي أند تي” الأمريكية للاتصالات إلى حجب خدمات الهواتف الذكية في أوقات وأماكن محددة، حتى تفسح المجال للآباء والأبناء بخوض تجربة تواصلية مثيرة. وقد أظهرت بعض الدراسات أن الأماكن التي ترتفع فيها معدلات استخدام الهواتف الذكية، ترتفع فيها معدلات توجه الأطفال نحو قسم الطوارئ في المستشفيات.

 

جذبت هذه الاكتشافات اهتمام بعض وسائل الإعلام للمخاطر الجسدية التي تترتب عن انشغال الوالدين بالشاشة، ولكن، إلى غاية الآن، يغيب الوعي بدرجة كافية بشأن هذه المخاطر وتأثيرها على النمو العقلي والوجداني للأطفال. وقد أفادت الدكتورة كاثي أن “صغارنا لا يمكنهم أن يتعلموا، بينما نقوم نحن بقطع الحوار المسترسل في كل مرة، من خلال إخراج الهاتف وقراءة رسالة نصية حال سماعنا لصوت الإشعار”.

 

أظهرت بعض الدراسات أن الأماكن التي ترتفع فيها معدلات استخدام الهواتف الذكية، ترتفع فيها معدلات توجه الأطفال نحو قسم الطوارئ في المستشفيات

 

في سنة 2010، قام الباحثون في بوسطن بدراسة غير معلنة، تمثلت في مراقبة 55 شخصا بالغا بشكل سرّي، أثناء تناولهم الطعام مع أطفالهم. وقد كان 40 من هؤلاء البالغين منشغلين بهواتفهم بدرجات متفاوتة، حيث أن بعضهم كانوا يتجاهلون الطفل تماما (ذلك أن الأبحاث أثبتت أن الكتابة والاطلاع على الشاشة يسببان الانشغال أكثر من تلقي مكالمة).

وتمثلت إحدى النتائج غير المفاجأة لهذه الدراسة، في أن الأطفال في هذه الحالة بدؤوا في السعي للحصول على بعض الاهتمام، ولكنهم تعرضوا لمزيد من التجاهل. في وقت لاحق، تم إجراء دراسة إضافية تمثلت في إحضار 225 أم مع أطفالهن البالغين من العمر 6 سنوات، ووضعهم في مكان مخصص، وتصوير التفاعلات فيما بينهم، بعد أن تم منح الأمهات والأطفال نوعا من الطعام لتذوقه.

وخلال فترة المراقبة، استخدمت ربع الأمهات هواتفهن بشكل عفوي، وأثناء الانشغال بالهاتف أبديْن ضعفا كبيرا في التفاعلات اللفظية وغير اللفظية مع الأطفال. وقد تم إجراء تجربة أخرى مهمة ومصممة بشكل محكم، في مدينة فيلاديلفيا من قبل الباحثات كاثي هيرش باسيك وميشنيك غولينكوف، إلى جانب جيسا ريد من جامعة تمبل، اختبرن من خلالها تأثير استخدام الأبوين للهاتف الذكي على تعلم الأطفال للغة.

وقد تم إحضار 38 أم مع أطفالهن البالغين من العمر حوالي سنتين، ووضعهم في غرفة كبيرة. ومن ثم، طُلب من الأمهات تعليم أطفالهن كلمتين جديدتين، وهما “القفز” و”الاهتزاز”، مع منح الأمهات هواتف حتى يتمكن الباحثون من التواصل معهن من غرفة أخرى منفصلة. وأظهرت المراقبة أن الأمهات عندما تتم مقاطعتهن باستمرار بمكالمات هاتفية، تضعف قدرة الأطفال على تعلم الكلمتين الجديدتين.

 

ومن الجوانب الطريفة لهذه التجربة، أن الباحثين قاموا في النهاية باستبعاد سبع أمهات من الغرفة، لأنهن كن يمتنعن عن الإجابة على الهاتف ويبقين تركيزهن الكامل على تعليم الأطفال، وهو أمر كان بالطبع غير مفيد لهذه التجربة، ولكنه مفيد جدا لهن ولأطفالهن.

 

تم إحضار 38 أم مع أطفالهن البالغين من العمر حوالي سنتين، ووضعهم في غرفة كبيرة. ومن ثم، طُلب من الأمهات تعليم أطفالهن كلمتين جديدتين، وهما “القفز” و”الاهتزاز”، مع منح الأمهات هواتف حتى يتمكن الباحثون من التواصل معهن من غرفة أخرى منفصلة. وأظهرت المراقبة أن الأمهات عندما تتم مقاطعتهن باستمرار بمكالمات هاتفية، تضعف قدرة الأطفال على تعلم الكلمتين الجديدتين.

 

في الحقيقة، لم يكن إيجاد توازن بين احتياجات الأبوين والأطفال في يوم من الأيام سهلا، والأصعب من ذلك هو إيجاد التوازن بين رغبات الطرفين، ولذلك من السذاجة الاعتقاد بأن الأطفال يمكن أن يكونوا باستمرار محور التركيز الكلي للوالدين.

لطالما كان الوالدان يتركان الأطفال ليتدبروا مسألة اللعب بأنفسهم، وكانت الأنشطة والألعاب تتراوح بين الخطيرة والآمنة. وبشكل ما، يمكن اعتبار أن قضاء الوقت في مشاهدة شاشة الهاتف أو التلفزيون في القرن الواحد والعشرين لا يختلف كثيرا عن الأساليب الأخرى التي استخدمتها الأمهات على مر الأجيال لإبقاء الأطفال منشغلين.

وكلما غابت الأفكار ووسائل الترفيه عن الأطفال، تزايدت احتمالات تعرضهم للأذى، إذ أن الكاتبة كارولين فرايزر، في السيرة الذاتية التي أصدرتها حول لورا إنغالز وايلدر مؤلفة سلسلة قصص الأطفال في الولايات المتحدة، وصفت نشأة لورا في القرن التاسع عشر حيث كانت مثل بقية الأطفال معرضة لأساليب الرعاية الأبوية الغريبة التي كانت سائدة حينها.

 

وفي ذلك الوقت، كانت بعض الأمهات تضعن الطفل في كيس قرب باب الفرن حتى يبقى دافئا، ويتغيّبن عن المكان لوقت طويل تاركات الرضيع معرضا لكل أنواع الخطر. وكانت هذه الطريقة هي ما توصلت إليه الأمهات آنذاك، لمجابهة ضغط المسؤوليات والواجبات الأخرى.

 

كما ذكرت الكاتبة وايلدر بعض المخاطر التي تعرضت لها ابنتها الصغيرة بسبب انشغالها الدائم عنها. ففي إحدى المناسبات، كانت وايلدر منهمكة في الأعمال المنزلية، وأطلت من الشباك على الحديقة لترى حصانين يقفزان والرضيعة موجودة تحت سيقانهم.

لا يعتبر الانشغال الظرفي للوالدين من حين لآخر أمرا كارثيا، لأنه يمكن أن يدفع الطفل لتطوير قدراته على التأقلم ومجابهة الأخطار، إلا أن الانشغال الدائم عنه هو الأمر الذي يجب الحذر منه. في الواقع، إن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية مرتبط بالعديد من علامات الإدمان: حيث أن الأبوين المنشغلين بهذا الجهاز تظهر عليهما العصبية وسرعة الغضب والانفعال، وهما لا يكتفيان فقد بعدم ملاحظة التفاعلات العاطفية للطفل، بل أحيانا يقرآنها بشكل خاطئ. كما أن الأبوين المنشغلين بالشاشة، تكون ردة فعلهما الغاضبة أسرع من غيرهما، حيث يشعران بأن الطفل يحاول التلاعب بهما، بينما هو في الحقيقة يسعى فقط للحصول على حقه في بعض الاهتمام.

باختصار، إن انقطاع التواصل بين الأبوين والطفل من حين لآخر وبشكل عرضي، هو أمر لا ضرر منه، بل يمكن أن يكون صحيا ونافعا إذا تم بشكل مدروس، لأنه مع تقدم الطفل في السن سيحتاج حتما لمزيد من الاستقلالية. ولكن هذا النوع من المقاطعة المحدودة والمدروسة يختلف تماما عن الانشغال الكلي، الذي يحدث عندما يكون أحد الأبوين جالسا مع ابنه ولكنه في نفس الوقت لا يتواصل معه بشكل حقيقي، كما لو أن طفله أقل أهمية من رسالة البريد الإلكتروني.

يمكن اعتبار أن طلب الأم من أبنائها الخروج للساحة واللعب، أو طلب الأب الابتعاد عنه قليلا حتى يركز على بعض أعماله لمدة نصف ساعة، هو أمر طبيعي جدا في ظل ضغوط ومسؤوليات الحياة اليومية لدى الكبار. ولكن يكمن الإشكال في تفاقم ظاهرة “الاهتمام العشوائي”، الذي تسيطر عليه إشعارات وإغراءات الهاتف الذكي.

 

إن الإفراط في استخدام الهواتف الذكية مرتبط بالعديد من علامات الإدمان: حيث أن الأبوين المنشغلين بهذا الجهاز تظهر عليهما العصبية وسرعة الغضب والانفعال

 

يبدو أننا وقعنا في فخ أسوأ نوع من الرعاية الأبوية يمكن تقديمه لأطفالنا، حيث أننا موجودون بأجسادنا بالقرب من الطفل، دون أن نتواصل معه ذهنيا وعاطفيا وجسديا، وهذا يجعله لا يستفيد من وجودنا، وفي نفس الوقت لا يستفيد من غيابنا ليطور نفسه بشكل مستقل. إن إيجاد حل لهذه المعضلة ليس أمرا سهلا، خاصة وأنه ترافق مع حدوث تغييرات كبيرة على مستوى الأنظمة التعليمية. كما أن أعدادا الأطفال الذي يترددون على المؤسسات التعليمية في تزايد مستمر (حوالي ثلثي من تبلغ أعمارهم 4 سنوات)، ولكن هذه المؤسسات تقدّم لهم دروسا مكثّفة ومملة، تعطى فيها الكلمة غالبا للمدرس وليس التلاميذ. وفي هذه البيئة، تنخفض فرص الأطفال لخوض المحادثات العفوية.

لكن الخبر الجيد هو أن الأطفال الصغار مزودون فطريا بالقدرة على أخذ ما يحتاجونه من الكبار، وهو أمر يدركه الآباء عندما يستفيقون على صدمة مشاهدة أبناءهم وهم يؤنبونهم بكل غضب. كما أن الأطفال مستعدون للقيام بأشياء كثيرة للحصول على الاهتمام من الوالدين المنشغلين بشاشة الهاتف، وإذا لم نسع لتغيير سلوكنا، فإن أطفالنا سيسعون لتغييره بكل الطرق، حتى لو كان ذلك عبر الدخول في نوبة غضب.

 

يميل بعض الآباء والأمهات لتفريغ شحناتهم السلبية من خلال توبيخ الأطفال على اهتمامهم بشاشة الهاتف، عوضا عن محاسبة أنفسهم أولا على نفس هذا السلوك

 

في بعض الحالات، ينتهي المطاف بالطفل بالاستسلام للأمر الواقع، والتخلي عن طلب الاهتمام. وقد أظهرت دراسة أجريت على الأيتام في رومانيا، حجم الضرر والحرمان الذي يتعرض له دماغ الرضيع عندما لا يكون هناك طرف بالغ يتفاعل معه في حياته اليومية. ونحن لا نعلم لحد اليوم فظاعة الذنب الذي نقترفه عندما نفشل في التواصل مع أطفالنا.

مما لا شك فيه، للكبار أيضا نصيبٌ من المعاناة من هذا الوضع؛ إذ أن الكثيرين منهم قد صمموا حياتهم اليومية بشكل مأساوي فأصبحوا دائما على ذمة العمل، وفي نفس الوقت يحاولون رعاية الأطفال، والتواصل مع الآخرين، ومتابعة الأخبار، والتسوق عبر الإنترنت، بيد أنهم في الحقيقة عالقون داخل دوامة رقمية.

في ظل هذه الظروف، يميل بعض الآباء والأمهات لتفريغ شحناتهم السلبية من خلال توبيخ الأطفال على اهتمامهم بشاشة الهاتف، عوضا عن محاسبة أنفسهم أولا على نفس هذا السلوك. وفي المقابل، نحن نحتاج لخفض عدد المهام والواجبات التي نثقل بها كاهلنا كل يوم، إلى جانب خفض الوقت الذي نقضيه أمام الشاشة.

إذا أمكن لنا السيطرة على علاقتنا بالتكنولوجيا، فإننا سوف نتمكن من تقديم أشياء كثيرة لأطفالنا، بكل بساطة عبر خفض المهام والملهيات الأخرى التي تشغلنا عنهم. ويجب على الآباء والأمهات أن يمنحوا أنفسهم الحق في الانقطاع عن العالم الخارجي والهروب من الضغوط الخانقة التي يسلطها عليهم الآخرون كل يوم.

كما يمكننا من حين لآخر أن نقضي شؤوننا ونخاطر بترك الأطفال يلعبون في الحديقة، وعلى الأغلب سوف يكونون بخير. ولكن الشيء المهم هو أننا عندما نكون بجانبهم، يجب أن نترك الهاتف بعيدا عنا ونكون حاضرين حاضرين قلبا وعقلا.

 

إريكا كريستاكس

باحثة أمريكية مختصة في تربية الأطفال وصاحبة الكتاب الشهير “أهمية أن تكون صغيرا: ما يحتاجه الأطفال قبل سن المدرسة من الكبار 

 

ترجمة مجلة ميم للمقال المنشور في مجلة الأتلانتيك الأمريكية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق