ثقافة

ميشيل مصري… أغدا ألقاك؟

 

ميشل المصري، والد لحن الشجن ومولوده، بقدرة على الابداع والامتاع والمؤانسة، وبصمة فريدة استلهمها من عمق الحارات الشعبية المصرية، فلمس قلوب ناسها وبث الحنين في جدرانها وأزقتها ودوّنها في الذاكرة. وقد نزل خبر وفاته السبت الماضي كالصاعقة على محبيه، عن عمر ناهز 85 عاما.

 

مثلت الموسيقى حاجته الروحية طيلة حياته، وهي ذاته التي يبحث عنها، فكان كل لحن ينجزه يدفعه للبحث فيها أكثر وكأن هذه الذات لا تشبع.

لم تكن ليالي الحلمية سوى إحدى المسارات الملهمة في مسيرة موسيقار عاش من أجل الموسيقى ومات عظيما. وقد قدر على اللحن الشهرة وكتب على أصحابه الامتنان لظلاله في الخفاء، ولو رحلوا تبقى خالدة لتفوح بعبق المكان على أرواحهم.

ترك المصري الحياة وهو أحد الرموز الموسيقية التي كتبت ودونت ألحان عبد الوهاب والسنياطى والموجي ويلبغ ووقف وراء أم كلثوم في روائعها الأخيرة.

 

 

بدأ بالعزف على آلة الكمان سنة 1953، وصعد السلم الموسيقي بدرجاته وألوانه، فقاد رحلات فنية من المشرق إلى المغرب”.

أسّس ميشل قاعدة موسيقية في الكويت مع تكوينه لجيل سعودي، من بينهم محمد عبده وطلال المداح، وفنانين من عمّان.

كما عمل مع الرحابنة، وقاد العديد من الفرق الفنية وصولا إلى الفرقة الماسية. وهو موزع لكبار الفنانين وأغاني الأوبريت.

تميز علاوة عن تجربته الفريدة في العزف بالتأليف الموسيقي للعديد من الاعمال السينمائية والدرامية.

انطلقت التجربة مع الشاعر سيد حجاب في الموسيقى التصويرية لمسلسل “أولاد آدم” وأداها الفنان المصري “علي الحجار”.

وكان لليالي الحلمية وقع خاص عند الجمهور المصري خاصة والعربي عامة، ولاتزال إلى اليوم من أجمل الأعمال الفنية المرتبطة بالدراما.

 

 

تنبعث موسيقى ميشيل المصري من العناصر المكونة للعمل، روح المكان، الزمان والأحداث، فلكل منطقة موسيقى خاصة بها، تظهر في لهجة البياعين التي يستخدمونه، في ضجيج الحارات أو سكونها ولكل حي خصوصياته بالنسبة إليه.

يقول في تصريح تلفزيوني ” لكل مكان خصوصية، المسحّراتي في رمضان له خصوصيته والموسيقى التي يحبذها الناس في منطقة معينة لها وقعها الخاص”.

وكانت ليالي الحلمية أسرع موسيقية لحنها، يقول ” قرأت مرّة واحدة ولحّنت لمرة فقط وأدّاها محمد الحلو بعد تسجيل وحيد”.

وابتعد الموسيقار المصري عن الابداع في زمن اللا إبداع، إذ يقول في إحدى حواراته الإعلامية عن واقع الموسيقى العربية والمصرية “اذا كانت هناك مشاكل سياسية يحصل عسر في الوسط الفني في التفكير والاحساس والفنان يتأثر قبل غيره”.

وتابع “هناك شيء منقوص رغم الأصوات الجميلة والاعمال التي تقدم لأن العمل الفني ليس صوتا ولحنا فقط، بل مجموعة من العناصر المتكاملة”.

ويستذكر المصري، الحياة الثقافية في السابق، حيث يجتمع الفنانون المصريون في ساحة أو حديقة مع المثقفين والروائيين الكبار، خلطة أنتجت سهولة فنية، وغيرة دفعت نحو تطور الأعمال الموسيقية، وولدت حركة فنية هامة.

ويقارنها باليوم” أما الان فتغيرت الأوضاع وغرف المنازل أصبحت استوديو التسجيل أو تسجل الموسيقى ويأتي الفنان ليغني”، مضيفا “كل ما يحصل هو انعكاس للهزات التي تعيشها الشعوب”.

 

 

تعامل ميشيل مع مبدعي الزمن الجميل، حتى قيل إنه من ألف مقدمة “قارئة الفنجان” وليس الملحن الكبير محمد الموجي، وجاء ذلك على لسان أحد أبناء الموجي.

وقد أكد ميشيل أنه ساعد الملحن الكبير في بروفات القصيدة في بيت عبد الحليم بعد أن دعاه العندليب للعشاء عنده.

وعندما عجز محمد عن المقدمة، دفعه المصري إلى استكمالها بأرائه ورتبها له.

ولعل من أفضل لحظات ميشيل هو وقوفه كعازف في حضرة كوكب الشرق في روائع، يا مسهرني، أغدا ألقاك”.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “ميشيل مصري… أغدا ألقاك؟”

  1. ذاك زمن جميل وفن جميل لأن المبدعين كانوا يفكرون قي شئ واحد فقط وهو إمتاع الجمهور ، الان أصبح المبدعون مدمنين على الرغبة الرهيبة في برمجة عقول الناس ففقد الفن رسالته الأبرز والأصعب وهي الترفيه عن الجمهور ، وحتى تنتهي معاناتنا معهم يجب أن يعرفوا أن الذي يشاهده ويسمعه الإنسان من الخروج من المنزل وحتى العودة هو أقوى مؤثر نفسي ، إذا عاد الإنسان إلى بيته يحب أن يرتاح وحبذا لو كانوا جزء من هذه الراحة .

اترك رد