مجتمعغير مصنف

  اليسار الراديكالي بتونس: هل تكفي ثورية الخطاب؟

فشلت جماعات اليسار ذات النبرة الثورية العالية في التعامل مع واقع التحولات السياسية المتسارعة في تونس ومراجعة نمط أدائها السياسي والاكتفاء بتخوين مخالفيها وتحميلهم مسؤولية كل المشاكل التي تعيشها البلاد

ظل اليسار الراديكالي، وككل جماعات أقصى اليسار المفعمة بالشعارات الثورية على هامش الفعل السياسي وإذا كانت سنوات السرية والتخفي ما قبل الثورة قد انقضت إلا أن وضع الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه تونس قد دفع هذه المجموعات الراديكالية الى محاولة إعادة التموقع في المشهد السياسي العام.

 

وإذا كانت بعض القوى التي كانت توصف بالثورية والراديكالية قبل الثورة قد اتخذت مواقع سياسية تتماشى مع حالة العلنية وشروط التحول الى أحزاب سياسية برلمانية تخوض الانتخابات وتسعى نحو  المشاركة في السلطة على النحو الذي مضت فيه بعض مكونات الجبهة الشعبية (مثل حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد)، فإن باقي المجموعات الثورية ظلت على حالها من حيث السقف العالي للمطالب والمبالغة في تغليب منطق الإيديولوجيا على منطق الممارسة الواقعية للعمل السياسي.

لقد كانت قوى اليسار الراديكالي في مجملها قبل الثورة تشترك في توصيفاتها المتعلقة بالنظام الاستبدادي الرجعي العميل المنتظم ضمن المنظومة الامبريالية الدولية وترفع شعار الثورة الشعبية للإطاحة بالنظام لإقامة دولة الاشتراكية وحقوق العمال فإن لحظة التحول ومنذ فرار الرئيس المخلوع بن علي قد أفضت الى جملة من الخلافات بين هذه القوى المتنوعة أدت الى اشتباكات بينها على المستوى النظري الإيديولوجي وعلى مستوى الممارسة السياسية الواقعية على الأرض.

فقد اختار حزب العمال الشيوعي التونسي خوض الانتخابات في مواعيدها المختلفة بداية من انتخابات أكتوبر/ تشرين أول 2011 وليقوم بعدها بتعديل برامجه القديمة والتخلي عن لفظة شيوعي التي ارتبطت باسمه منذ التأسيس سنة 1986 وهو ذات المنحى الذي جنح إليه حزب الوطنيين الديمقراطيين (وهو احد فصائل التيار الوطني الديمقراطي) الذي اختار العمل السياسي العلني والدخول في اللعبة السياسية من بابها الانتخابي، وهي مواقف ظلت تحكم هذه القوى وصولا الى لحظة تأسيسها للجبهة الشعبية (2012) رفقة مكونات حزبية يسارية وقومية أخرى لتمثل العنوان الذي خاضت من خلاله انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية وصولا الى الانتخابات البلدية 2018.

 

كانت انتقادات الأحزاب الراديكالية لتجربة بعض قوى اليسار المنضوية ضمن الجبهة الشعبية ترتكز على أسس أبرزها انخراط الجبهة في لعبة سياسية مشبوهة من خلال تحالفها سياسيا مع بقايا النظام السابق (كان هذا قبل انتخابات 2014)

 

وقد كان واضحا أن هذه الخيارات لم تكن لتروق لباقي فرقاء اليسار الراديكالي ممن اعتبر أن الجبهة اتخذت خطوات حادت بها عن المسار الثوري والخيارات السياسية التي ينبغي أن تحكم أحزابا تتبنى الماركسية اللينينية نظرية.

وكانت بوادر الخلاف قد بدأت مع إعلان الحزب الوطني الاشتراكي الثوري (المعروف اختصارا بالوطد الثوري) عن رفضه للخط العام للجبهة ولبعض مواقفها السياسية التي تندرج حسب توصيفه في إطار الانتهازية والتراجع عن الخط الثوري.

وقد انتهى الحزب الى إعلان انسحابه من الجبهة خاصة بعد اللقاء الذي جمع حمة الهمامي وبعض قيادات الجبهة الشعبية مع السفير الأمريكي في تونس ومن قبلها مع الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولند أثناء زيارته لتونس وليعلن في بيان بعنوان “بين هولند و أوباما تقبر التجربة الوطنية للجبهة الشعبية “أن الجبهة قد تخلت عن ثوابتها جميعا سواء بتحالفها مع ” الرجعية” وبقايا الاستبداد التي يمثلها نداء تونس أو من خلال تعامله مع الامبريالية

فلم تعد الجبهة تلك القوة الصاعدة في مواجهة الاستقطاب الثنائي الرجعي المغشوش المعادي للشعب بين النهضة والنداء بل أصبحت جزءا من ذلك الاستقطاب لما وضع عدد من قادتها يدهم في يد نداء تونس في إطار تحالف سياسي مغلف بتقاطعات ميدانية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه الى استقبال قادة الجبهة لسفير الولايات المتحدة الأمريكية عدوة الشعوب قصد التباحث معه حول مصير تونس..

وقد أثارت الانتقادات اللاذعة التي وجهها الحزب الوطني الاشتراكي الثوري صراعات إيديولوجية واسعة ونقاشات حادة على خلفية التراث الماركسي الذي تنطلق منه هذه الأطراف المختلفة خاصة لدى حزب العمال الذي يستأثر فعليا بالقرار في أوساط الجبهة الشعبية.

 

فشلت جماعات اليسار ذات النبرة الثورية العالية في التعامل مع واقع التحولات السياسية المتسارعة في تونس ومراجعة نمط أدائها السياسي والاكتفاء بتخوين مخالفيها وتحميلهم مسؤولية كل المشاكل التي تعيشها البلاد دون التقدم نحو بناء بدائل واقعية قابلة للتحقق والتطبيق

 

وفي خطوة مماثلة انسحب فصيل راديكالي آخر كان ممن ساهموا في تأسيس الجبهة الشعبية ونعني به ” حزب النضال التقدمي” وهو حزب ماركسي لينيني وكانت منطلقاته إيديولوجية.

حيث أعلن في بيان المغادرة رفضه لخيارات قيادات الجبهة الذين “يقبلون بالانخراط في جبهة معادية يقودها حزب هو الوريث الحقيقي للقطب الليبرالي “الحداثوي” كما وصفوه ذات يوم”، بل و يضعون ثقتهم في واحد من أكبر أساطين نظام حزب الدستور في عهديه ويتركون له مهمة التفاوض باسمهم والحديث نيابة عنهم.”..

لقد كانت انتقادات الأحزاب الراديكالية لتجربة بعض قوى اليسار المنضوية ضمن الجبهة الشعبية ترتكز على أسس أبرزها انخراط الجبهة في لعبة سياسية مشبوهة من خلال تحالفها سياسيا مع بقايا النظام السابق (كان هذا قبل انتخابات 2014) ولتخليها ثانيا عن الأهداف المركزية للنضال الثوري ونعني بها دفع انتفاضة الشعب نحو إرساء سلطة الديمقراطية الشعبية والإطاحة بالنظام في بنيته القائمة على الرأسمالية المتوحشة الموالية للامبريالية الغربية.

 

 

وبالإضافة لانتقادها للشق اليساري الأخر كان موقف القوى اليسارية الراديكالية حاسما ممن تسميها “بالرجعية الدينية” (تعني بها حركة النهضة) التي تحاول الالتفاف على مكاسب الشعب التونسي وإفشال ثورته. فقوى اليسار الراديكالي هي في حالة صراع واسع مع مختلف القوى السياسية في تونس تقريبا وهي تصنفها جميعا في خانة “الوكلاء المحليين” للاستعمار.

وفي إطار إعادة ترتيب صفوفها بادرت خمس مجموعات راديكالية (وهي منظمة العمل الشيوعي – الجبهة الشعبية الوحدوية ـ حزب الكادحين الوطني الديمقراطي ـ حزب النضال التقدمي ـ القوة العمالية لانتصار الشعب) الى الإعلان عن تشكيل “الجبهة الثورية”.

وأصدرت أرضية سياسية بتاريخ 29 مايو 2015 كان من أهم ما ورد فيها أن الجبهة “هي إطار سياسي ملتزم بمواصلة المقاومة الشعبية في أبعادها الثورية من أجل إرساء سلطة الديمقراطية الشعبية في إطار تجذير مسار الانتفاضة لتحقيق الشعار الرئيسي الذي رفعته الجماهير: “الشعب يريد إسقاط النظام“.

وهي تعلن رفضها لمخرجات الانتخابات التونسية بوصفها “انتخابات شكلية ووسيلة للرجعيّة للالتفاف على المسار الثّوري، وهي لا تعبّر عن إرادة الشعب لخضوعها للمال السياسي والإعلام الفاسد ولما اتسمت به من خلط بين الدين والسياسة وتزوير للتزكيات وتدخل المراكز الرجعية العربية والعالمية ومقاطعة اغلب الناخبين لها“.

 

تعاني قوى اليسار الراديكالي (وهو أمر يميز اليسار التونسي بمجمله) من حالة من الصراع الحاد بين التنظيمات الثورية المختلفة وهو أمر تجلى في عدم انضمام عدد من الفصائل لمشروع الجبهة الجديدة المفترضة

 

ورغم أن هذه الخطوة تبدو محاولة جادة لتوحيد السلوك السياسي للقوى الراديكالية اليسارية إلا أنها افتقرت للجدوى السياسية واقعيا وذلك لجملة من العوامل الأساسية أهمها: غلبة الأدلجة المفرطة على خطاب هذه القوى واكتفائها بالتنظير السياسي دون قدرة على الوصول الى القواعد الشعبية الواسعة وهو ما يفسر حالة العزلة الجماهيرية الواضحة التي تتجسد في ضعف ملتقياتها الحزبية وفشل تحركاتها في اجتذاب المواطنين وهو ما يفسّر اختفاء هذه الجبهة وغيابها التام عن المشهد السياسي حاليا.

من ناحية أخرى تعاني قوى اليسار الراديكالي (وهو أمر يميز اليسار التونسي بمجمله) من حالة من الصراع الحاد بين التنظيمات الثورية المختلفة وهو أمر تجلى في عدم انضمام عدد من الفصائل لمشروع الجبهة الجديدة المفترضة، كما أثرت حالة التشظي الواسع والانقسامات المتتالية على قدرة هذه التنظيمات على التوحد (الى الحد الذي نجد معه أن التيار الوطني الديمقراطي تجسده خمس جماعات صغيرة هي بمجملها قيادات لا قواعد لها).

كما فشلت جماعات اليسار ذات النبرة الثورية العالية في التعامل مع واقع التحولات السياسية المتسارعة في تونس ومراجعة نمط أدائها السياسي والاكتفاء بتخوين مخالفيها وتحميلهم مسؤولية كل المشاكل التي تعيشها البلاد دون التقدم نحو بناء بدائل واقعية قابلة للتحقق والتطبيق.

وربما ما زاد من عزلة هذه المجموعات هو ما تعانيه من تغييب إعلامي مقصود لا يمكن إنكاره في ظل هيمنة أصحاب المال على المشهد الإعلامي برمته، غير أن هذا العامل لا يكفي وحده لتفسير حالة انكفائها الداخلي بل أن عجزها عن التفاعل مع مشاغل المواطن وتقديم خطاب مقنع له، بعيدا عن الشعارات والدعوة الى الثورة بصورتها المنفصلة عن الواقع جعلها تبقى على هامش التأثير السياسي في واقع تونسي شديد التغير.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد