دين وحياة

سمرقند المدينة الزرقاء.. حين تعانق الأرض السماء

 

سمرقند، المدينة الزرقاء ذات الأبواب الضخمة والقصور الرائعة والقباب الفيروزية والآلاف من البلاط الأزرق الذي يزين ساحاتها، والتي جعل منها ليست مجرد مدينة “طبيعية”، بل كنز إسلامي يمزج بين سحر الشرق وعبق التاريخ.

 

وقد اختلف المؤرخون في أصل ومعنى تسمية “سمرقند”، فذهب البعض إلى أنها “مدينة الحجر”، فيما فسر آخرون معنى الاسم ب”قلعة الأرض”.

وتعتبر واحدة من أقدم المدن في العالم، علاوة على أنها ثاني أكبر مدينة في بلاد أوزبكستان، الواقعة في آسيا الوسطى، ويعود ظهورها إلى القرن ال5 قبل الميلاد، وكانت تسمى ب”أفراسياب”، وهو اسم لملك من ملوك عاصمة الدولة القوية “سوغديانا”، الحضارة القديمة وأهم مقاطعة في الإمبراطورية الفارسية الأولى، وقد كانت محاطة بسلاسل الجبال والصحاري والسهوب، وهي منطقة غنية جدًا وخصبة بفضل الري.

كما اشتهرت عند الإغريق باسم “قراقندا”، بعد أن تم غزوها على يد  الإسكندر الأكبر، سنة 329 قبل الميلاد، وقال عنها:”كل ما سمعته عن جمال هذه المدينة هو صحيح، بل هو أكثر جمالا في الواقع”.

وذاع صيتها ب”سمرقند”، بعد أن فتحها المسلمون في العام 92 هجرية على يد قتيبة بن مسلم الباهلي، لتتحول إلى مدينة من أجمل المدن التي عرفها التاريخ، بعد أن أصبحت مركزًا هامًا للحضارة الإسلامية، التي تجلت خاصة في فنون العمارة والزخرفة والخط.

وقد تحدث عنها الرحالة “إبن بطوطة”، الذي زارها سنة 1330، واصفا “إنها من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً، مبنية على شاطئ وادٍ يعرف بوادي القصَّارين، وكانت تضم قصورًا عظيمة، وعمارة تُنْبئ عن هِمَم أهلها.”

 

أهم مركز تجاري

كانت التجارة الدولية مهمة جدا في سمرقند، حيث نمت كأهم مركز تجاري في آسيا الوسطى، وذلك نظرا لموقعها على طريق الحرير، حيث أصبحت سمرقند واحدة من أكثر المدن ازدهارًا في آسيا الوسطى، وخلال عصر الأمويين، ازدهرت كمركز تجاري على الطريق بين بغداد والصين، في عهد العباسيين، أصبحت عاصمة آسيا الوسطى وتطورت لتصبح مركزًا هامًا للحضارة الإسلامية.

 

غير أن هذه الحضارة العريقة، مافتئت أن اصطدمت بغزو المغول، الذين عملوا منذ البداية على تدمير معظم العمائر الإسلامية.

 

بازار سمرقند وأنواع الباعة به. ساحة السوق الواقعة بين ثلاث مدارس

 

سمرقند التيمورية

وبعد فترة الظلام التي عاشتها سمرقند في عهد المغول، عادت المدينة مجددا إلى الانتعاش في القرن الرابع عشر، وذلك عند وصول “تيمورلنك” إلى الحكم، والذي أصبح مؤسساً وحاكماً للإمبراطورية التيمورية الجديدة، التي اتخذ من “سمرقند “عاصمة لها، وذلك على مدى 150 عامًا من 617هـ /1220م، إلى عام 772 هـ/ 1370 م.

وخلال فترة حكمه قام “تيمورلنك”، عرفت المدينة نهضة عمرانية كبيرة، حيث قام بتجديد المدينة ودعا أمهر الصناع و المعماريين والنحاتين والرسامين والخطاطين وعلماء الرياضيات لتوسيع سمرقند وإعادتها لمكانتها السابقة. كما اهتم “تيمورلنك”، بحماية المدينة، فأمر ببناء سور عظيم، حولها،  يبلغ طوله 7 كيلومترات وله 6 أبواب.

 

 

وغرب المدينة، بنى قلعة ضخمة، التي ضمت القصر الأزرق”كوك ساراي” الذي كان مقرا لتيمورلنك، وحفر حولها قنوات المياه العميقة وأقام سلسلة من الحدائق، عُبّدت أرضها من الحجارة الملونة، المطلية بخشب الأبنوس والعاج، وجدرانها مزينة بخزف من قاشان، والتي طغى عليها اللون الأزرق، الذي قيل أنه اللون المفضل ل”تيمورلنك”.

أنشئت في عصره، أيضا المساجد، التي حول بعضها إلى متحف لتاريخ الفن والحضارة في أوزبكستان، من أبرزها “المسجد الجامع”، ويطلق عليه مسجد “بيبي هانم”، زوجة تيمورلنك الكبرى، والذي بني في بداية القرن ال14.

 

مسجد بيبي هانم

 

كما اشتهرت مدينة سمرقند، في ذلك الزمن، بالأضرحة، التي تمثل سمة مميزة للمدينة، من أبرزها، ضريح الإمام البخاري، الذي يقع عند مشارف قرية “باي أريق” حيث دفن هناك بعد وفاته في القرن ال3ه/ال9 م، وذلك بعد هجرته من بخارى، ودفن إلى جواره عدد من علماء بخارى.

 

ضريح الإمام البخاري

 

بالإضافة الى ضريح الإمام بخاري، يوجد أيضا قبر “تيمورلنك”، الذي يتميز بقبته الباهرة التي تعلو الضريح، وهي قبة فيروزية مضلعة ومكسوة بكم هائل من زخارف الفسيفساء، ويسمى هذا الضريح باسم “كور أمير”، أو مدفن خلفاء الأمير تيمور.

والضريح ملحق بمسجد، ومبان عديدة تطل على مئذنة من كل ركن فيها، كما يتميز البناء بوجود حجر المرمر الرمادي السداسي الشكل وهو حجر العرش الذي لا يزال يطلق عليه الاسم التقليدي له “كوك طاش”.

بالإضافة إلى مجموعة من الأضرحة التي دفنت فيها نساء عظيمات عرفتهن سمرقند، منها ضريح “طوغلوتكين”، وضريح “أمير زاده”، و ضريح الأميرة شيوين بيكه آقا، شقيقة تيمورلنك، كما يوجد ضريح آخر لشقيقة أخرى لتيمورلنك هي الأميرة تركان آقا.

 

ضريح “تيمورلنك”

 

كما أنشئت في عهده أيضا، الأسواق والمدارس والمنشآت الإسلامية، فضلا على الساحات، التي تعد من أشهرها “ساحة ريجستان” ، والتي تعني “مكان رملي”، وهي ساحة عامة ضخمة تحيط بها ثلاثة جوانب من قبل المجمعات الدينية للمساجد، والخانات والمدارس الدينية.  أُعيد بناء ساحة ريجستان عدة مرات بين 1370 و1500 من قِبل التيموريين .

 

ساحة ريجستان

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد