مدوناتغير مصنف

كنا أطفالا في حقول الحشيش!

 

كنا أطفالا…لم نكن نعي ما حولنا، كنا نذهب إلى المدرسة لنتعلم بعض القيم، كنا نلقن بأن المخدرات مضرة بصحة الإنسان، كان الآباء أيضا يحذروننا من آفة التدخين، كنا نعي جيدا كل ذلك، وكنا سعداء بتلك القيم التي كانت تغرس فينا غرسا،

كنا أيضا في وقت الفراغ نذهب إلى حقول القنب الهندي لنساعد قدر المستطاع في الزراعة والعناية، لقد جئنا إلى هذا العالم أطفالا أبرياء، فوجدنا أنفسنا بين هذه الحقول المخضرة التي تفوح منها رائحة الحشيش.

أخبرن الآباء أن القنب الهندي نبتة أنقذتهم من الفقر المدقع، من الجوع، والعراء، من القمل الذي كان يمتص دماءهم، كانوا يقولون لنا بأنهم لم يستطيعوا شراء الصابون، إلا بعد أن قاموا بزرعها بعد الثمانينات من القرن الماضي، أخبرونا أيضا بأن الكبش الذي ذبحوه يوم عقيقتنا كان من إيراداتها، بل حتى الكتاب، والقلم الذي خططنا به أولى أحرفنا كان منها! منهم من يتذكر الأيام الخوالي _أيام الفقر المدقع، والعراء_ فيخاف أن تنقلب الأيام، ويعود الزمان كيف ما كان، فيحجم عن فكرة إمكان التغير!

 

مئات الآلاف من العائلات تعيش من إيرادات الحشيش! ومئات آلاف أخرى تعيش من إيرادات الدعارة! ومئات آلاف أخرى إلى الآن  لا تدري كيف تعيش!

 

كنا أطفالا ..ثم بدأنا نعي شيئا فشيا، أدركنا بأننا نلقن أشياء ونساهم في ضدها. نلقن بأن الحشيش مضر بصحة الإنسان، ونعرف جيدا بأنه علينا أن نبتعد عنه، لكننا نعمل في الحقول ونساهم في الإنتاج، ونبيع لغيرنا بدم بارد. المرء هنا لا يفكر إلا في ما سيجنيه من دريهمات وراء  محصوله، هنا تنفصل القيم عن الواقع، ويصبح العالم الموجود خارج إطار القيم الخلقية والدينية!

 

 

كنا أطفالا.. فعقدنا الأمل على المستقبل، عقدنا الأمل على دروس مادة “التربية على المواطنة” قلنا: “سيتم إدماجنا في العمل بعد أن نكبر، ونكمل دراستنا، عندها سنرحل عن هذا العالم المتسخ”، كانت أحلامنا تحلق عاليا، ولم نكن نفقه حقيقة ذلك المثل القائل: “كلما حلقت عاليا أكثر، كان السقوط مؤلما أكثر”.

كنا أطفالا… لما كانت تتناهى إلى أسماعنا  أحاديث مفادها أن الدولة تهيئ مخططا لمحاربة القنب الهندي شمال المغرب، وبأنها ستأتي بالبديل المناسب، لعلهم قالوا بأنهم سينشؤون المصانع، أو لعلهم قالوا سيدفعون الأرانب للناس ليربوها، منهم من قال تربية النحل أفضل..! كان الناس حينها مضطربين خائفين متوجسين..! ثم انتفش البالون!

 

 

كنا أطفالا… ثم اكتشفنا بأن اقتصادنا قائم على تجارة الممنوعات، والسياحة الجنسية، وبأنه ليس لنا من الأمر شيء، حتى الحقول التي كان من المفترض أن تحقق بها الدولة الإكتفاء الذاتي من القمح، وغريها من الزراعات الأساسية، لعب بها الإستعمار الفرنسي وحول السياسة الفلاحية إلى الفواكه الثانوية، فأصبح المغرب يصدر الحوامض ويستورد القمح!

لقد مر ربع قرن من الزمن منذ أن جئت إلى هذه الأرض، ولا أعتقد بأن ذلك الطفل كبر.. أحيانا أتساءل هل كنا ضحايا؟ ثم أجيب متسائلا: وهل يغير ذلك من بؤس الواقع شيئا؟ مئات الآلاف من العائلات تعيش من إيرادات الحشيش! ومئات آلاف أخرى تعيش من إيرادات الدعارة! ومئات آلاف أخرى إلى الآن  لا تدري كيف تعيش!

وبضع مئات تكنز الذهب والفضة وتردد: “المغرب أجمل بلد في العالم”.. وحق لهم ذلك!

أحيانا أخرى أتساءل: هل هناك جدوى من وراء الكتابة؟ لايهم لعل الغد أفضل، وتلك قولة أخفف بها من وقع الحقيقة المرة على ذاتي، قد تكون صادقة أو قد لا تكون!

الوسوم

عمر السطي

مدون مغربي

مقالات ذات صلة

اترك رد