مجتمعالرئيسي

نهاية مملكة.. النهاية الدامية لأسرة رومانوف آخر أباطرة روسيا

 

فقدوا عرشهم وسلطتهم وأملاكهم، ثم أسروا وأجبروا على الإنتقال من مقر نفي لآخر، وسط معاملة مهينة وظروف قاسية، وهم الذين اعتادوا على النوم فوق الحرير والمخمل.

 

وبعد رحلة قاربت السنة من التعذيب والإذلال، أعدموا جميعا دون رحمة، وتواصلت رحلة اهانتهم حتى بعد موتهم، فتعرضت جثثهم للسحل والتنكيل، ودفنت بشكل غير لائق في إحدى الحفر المجهولة.

 

إنها قصة عائلة رومانوف، آخر أباطرة روسيا القيصرية،  أسرة حكمت روسيا قرابة ثلاثمئة عام، وقضت عليها الثورة البلشفية سنة 1918.

 ليلة لا تنسى

 

القبو الذي أعدمت فيه العائلة الملكية

 

داخل منزل حقير بإحدى ضواحي مدينة ايكاتيرينبورغ، ليلة 17 يوليو/جويلية 1918، انصتت عائلة مكونة من كهل خمسيني وزوجته الثلاثينية الجميلة وأبنائهما الخمسة، 4 فتيات وطفل في الرابعة عشر، بصمت إلى صوت قائد فرقة الحراسة وهو يأمرهم بالتنقل إلى قبو المنزل، بعد ورود أنباء عن اقتراب جيش مؤلف من جنود بلاشفة غاضبين، من الممكن أن يهدد اقترابهم العائلة.

تعثر الاب، الذي لم يكن سوى القيصر “نيكولاي الثاني” الذي حكم روسيا من 20 تشرين الأول/اكتوبر1894 الى غاية 17 آذار/مارس 1917، وزوجته القيصرة الكسندرا، ألمانية الأصل، والأميرات الثلاث اولغا وتاتيانا واناستازيا وولي العرش الروسي الوحيد ألكسي.

نزل الجميع الى القبو البارد، وحمل القيصر ولده الذي كان يعاني من مرض عدم تخثر الدم، او الهيموفيليا، وكان المكان قذرا وخاليا من الأثاث حتى ان القيصرة رفضت الجلوس على الأرض وطلبت مقعدين لها ولابنها.

كانوا في انتظار وسيلة نقل لتحملهم خارج البلدة، مرة أخرى، بعد ان تم نفيهم مرتين خلال السنة الفارطة، الأولى الى بلدة توبولسك في سيبيريا، كي يذوقوا البرد الذي عاناه لينين إبان نفيه، والثانية الى مناطق جبال الاورال قريبا من الحدود التشيكية.

في الخارج توقفت شاحنة صغيرة تنتظر في سكون، لم يبد أنها معدة لنقل الأحياء أكثر من كونها بدت شاحنة لنقل الأسماك المجمدة.

نخر القلق قلوب المنتظرين، من العائلة الحاكمة، وزاد خوفهم حين تم استقدام الخدم المخلصين لآل رومانوف لنفس القبو، وهم طبيب العائلة والطباخ ووصيف القصر وخادمة.

 

القيصر نيكولاي الثاني

 

وقفوا جميعا مرتعشين حين اقتحمت الباب مجموعة من الجنود واتخذوا وضعية إطلاق النار، كانوا جميعا من رجال التشيكا (الامن السري الشيوعي)، برئاسة ضابط جلّاد يدعى ياركوف يوروفسكي، الذي كلف خصيصا بمهمة إعدام القيصر وعائلته من مجلس الثورة بقيادة لينين، لقسوة قلبه، كما كلف أيضا باختيار مجموعة الحراس، التي كانت في الحقيقة فرقة إعدام منتقاة بعناية، رجالها متحجرو القلوب، لتفادي أي تعاطف مع القيصر واطفاله الصغار.

قبل ان يحتج القيصر نيكولاي الثاني بأي كلمة، أصيب بطلق ناري في ٍرأسه أرداه قتيلا في الحال، وفتح الجنود النار على بقية أفراد العائلة، لكن بصورة عجائبية، كانت الرصاصات ترتد عن الاميرات إلى مطلقيها دون ان تمسهن بسوء.

 

الاميرة أناستازيا

 

توقف الجنود عن إطلاق النار، وهمهم بعضهم-وقد كانوا من الفلاحين البسطاء- بأن السماء ترفض أن تموت الفتيات البريئات، لكن المسألة أبسط من هذا، فقبل نزولهن للقبو، قامت الاميرات بإخفاء مجوهراتهن داخل ملابسهن، وشكلت تلك الطبقة فيما بعد درعا حماهن من الرصاص.

 

 

إلا أن يوروفسكي، تقدم وطعن ببندقيته أقرب الاميرات، وتبعه بقية الجنود بأن أخرجوا سكاكينهم وأجهزوا على بقية الفتيات.

استغرقت عملية القتل قرابة ساعة ونصف، حملت بعدها فرقة الإعدام الجثث على متن الشاحنة الى الغابة المجاورة، هناك كان لابد من التخلّص من الجثث باي طريقة، فقاموا بإشعال النار لإحراق القيصر وعائلته، الا انهم سرعان ما عدلوا عن ذلك، فالجسد البشري يستغرق حوالي 7 ساعات كي يحترق لاحتوائه على نسب عالية من الشحوم والماء، لذا قاموا بحفر حفرة، وضعوا داخلها جسد القيصر وزوجته بعد أن قطعوهما، رفقة ثلاث من بناته، وصبوا فوقهم الحمض، منعا لانتشار الرائحة وكي تغيب هوية الجثث الى الابد، وقاموا بحفر حفرة أخرى، دفنوا فيها جثة الأمير الكسي واميرة أخرى، لمزيد من التضليل.

الحقيقة.. أخيرا

 

 

لسنوات، لم يعلن ليني سوى عن إعدام القيصر نيكولاي الثاني، فيما واصلت حكومة الثورة البلشفية التأكيد على ان القيصرة وبناتها وولي العهد لا يزالون على قيد الحياة ويتم نقلهم كل فترة وأخرى حفاظا على سلامتهم، لكن سقوط الاتحاد السوفييتي سمح بفتح الأرشيف التي كانت محميّة طيلة وجوده رهن الأقفال مما أزال الكثير من الغموض الذي أحاط بمصير سلالة رومانوف.

وذلك بالاعتماد على العديد من الوثائق مثل مذكرات وكتابات السجانين وبعض أولئك الذين شاركوا في تنفيذ الإعدامات، وكذلك رسائل ويوميات القيصر وزوجته وأقاربه، وأيضاً الوثائق الرسمية لتلك الفترة من رسائل وبرقيات وتقارير ممهورة بخاتم السرّية.

 

مكان القبر المجهول على مقربة من الحدود التشيكية

بعد ثماني سنوات من المجزرة اعترفت الحكومة البلشفية بإعدام عائلة القيصر بأكملها بكل وحشية وإخفاء جثثهم ومع تدافع المسؤوليات بين عديد الأطراف، تعذر العثور على رفات العائلة الملكية، الى حدود سنة 1993، أين تم الإعلان عن العثور على رفات القيصر وزوجته واثلاث من بناته، بعد عملية بحث طالت لسنوات، وتم اكتشاف حفرة في منطقة منجمية على مقربة من الحدود التشيكية، عثر داخلها على عظام بشرية تبين بعد تحاليل و فحوصات مطولة انها تعود لآخر أباطرة روسيا، وتم نقل الرفات، إلى كاتدرائية بيتر وباول في سان بطرسبرغ في جنازة رسمية شعبية، سنة 1998، كتكريم متأخر لهم على المعاناة التي تعرضوا لها.

 

 

وسنة 2007، تم العثور على آخر قطعة من أحجية عائلة رومانوف المفقودة، وهو قبر آخر يبعد عن الأول قرابة 64 مترا، احتوى رفاتا لهيكلين عظميين، يعودان لألكسي وأميرة من بنات القيصر، وهو ما فند الشائعات التي تغذت طوال عقود على غياب رفات الاميرين، وقيام العديد بانتحال شخصياتهما طمعا في ثروة آل رومانوف الهائلة.

 

الجنازة التكريمية لآل رومانوف

 

وبذلك يكون ملف قضية آل رومانوف قد أغلق إلى الأبد بعد أن اجتمع شمل العائلة في مكان واحد بعد سنوات طويلة من الضياع في المجهول.

 

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد