اختيار المحررينثقافةغير مصنف

الغناء الشاوي: موروث فنّي عريق

مهدي الغانمي-مجلة ميم

 

يُعتَبر الغناء الشاوي من أقدم أشكال الغناء في الجزائر وشمال إفريقيا، فهو سليل التراث الغنائي البربري في منطقة جبال الأوراس من سلسلة جبال الأطلس، وهي المنطقة الّتي تمترس فيها البربر منذ القِدم في وجه الهيمنة القرطاجيّة والرومانيّة، وصولًا إلى الاستعمار الفرنسي. في هذه المنطقة الوعرة، تعتّق هذا النمط الموسيقي، وحافظ على خصوصيّته لآلاف السنين.

 

ويعتمد أداء لأغنية الشاويّة على صوت الإنسان بالأساس، وعلى آلة نفخ مثل “القصبة” أو “الزرنة” بالإضافة إلى آلة إيقاعيّة وهي “البندير”.

في النصف الأوّل من القرن العشرين، ظهر الرعيل الأوّل الّذي حفظ ذاكرة الغناء الشاوي وطوّره، مثل عيسى الجرموني وعلي خنشلة والحاج بو رقعة، الّذين كانوا يحيون حفلات العائلات الأمازيغيّة الّتي تقطن جبال الأوراس وأعراسهم، ويتغنّون بمواضيع الحياة اليوميّة لهذه القبائل وبقيم الفروسيّة ومقاومة الاستعمار الفرنسي، ولعبوا دورًا مهمًّا قبل الثورة التحريريّة وأثناءها، من خلال التغنّي بالمجاهدين ووصف معاركهم وبطولاتهم. ولذلك، فإنّ الأغنية الشاويّة كانت وما تزال مصدر فخرٍ بالنسبة إلى كلّ الجزائريّين عمومًا وسكّان منطقة الأوراس خاصّة.

وفي مرحلة ثانية، ساهموا في نشر هذا الغناء والتعريف به في مختلف أنحاء المغرب العربي وفي فرنسا، ولعلّ أبرز من عرّف بالأغنية الشاويّة من هذا الجيل هو الفنّان علي الجرموني الّذي سجّل أوّل اسطوانة له في عام 1933 بتونس، وكان أوّل إفريقيٍّ يعتلي مسرح الأولمبيا في عام 1937.

 

 

ورغم بروز هؤلاء الروّاد الكبار، إلّا أنّ هذا الأمر لا يعكس ترعرع فرع كبير من الغناء الشاوي في وسطٍ نسويٍّ محض، فقد كان الغناء رفيق النسوة في “الحوش” حين يذهب الرجال للعمل فيصدحن بأصواتهنّ حين يجتمعن في حلقات الشاي وأثناء قضاء شؤونهنّ المنزليّة أو حرفهنّ اليدويّة كصنع الأواني الخزفيّة والنسيج، كما كان يغنّون لهدهدة الأطفال، وهكذا ورّثوا أبناءهم هذه الأغاني الضاربة في القِدم.

ولم يبقَ أداء الأغاني الشاويّة عند النسوة منحصرًا بين جدران منازلهنّ، فقد ظهرت فئة مميّزة منهنّ أطلِق عليهنّ لقب العذراوات، كنّ يتنقّلن بين القرى للغناء في الحفلات والأعراس دون مقابل، ولعلّ أشهرهنّ مغنّية قديرة تنتمي للرعيل المؤسّس للأغنية الشاويّة وهي الفنّانة بقّار حدّة. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت فنّانات أخريات تخصّصن في الغناء الشاوي مثل الفنّانة تلجة والفنّانة زليخة.

 

الفنّانة حوريّة عايشي وعولمة الأغنية الشاويّة:

من هذا الموروث الفنّي ظهرت فنّانة قديرة، وهي المطربة الجزائريّة حوريّة عايشي. وهي تتحدّر من عائلة أمازيغيّة عاشت في منطقة البطنة بجبال الأوراس شرق الجزائر، ونشأت على وقع الأغاني الشاويّة، حين يجتمع النسوة في “الحوش” كيْ يصدحن بأغانٍ تروي حكم الأوّلين وبطولات الفرسان وقصص الحبّ الخفيّة عن العيون، وحين كانت ترافق جدّتها إلى حفلات الأعراس والمناسبات، وتستمع إليها وهي تغنّي من التراث البدوي، وقد بقي هذا المناخ عالقًا في ذهن حوريّة حتّى بعد سنواتها العديدة الّتي قضّتها في فرنسا؛ إنّه عالمها السحريّ الّذي يأبى أن تمحوه الأيّام.

 

 

درست حوريّة علوم الاجتماع في مدينة قسطنطينة والعاصمة الجزائر قبل أن تنتقل إلى باريس في عام 1970، لإكمال دراستها.

أمّا عن رحلتها في عالم الغناء، فقد انطلقت فعليًّا في عام 1984، عندما شرعت في البحث عن جذور الموسيقى الشاويّة في جبال الأوراس في الدراسات التاريخيّة والأنتروبولوجيّة الّتي أُلِّفت في هذا الصدد، وهو ما مكّنها من فهم جزئيّات كثيرة حول مخزونها الفنّي الّذي حصّلته خلال طفولتها في قريتها الجبليّة البعيدة، مخزونها المتمثّل في معرفتها بالنصوص وتقنيات الغناء وكيفيّة إخراج الصوت.

هذا بالإضافة إلى تأثّرها بكبار الفنّانين الشاويّين الّذين حفظت عنهم أغانٍ نادرة كثيرة وتعلّمت من طريقتهم في أداء المواويل وحساسيّة أصواتهم الّتي تمكّنهم من أداء الأغنية الشاويّة الفريدة من نوعها. ولعلّ أبرز من تأثّرت بهم الفنّانة عايشي هما الفنّان عيسى الجرموني والفنّانة بقّار حدّة…

وقد أنتجت حوريّة 4 ألبومات موسيقيّة: “أغاني من الأوراس” (1990)، و”حوّاء” (1993) و”خلوة من الذكر الصوفي الجزائري” (2001)، و”فرسان الأوراس” (2009).

 

ويمكن تقسيم مسيرة الفنّانة حوريّة عايشي إلى مرحلتين أساسيّتين:

مرحلة تجميع الأغاني التراثيّة والتعريف بها، وذلك من خلال ألبوميْها الأوّليْن “أغاني من الأوراس” و”حوّاء”. وقد تميّزت هذه المرحلة بإعادة غناء حوريّة لأعمال لكبار المطربين الشاويّين، وأغانٍ تراثيّة شعبيّة كانت تتقصّى أثرها في مسقط رأسها بالأوراس من خلال البحث في ذاكرة المسنّين الّذين يحفظون بعض القصائد القديمة النادرة؛ كما حاولت تدوين الأغاني الّتي حفظتها النسوة الشاويّات عن ظهر قلب.

وفي هذه المرحلة، حافظت حوريّة من ناحية الشكل على خصوصيّة الغناء الشاوي من ناحية الأداء والعزف، فاعتمدت على آلة “القصبة” و”البندير” فحسب. وقد غنّت في هذه الفترة أغانٍ شهيرة من التراث الشاوي مثل “عين الكرمة” و”يا صالح” و”بقاو بالسّلامة”، إلخ…

 

 

أمّا المرحلة الثانية، فقد تميّزت بالحفر في الموسيقى الشاويّة وإيجاد نقاط تلاقي مع أنماط موسيقيّة أخرى شمال إفريقيّة وغربيّة، كما شهدت بحثًا معمّقًا من ناحية المناخات الفنّية ومواضيع الأغاني.

ففي ألبومها “خلوة من الذكر الصوفي الجزائري”، بحثت في التراث الصوفي الجزائري وهو ما مثّل تجربة فتحت لحوريّة آفاقًا أخرى، وذلك من خلال التنويع على إيقاعات الموسيقى الشاويّة بإيقاعات أخرى مثل الإيقاعات الموجودة في موسيقى الديوان الصوفيّة والإيقاعات الموسيقى الصحراويّة. هذا بالإضافة إلى الاستناد إلى روافد موسيقيّة أخرى مثل الموسيقى الأندلسيّة والشرقيّة دون طمس هويّة الطابع الشاوي، فحوريّة عملت في هذا الألبوم في المنطقة الّتي تلتقي فيها كلّ هذه الأنماط الموسيقيّة، وصبّتها في قالب “شاويٍّ” محض.

 

 

أمّا ألبومها “فرسان الأوراس”، فيمكن اعتباره عصارة تجربة هذه الفنّانة المتميّزة وإضافتها الكبرى للأغنية الشاويّة حيث قامت فيه بالتجريب الفنّي وتطعيم الموسيقى الشاويّة بأنماط موسيقيّة أخرى، لتواكب تطوّرات الموسيقى في العالم حاليًّا.

وقد شارك فنّانون من العالم في نحت ملامح هذه التجربة، خاصّة فرقة حجاز كار (Hijâz’Car) الّتي كوّنتها حوريّة عايشي مع عازف العود الفرنسي غريغوري دارجون، وعازفيْ الإيقاع إيتيان غرويال وفابيان غويو، وعازف الكلارينيت جون لويس مارشان وعازف القمبري نيكولا باك.

 

 

وهي تجربة يحاور الغناء الشاوي موسيقى الروك والجاز من جهة، وينهر إيقاعه مع الإيقاعات الإفريقيّة من جهة أخرى، وهو ما جعل من الأغنية الشاويّة الحديثة عند حوريّة عايشي نمطًا موسيقيًّا عالميًّا، لكنّها لم تنتزعه من تربته، فظلّت مواضيعه حافلة بقصص الفرسان المقاومين وقصص الحبّ الشعبيّة وتفاصيل الحياة اليوميّة لسكّان جبال الأوراس. كما حافظت حوريّة على آلتيْ البندير والقصبة كعماد للغناء الشاوي، فلم تطمس هويّته بل أضافت له بعض الألق والحركيّة، من خلال الإيقاع الّذي يمتاز بها الموسيقى الغربيّة الحديثة والموسيقى الإفريقيّة في المغرب العربي، خاصّة موسيقى الكناوة..

مقالات ذات صلة

اترك رد