مجتمعالرئيسيغير مصنف

في بريطانيا وإيطاليا “جُودي” و”فداء” ووصفات فلسطينية تدغدغ الذاكرة

هديل عطا الله- مجلة ميم

 

 

ما من جديدٍ في أن يُصدر شيف فلسطيني يعيش في بلاده كتاباً عن الطبخ الفلسطيني؛ لكن أن يفعلها مغترب في المهجر ويصدر كتاباً بلغة البلد المضيف وفي مجالٍ مختلف بعض الشيء وهو “الطهي”؛ فإنه أمر قلما نراه؛ تماماً كما فعلت كلٌ من الفلسطينيتين جودي كالا والتي تقيم في بريطانيا؛ وفداء أبو حمدية التي عاشت لسنوات طويلة في إيطاليا وما زالت تزورها بين حين وآخر.

 

والمثير أن الكتابين لاقيا ترحيبا فاق التوقعات في الأوساط الأوربية؛ لتكشفا عن حقيقة مُغيبة تكمن في أن كثيرا من الأطباق التي تزعم (إسرائيل) أنها لها؛ إنما هي فلسطينية؛ إذ تتناول كل منهما بطريقتها الخاصة الجانب الثقافي للطبخ الفلسطيني؛ وما يحمله من ذكريات وحنين إلى الوطن الأم.

 

مراسلة “ميم” تناولت في حديثها مع جودي وفداء تفاصيل دافئة فيها عبق الهوية؛ وبدأنا الجولة مع جودي التي ترعرعت في بريطانيا؛ ولم يحدث أن زارت فلسطين من قبل؛ وتمكنت قبل عامين من إصدار كتاب يحمل اسم (فلسطين على طبق- ذكريات من مطبخ أمي)  ليحوي “وصفات قديمة مجبولة بالحب” مع لمساتها الخاصة، محاولة بذلك التصدي لسرقات اسرائيل الثقافية بحق تراث وطنها؛ الذي لم يسبق لها أن زارته؛ وعملت هذه الشابة “اليافاوية” الأصل في مطاعم معروفة مثل «بينغلي» و «دافني» و «بابيون» على مدى 16 عاماً؛ وفي الوقت الحاضر تدير مطبخ “بيتي” الذي يشهد إقبالاً كبيراً.

 

خبز طازج و”صفيحة”

تتذكر جودي كل شيء يخص عائلتها في الطفولة؛ رائحة المنزل والطهي والأحاديث التي كانت تدور بينهم والأهم من ذلك أنها تتذكر الطعام؛ تبدأ الحديث بروحٍ ودودة؛ فتقول: ” كان من المميز دائماً زيارة العائلة لنا في لندن لنجتمع معًا؛ هذه اللحظات لا يمكنني نسيانها؛ ولطالما استمتعت بمشاركتهم في تحضير الطعام، لم نحيي بذلك الذكريات فحسب وإنما التاريخ والتقاليد”.

 

لمعت في عينيها ابتسامةً حين سألتها عن الطبق الذي كانت تلتهمه “جودي الصغيرة” بحب؛ لتجيب: “كان الطبق المفضل بالنسبة لي هو أي شيء مع العجين؛ الخُبز مثلا؛ ذلك أن رائحة الخبز الطازج تجلب لي متعة لا تضاهى؛ لا سيما حين أغمسه مع اللبنة وزيت الزيتون؛ ناهيك عن “الحشوات” مثل الفطائر والصفيحة التي تشتهر بها مدينتي يافا”.

 

 

وتفتخر بــ “عروس البحر” وهو اللقب الذي استحقته يافا؛ فتلخص ما تعرفه عنها: “عماتي كنّ جميعاً أنيقات وذكيات وجميلات؛ لقد حدثنني عن المدينة ومدى روعتها إضافة إلى بحرها الجميل وحمضياتها اللذيذة؛ لقد كان من الرائع أن يكبروا في مكان جميل كهذا ويمكن رؤية هذا بشكل واضح في شخصياتهم”.

وعما لفت انتباهها في المطاعم العربية ببريطانيا؛ فقد أكدت أنه قبل حوالي 10 سنوات كانت جميع المطاعم لبنانية والتي قدمت خدماتها بشكل مماثل؛ مضيفة: “في السنوات القليلة الماضية، تم افتتاح العديد من المطاعم تحت عنوان الطعام “الشرق أوسطي”، لكنها في الأساس كانت مطاعم إسرائيلية تقدم جميع الأطباق التي نعرفها ونحبها كأطباق فلسطينية؛ والآن يوجد فقط مطعمين فلسطينيين إضافة إلى مطعمي الذي يُدعى بمطبخ “بيتي”؛ وهذا هو السبب الذي جعلني أقوم بإعداد نوادي العشاء لتعريف أكبر عدد من الناس عن تاريخ طعام بلادنا العريق”.

وعبرت عن استيائها الشديد من المطاعم التي دأبت على تقديم الأطباق الفلسطينية على أنها إسرائيلية، بل وجعلتها مشهورة للغاية بعد أن نسبتها إليها؛ مبدية موقفها بوضوح: “أحاول على الدوام تبيان هذه الأكاذيب. المسخن- وهو طبق من الدجاج المتبّل مع البصل يضاف إليه زيت الزيتون والسمّاق، ويقدّم مع خبز الطابون ثم يزيّن باللوز والصنوبر-  وكذلك المقلوبة والصيادية والمنسف وغيرها، كلها أطباق فلسطينية الأصل”.

 

 

كل ما هو فلسطيني مدهش

لم تكن رحلتها في الدفاع عن الأطباق الفلسطينية سهلة؛ وهذا ما تقوله في ذلك: “كانت بدايتي المهنية رائعة وقد استمر ذلك لعدة سنوات؛ إلى أن بدأتُ بالكتابة عن فلسطين، أصبح الأمر أصعب بالنسبة لي؛ لم يرغب الصحفيون والناشرون في التجاوب ؛ لكن في نهاية المطاف عندما تذوقوا الطعام واستمتعوا بمذاقه أصغوا إليّ وتغير الأمر رويداً رويداً؛ ثم تم التصويت لكتابي كأفضل كتاب طهي من قبل واحدة من أكبر الصحف في المملكة المتحدة، وهي “الإندبندنت” وكذلك نيويورك تايمز؛ وهذا إنجاز حقيقي لأن فلسطين تعود أخيراً إلى الأخبار بصورة جيّدة”.

 

أحاول تبيان الأكاذيب الإسرائيلية.. المسخن والمقلوبة والمنسف هي أطباقنا

 

وتذكر أن جميع الأطباق في كتابها الأول “فلسطين على طبق”؛ وكذلك في كتابها المرتقب “بلدي”؛ تستند إلى ذكريات وقصص عايشتها جداتها وخالاتها وأمها وأخواتها؛ وكل شيء له صلة بالطعام؛ مضيفة: “من أطباقي الرئيسية التي تناولتها في كتبي ورق العنب “الدوالي” وفتة الدجاج والملوخية والقائمة لا حصر لها؛ حقيقة كل ما هو فلسطيني مدهش وله مكانة بالنسبة لي”.

ومن أبرز أطباقها التي تقدمها في مطبخها؛ فتة المقدوس وأيضاً الدجاج بالزعتر؛ وحسب قولها أنها تغير القائمة دورياً حتى لا يملّ الأشخاص الذين هم معتادون على تجربة أشياء جديدة؛ “هناك الكثير من الأطباق الفلسطينية اللذيذة التي على الناس تذوقها”؛ تقولها بمنتهى الثقة.

وفيما إذا كان الأجانب يتقبلون المطبخ الفلسطيني؛ من ناحية المعايير الصحية؛ فإن وجهة نظرها على النحو التالي: “ثقافة الطعام هنا في المملكة المتحدة ليست كما يعتقده الناس؛ إنها مُغامرِة جداً وتشمل العديد من الأساليب المختلفة، وهم لا يأكلون الوجبات غير الصحية والسريعة كالسابق؛ كما أن الطعام الفلسطيني الذي نطهوه في منزلنا أيضاً ليس ثقيلاً جداً؛ بطبيعة الحال هناك العديد من الأطباق الدسمة ولكن معظمها صحي ونباتي ومتنوع ومفيد وتشبه أغلب ما نأكله بشكل عام”.

 

 

إذا توقفنا سنختفي

إذا ما تساءلنا كيف تعمل شابة مثل جودي على حضور القيم الوطنية في عائلتها؛ فإن الجواب يأتي من داخلها بكل لطف: ” نتحدث عن فلسطين دائماً ونتحدث عن عائلتنا ومن أين أتوا؛ كما ساعدتني كتابة كتبي وكوني نشطة جدًا على الشبكات الاجتماعية على الاحتفاظ بوطنيتي؛ فيما يفتقد الكثير من الناس هذا في حياتهم؛ فلسطين مهمة جدا لذا نحافظ على هذه القيم حية من خلال الحديث باستمرار عن فلسطين وعظمتها؛ ليس فيما يخص الطعام فقط بل عن كل ما له علاقة بتاريخنا وثقافتنا”.

 

 

وتؤكد أن لديها من المهارات ما يكفي لتجاوز أي وضع حرج في الولائم؛ فهي تكون على أهبة الاستعداد دائماً؛ عبر الاستعانة بــ “الحيل اللازمة” – إن اقتضى الأمر- لتقديم المذاق المطلوب؛ فقد يحدث أن تنسى “ضيفتنا الأولى” وضع “المؤقت” على قِدر ما لأنها تطبخ عشرة أشياء في نفس الوقت ثم تشم رائحة الاحتراق.

وحول تفاعل الزبائن مع هوية أطباقها؛ تبين: “يستكشف الناس برفقتي أطباقًا جديدة طوال الوقت، ويرجع ذلك إلى أنه قبل حوالي عشر سنوات، كان الطعام العربي هنا في لندن لبنانياً؛ وعندما جربوه بأسلوب فلسطيني وجدوه أكثر أصالة؛ لا سيما أن طعامي مطهو على طريقة الطبخ المنزلي دون اتباع أسلوب المطعم ويمكن دائما ملاحظة الفرق”.

 

صحيفة “الإندبندنت” صوّتت لكتابي كأفضل كتاب طهي

 

وتفضل في المناسبات أن تطهو الدجاج المحشي أو اللحم المحشي بالأرز؛ وبعض أنواع “الفتة”؛ فيما تكون احتفالات العيد في عائلتها حافلة بالعديد من الأطباق اللذيذة؛ إذ تنفتح الخيارات على الحلوى مثل القطايف والكنافة؛ ملفتة إلى أنها يمكنها العثور على ما تشاء من مكونات في المملكة المتحدة في ظل توفر الكثير من المتاجر التي تستورد من جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وتعترف بفضل والدتها؛ بامتنان بالغ: “أمي تحب الطبخ وعلّمتني إياه، أمي هي أفضل طباخ أعرفه؛ لكن مذاق طعامها لا يشبه طعامي أبداً؛ لكل شخص لمسته الفريدة في  الطبخ؛ هي لا تقيّم طعامي ولكن تطمئنني إن كان مذاقه على ما يرام؛ إننا جميعاً نقوم بطهي الأشياء بطريقة مماثلة عند حد معين ثم نضيف لمستنا الخاصة في صنع الأشياء؛ لكن أمي ألهمتني أن أكون صادقة؛ وبشكلٍ عام أشعر بالامتنان تجاه كل شخص صاغ أسلوب طهي وعلّمني ما أعرفه الآن؛ الأمر لا يتعلق فقط بالطعام بل بالتاريخ”.

وعبرت عن فخرها بكل من يمنح فلسطين مكانة في أسلوبه الخاص وطبخه مثل الشيف الفلسطينية راوية بشارة؛ مؤكدة أن الكتب التي نُشرت حتى الآن لتدافع عن فلسطين وتاريخها الطهوي؛ تعد قليلة.

(كيف استقبل القارىء كتابكِ؟)؛ تضحك بمرح ورضا ثم تقول: “تلقّى كتابي الكثير من الدفء والحب من الأشخاص الذين اشتروه؛ لقد كان حقاً بمثابة حلم أن نرى هذا الدعم الكبير وأن نقرأ رسائل الأشخاص الذين لا يعرفون كيفية طهي الأطباق التي تعود لزمن أمهاتهم؛ عليّ القول أن هذا هو أكبر إنجاز لي حتى اللحظة، أن أشارك مع الجميع طعام أمي اللذيذ وعائلتها وعائلة والدي أيضاً؛ كلنا مرتبطون بهذا الكتاب وكذلك الأمر بالنسبة للأشخاص الذين اشتروه”.

 

قطع اللحم الصغيرة

 

وتتابع الحديث في السياق نفسه بمشاعر الوفاء: “آمل حقا أن ننصر ثقافتنا الجميلة؛ آمل أن نجعل الطعام الفلسطيني عنصراً أساسياً في بيوت الناس في جميع أنحاء العالم يداً بيد مع جميع الطهاة الآخرين الرائعين الذين يفعلون الشيء نفسه؛ هذا هو طموحي وهدفي؛ الحفاظ على فلسطين حية عند الجميع كما هو الحال عند عائلاتنا”.

وترى أن السبيل الأنجع لمحاربة السرقات الإسرائيلية بمواصلة الحديث عن ذلك؛ قائلة: “إذا توقفنا سنختفي؛ أكلاتنا هي الشيء الوحيد المتبقي لنا؛ ومن الواضح أننا لن نتوقف في أي وقت قريب؛ أظن أنه من الجيد دائماً الحديث بطرق سلمية عمن نحن ومن أين أتينا؛ لا يستطيع أحد نزع هذا الحق من أيدينا أبداً”.

وتستمر جودي في طريقها بذات النَفس؛ فقد انتهت مؤخراً من تأليف كتابها الثاني “بلدي” الذي سيصدر في أكتوبر / تشرين الأول القادم، وتبدو سعيدة بالمولود المرتقب؛ وتعبر عن ذلك بقولها: “لا يمكنني الانتظار حتى يراه الجميع. إنه كتاب جميل؛ وبطبيعة الحال تتطور مهاراتي المطبخية باستمرار لأنني أحاول عمل أشياء جديدة، وفي كل يوم أستيقظ بمزاج من يريد فعل شيء ليومه الجديد؛ أتطلع أن أصبح في احتراف أنتوني بوردان ، ونيجيلا لوسون”.

ولا يمكن أن تُرى جودي بدون “قلادة” أهدتها أمها إياها والتي تأخذ شكل “خريطة فلسطين”؛ كما تعشق الثوب المطرز الذي جلبه والدها من فلسطين لترتديه في المناسبات الخاصة.

 

لا أجرؤ على التغيير

وبالانتقال إلى تجربة لا تقل متعة عن سابقتها؛ وهذه المرة من إيطاليا؛ حيث كانت فداء أبو حمدية صاحبة السبق في إصدار أول كتاب عن المطبخ الفلسطيني باللغة الإيطالية قبل عامين؛ والذي حمل عنوان “بوب فلسطين” ولاقى رواجا كبيرا ليغدو دليلاً دامغا على السرقات الإسرائيلية للأطباق الفلسطينية.

وسبق وأن شاركت “ضيفتنا الثانية” في مهرجان مدينة بولونيا الإيطالية لتعليم الطبخ الفلسطيني، وكذلك في مهرجان «الثقافة حرية» في مدينة تورينو.

هي ابنة الخليل التي قاتلت بكل شجاعة حين اتخذت قراراً بشد الرحال إلى إحدى الجامعات الإيطالية لدراسة الطهي؛ وذاع صيتها بعد أن كتبت بلغة البلد الجديد عن الطعام الفلسطيني ليس من ناحية طريقة إعداده فقط، بل تناولت مناطق طبخه ومناسباته وقصة كل وصفة وتاريخها.

 

 

تتكلم بنبرة مليئة بالفرح؛ مع “مراسلة ميم” : “منذ صغري كانت علاقتي حميمة مع المطبخ؛ كنت أحب أن أدخله وأجرب وأطلع على كتب الطبخ؛ اعتقد أنها موهبة تولد مع الإنسان تماماً كشخص ذو صوت موسيقي”.

ملهمتها الأولى أيضاً هي الأم؛ تتحدث عن ذلك بحماس: “أمي مقدسية الأصل؛ والطبخ معها أمر ممتع؛ وعادة عندما أزورها أحب أن أطهو الأطباق التي لا أطهوها في بيتي مثل الشيش برك؛ والمِشاط (العجة) وورق العنب؛ و أقراص السبانخ التي آكلها بــ نهم من يديها”.

(ترى لماذا اخترتِ دراسة الطهي يا فداء؟)؛ أما الجواب فيقف على طرف لسانها: “رغبت في مزج المعرفة التي اكتسبتها من بيئتي مع العلم؛ حتى أطورها إلى أقصى حد؛ لأن المكونات حين نضيفها إلى بعضها تنتج “الكيمياء” المطلوبة؛ ومن ثم دمجت العلم والمعرفة مع الثقافة الفلسطينية والإيطالية”.

 

 

وتتحدث عن القرار الصعب بقلب يعيش حياة الانطلاق: “درست في الخارج لأن التخصص الذي أردته لم يتوفر حينها في فلسطين؛ كنت أتوق للتجربة؛ كيف لا والطعام الإيطالي يُسيل اللعاب؛ شدتني ثقافة الطعام لديهم؛ وكان اختياري صائبا بفضل الله؛ لقد تعلمت منهم أن أرى الطعام ليس مجرد غذاء بل ثقافة بحد ذاتها”.

وتشير إلى أن المطاعم العربية في إيطاليا قليلة؛ أما المطاعم التي يملكها فلسطينيون تقدم أكلات سريعة مثل الفلافل والشاورما؛ وفي سؤالها عن المطاعم الغربية التي تقدم أطعمة فلسطينية على أنها إسرائيلية؛ قالت : “قد لا تعرف هذه المطاعم أصلا أنه طعام فلسطيني وتقدمه على أساس أنه إسرائيلي؛ أي أن الأمر قد لا يعدو عن جهل؛ وقد يقترح “مطور وصفات” بعض الأطباق؛ فيما المسؤول لا يجري بحثاً أو يتحقق من الأمر؛ أتذكر أصدقاء تمت نصيحتهم ذات مرة بأن يذهبوا إلى مطعم إسرائيلي وإذ بجميع الأطباق فلسطينية؛ وهكذا ببساطة تُسرق الهوية الحقيقية”.

 

 يُطّبق “الطِليان” الوصفات الواردة في كتابي.. وبعضهم زار فلسطين بعد قراءته

 

واجهت فداء صعوبات جمة في هذه التجربة؛ موضحة: ” باللهجة الدارجة “النق” من المجتمع هو أكبر صعوبة؛ حين تأتي الأصوات المعارضة لتقول أن هذا المجال ينحصر على الرجال؛ وهو في غاية السوء؛ لم يعارض أهلي قراري الذي اتخذته قبل 13 عام؛ لكن كان يتوجب علي أن أقاتل كي أثبت نفسي؛ نعم كان صعباً لكني استطعت الصمود”.

وتبتسم ساخرة من طريقة التفكير آنذاك: “كانوا يرددون علي: “ستتزوجين في النهاية وتطبخين فما الجديد!”؛ هم لم يأخذوا الطعام على محمل الجد كونه ثقافة وهوية أكثر من مجرد طبخ؛ وفي حالتنا على وجه الخصوص هو جزء مهم من ثقافتنا الفلسطينية”.

 

في جلسة مع الإيطاليين وفداء

 

وحسب تجربتها؛ فإن المطبخين الفلسطيني والإيطالي يصلحا لأن يكونا صديقين؛ موضحة: “نحن دول البحر المتوسط تقريبا لدينا نفس المكونات؛ لكن طرق الطهي تختلف بيننا؛ علماً أن “الطِليان”-الإيطاليين-  يطيب لهم الطعام الفلسطيني لأنه يلبي ذوقهم”.

وتعزي سبب نجاح كتابها “الفاتن” للبطون: “لأن الطعام ليس زيت وقلي وشيّ؛ إنما يعكس ثقافة الشعوب؛ لقد وجد كتابي صدى مع أنه نُشر فقط باللغة الإيطالية؛ قبل أيام كان لدي لقاء؛ ولم يجد البعض مقاعد فارغة؛ فقد توافد الناس من أماكن عدة؛ وبيِعت جميع النسخ؛ كم أفرح حين يرسل لي البعض صوراً لما طبقوه من وصفات أخذوها من كتابي؛ يسعدني أن تخبرني إحداهن بنجاح وليمة أعدّتها وفقاً لوصفة من عندي؛ ومن المثير أن ايطاليين زاروا فلسطين بعد أن قرأوا كتابي”.

وتحرص فداء على تقديم الطعام الشعبي – كما هو للإيطاليين – من أجل تعريفهم به؛ بل أنها لا تجرؤ على أن تغير في شكله؛ محاولة قدر الإمكان مراعاة المعايير الصحية.

 

 

عائلات “في المهجر” هجرت

ومما يُبهج أجواء كتابها أن فداء تتناول الذكريات العائلية الجميلة مثل طبق “البيض والبطاطا”؛ فتذكر حين كانت أختها توقظ أختهم الثالثة: (يلا قوموا عملت لكم بيض وبطاطا)؛ وثمة أطباق لها ذكريات تتعلق بمناسبات سعيدة مثل الأعياد حين تتشارك مع أخواتها في إعداد الكعك والمعمول .

وقد خاضت تجربة رائعة حين التحقت بالعمل في مطعم “ثلاث نجوم” ميشلان؛ فهي لم تتعلم فقط الوصفات وإنما إدارة الوقت؛ وطهي الأطباق الشعبية بطريقة عصرية؛ مُبادرة إلى تنظيم عشاء خيري لأعداد كبيرة بين حين وآخر؛ يعرف المدعوّن إليه أنه يشتمل على الطعام الفلسطيني.

وتعثر الشيف فداء على زيت الزيتون في المطبخ الإيطالي؛ لكنها في المقابل تضطر إلى جلب السماق والزعتر من فلسطين؛ مضيفة: “أغلب المكونات أجدها بسهولة في إيطاليا مثل الطحينة والمفتول والتمر؛ بعد أن انتشرت صحوة التعريف بالمطبخ الفلسطيني في ظل إصدار كتب تخدم ثقافتنا الغذائية وتؤكد على هوية الأطباق، ناهيك عن سير رحلات كثيرة إلى فلسطين يتعلم السياح خلالها الطهي ثم يعودوا مُحملّين بالبهارات؛ يا له من أمر جميل”.

 

لدينا ارتباط عاطفي وثقافي مع الطعام وهذا ما لا يستوعبه آخرون

 

ولعله من الطريف أن يشكر المرء نفسه؛ كما تفعل هذه الطاهية : “أقرّ أنه وقف كثير من الناس إلى جانبي؛ لكني ممتنة إلى نفسي فيما وصلت إليه؛ لأني استطعت بمفردي إكمال الطريق متجاوزة كل الصعوبات التي واجهتني”.

وتشيد بالنصوص الأدبية الزاخرة بالطعام الفلسطيني؛ والتي كتبها أدباء من المهجر؛ تقول: “أتذكر أن القاصّة “ليانة بدر” كتبت بشكل مضحك؛ حين أخبرت البطلة إبنة أخيها أن الفلسطينيين يحشون كل نوع خضار مع الأرز واللحمة”.

 

 

وعلى صعيد آخر؛ تبدي فداء أسفها إزاء العديد من العائلات الفلسطينية في أوروبا ممن فقدت هويتها المتصلة بالطعام؛ موضحة مقصدها: “خلال دراستي قدمت أطروحة عنوانها “المطبخ الفلسطيني بين الأرض الأم والمهجر”؛ واتضح أن ثمة عزوف عن طهي طعامنا؛ قد يكون أحد أسبابه البعد والجفاء أو  ضيق الوقت والانشغال؛ أو قد يكونوا هؤلاء خرجوا من البلاد دون أن يتعلموا أكلاتنا؛ لا ضير من أن نتأقلم مع الثقافة الجديدة لكن يجب ألا ننسى جذورنا لا سيما ثقافة الطعام؛ أما في أمريكا فقد لاحظت أن الكثير من العائلات ما زالت تتمسك بأطباقنا”.

ومن واقع احتكاكها بالسجالات التي تدور في هذا الجانب؛ فإن بعضٌ يستخف بهذا الصراع القائم في مسألة كهذه؛ وحال لسانه: “أيعقل أن تتشاجروا على صحن فلافل أو حمص أو مجدرة؟؛ إنهم لا يشعرون بما نشعر به؛ نحن لدينا ارتباط عاطفي وثقافي مع الأرض – مصدر طعامنا-“.

وتبدي حزنها نحو تجاهل متوقع من الغرب؛ “كيف لا و”الأمم المتحدة” اعترفت بــ (إسرائيل) التي سرقت فلسطين؛ لم يتركوا أرضاً ولا ماءًا ولا هواءا وحاصرونا من كل حدب وصوب؛ بالعامية “ما حدا سائل فينا”؛ كلمات تفوهّتها بمرارة.

وفي ختام حديثها تنادي بضرورة مواجهة السرقات الإسرائيلية للأطباق الفلسطينية عبر خطة وطنية مدروسة تُرصد لها ميزانية مُحترمة؛ حتى لو تطلبت هذه المواجهة قراراً سياسياً؛ حسب رأيها؛ مضيفة: “حراكنا يجب أن يكون بمستوى حراكهم؛ هم لا يدخرون جهداً في الترويج لدعاية مُضللة؛ سواء في افتتاح الفنادق أو بنشر الصور على أغلفة كبريات المجلات؛ باختصار هم يعملون على كل الأصعدة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد