الرئيسيثقافةغير مصنف

فيلم “حكايات وحشيّة”: السخرية من عبثيّة العنف

افلام

 

لطالما كان العنف البشريّ مادّة ملهمة لأعمال فنّية كبرى، ومحلّ تساؤل دائم حول منطلقاته وجدواه وأشكاله والميكانزمات الّتي تحكمه وعبثيّته أو ضرورته، وما إذا كان ينبع من داخل الإنسان أم من خارجه.

في السنوات الأخيرة شاهدت فيلمًا يتناول قضيّتيْ العنف والانتقام بأسلوب طريفٍ ومميّز، وهو الفيلم الأرجنتيني “حكايات وحشيّة” (Relatos salvajes)، الصادر في عام 2014.

 

 

وهو أوّل فيلم روائي طويل للمخرج الأرجنتيني داميان سيزفرون، أنتجه المخرج الإسباني اللّامع بيدرو ألمودفار، ولعب أدوار البطولة فيه ثلّة من الممثّلين الأرجنتيّين على رأسهم الممثّل العالمي ريكاردو دارين، وليوناردو سباراليا وداريو غرانديناتّي والممثّلة إيريكا ريفاس الّتي لعبت فيه دورًا استثنائيًّا.

رُشِّح “حكايات وحشيّة” للمراهنة على السعفة الذهبيّة في مهرجان كان السينمائي، إضافة إلى ترشيحه لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، ولكن لسوء حظّ الفيلم أنّه خرج إلى النور في سنة تميّزت صدرت فيها أعمال سينمائيّة عظيمة، فخسر المنافسة في مهرجان كان أمام فيلم “Winter sleep” للمخرج التركي القدير نوري بيلجي جيلان، وخسر في مسابقة الأوسكار أمام أحد أهمّ الأعمال السينمائيّة في العشرين سنة الأخيرة، فيلم “Ida” للمخرج البولندي باڤل باڤليكوفسكي.

لكنّ “حكايات وحشيّة” نال جوائز أخرى مهمّة في مهرجانات عالميّة عديدة، أهمّها جائزة أفضل فيلم أجنبي باللغة الإسبانيّة في المهرجان العريق “غويا” (Goya).

ينقسم الفيلم إلى 6 حكايات رئيسيّة مستقلّة بذاتها، لكلّ منها أمكنتها وأحداثها وشخصيّاتها المختلفة؛ لكن الخيط الناظم الّذي يربط بينها جميعًا، هو فكرة الانتقام، أو ردّ الفعل العنيف الّذي يُولَد من مثيرات خارج الشخصيّات أو دوافع نفسيّة تنبع من دواخلها الدفينة.

 

الحكاية الأولى

بداية الفيلم مدهشة، تدخلك دون مقدّمات إلى مناخ هذا الفيلم المجنون، حيث يكتشف مسافرون في الطائرة، بمحض الصدفة، أنّ بينهم رابط مشترك، وهو معرفتهم لرجل اسمه غابرييل باسترناك، ليتّضح بعد ذلك أنّه هو الّذي من استدعاهم دون علمهم في رحلة نحو الموت، انتقامًا منهم على الأخطاء الّتي ارتكبوها في حقّه. وهذا الانتقام المرضيّ لا يعترف بخطيئة صغيرة أو جرم كبير، فهو نتيجة لفشل المجتمع في النهوض بالفرد وعدم مدّ يد المساعدة له حين يكون على وشك الغرق تدريجيًّا في مستنقع اليأس، لكنّه لا يخيّر الغرق لوحده بل يغرق معه كلّ من ساهم في فشله المهني والدراسي والعاطفي، وأوصله إلى حالته تلك.

 

 

الحكاية الثانية

تدور أحداثها حول فتاة تعمل نادلة في مطعم على إحدى الطرق السريعة. فجأة، تنقلب الأحداث رأسًا على عقب بمجرّد دخول رجل إلى المطعم، لكنّ هذا الرجل ليس كغيره من الزبائن، إنّه سياسيٍّ ومسؤول في مصلحة الضرائب ومقاول بناء في الآن نفسه، وهو ما يوحي بأنّه مسؤول فاسد.

تضعه الصدفة في طريق النادلة الّتي تكتشف أنّه كان سببًا في إفلاس أبيها وانتحاره، فيكون الانتقام. وتبرز هذه الحكاية تردّد الإنسان بين ضرورة الانتقام عندما يكون الملاذ الأخير للثأر من أشخاص لا يطالهم القانون وبين تجنّبه كي لا يفقد الإنسان إنسانيّته. لكنّ مفهوم العدالة يتطلّب العنف أحيانًا.

 

الحكاية الثالثة

تبدأ هذه الحكاية بموسيقى رائعة ومشاهد طبيعيّة خلّابة، حيث يقود رجل سيّارته الفاخرة، يتجاوز بسرعة كبيرة شاحنة قديمة، ويقوم بحركة لا أخلاقيّة تجاه سائقها. حادثة بسيطة سرعان ما تتطوّر لتصبح فاجعة كبيرة. وهنا، تظهر مدى عبثيّة العنف، فهو يولَد من تفاصيل صغيرة وتافهة في معظم الأحيان، إنّه وحش مسجون داخل كلّ إنسان وينتظر فرصة صغيرة ليخرج إلى العلن ويكشّر عن أنيابه. ويأخذ الانتقام في هذه الحكاية، بعدًا طبقيًّا حيث تصبح الحركة اللاأخلاقيّة في نظر الرجل الفقير أكبر من مجرّد فعلٍ طائش أو مزحة ثقيلة، بل هي إهانة لا تُغتَفر. كما يتّضح أنّ مسرح الحكاية هو مكان مهجور، لا حضور فيه للسلطة الاجتماعيّة وسلطة الدولة؛ وفي غياب هذه السلطة، قد ينفلت الوحش الأسير من سجنه ليحدث الفوضى العارمة.

 

 

الحكاية الرابعة

في الحكاية الرابعة، يقدّم لنا المخرج خبير متفجّرات في إحدى شركات المقاولات الكبرى، تتّسم حياته بالاستقرار الأسري والانضباط المهني والمكانة الاجتماعيّة المرموقة. لكنّها تنهار بسرعة جرّاء مخالفة صغيرة لا ذنب له فيها، حين ركن سيّارته في مكان يمنع فيه ذلك، لكن لتقصير من السلطات لم تكنْ هناك لافتة للمنع.

ويدخل البطل في دوّامة من الإجراءات البيروقراطيّة المقزّزة، وتتصاعد حدّة التوتّر أقصاها، فيكون الانتقام بطريقة مجنونة. وهذا ما يفسّر الضغط الشديد الّذي يعاني منه سكّان المدن الكبرى في هذا العصر، إذا ما أضفنا له تكلّس الإدارة والفساد البيروقراطي، يصبح الوضع جحيمًا لا يطاق. وتحت وطأة هذا الضغط يمكن أن تحدث الكارثة في أيِّ لحظة.

 

 

الحكاية الخامسة

يحاول رجل ثريّ جدًّا أن يرشو حارس منزله كيْ يعترف بأنّه هو من دهس المرأة الحامل في حادث سيرٍ كان قد ارتكبه ابنه.

ولئن تميّزت هذه الحكاية ببعض البطء في سير الأحداث مقارنة بالإيقاع السريع واللامتوقَّع للحكايات الأخرى، إلّا أنّها اشتركت معها في النهاية العبثيّة والعنيفة.

ويتطلّب عقد هذه الصفقة محاولات كثيرة، تدخل فيها أطراف أخرى مثل المحامي وضابط المباحث. وأمام إغراء المال، تتعقّد الأمور وتتعرّى الشخصيّات جميعها، فتطفو على السطح قيم الانتهازيّة والطمع والجشع. وأمام سطوة المال، تتساوى ردود أفعال الأبطال، رغم تباين مستوياتهم الاجتماعيّة والتعليميّة والثقافيّة.

إنّ هذه الحكاية تعرّي العنف بما هو نتيجة لأزمة الأخلاق الّتي يعيشها الإنسان في عصرٍ تحكم سلطة المادّة فيه الفرد في ظلّ تعاظم فقره الروحي وضعف وازعه الأخلاقي، حتّى وإن كان مشرفًا على حفظ القانون وتنفيذه في أحيان كثيرة.

ويحضر الانتقام في هذه الحكاية، في شكلِ قصاصٍ فرديٍّ من زوج المرأة المتوفّاة، وبموت الشخص الخطأ، يكون الثأر الفردي نقيضًا للعدالة ومساهمًا في دفع عجلة الثأر الّتي لا تنتهي.

 

 

الحكاية السادسة

في حفلة عرس تكتشف العروس أنّ زوجها المستقبلي خائن وأنّ عشيقته حاضرة في الحفل. وبسرعة كبيرة يتحوّل العرس إلى مسرحٍ للفوضى والجنون، وتتحطّم كلّ القواعد الّتي تضبط مثل هذه المناسبات، ليحلّ محلّها ردود الأفعال اللامتوقَّعة للذوات المحبَطة والمتفاجئة والمنهارة. فالحبّ رغم أنّه شعور نبيل، فهو يمكن أنْ يتحوّل إلى طاقة مدمّرة في لحظة.

تتّسع دائرة التوتّر من شجارٍ بين الزوجيْن إلى خصامٍ بين عائلتيْن ثمّ ينخرط الحاضرون في موجة التوبيخ والسباب، والطريقة الّتي انتشرت بها شحنة التوتّر والعنف، كانت سلسة خاطفة وعبقريّة على مستوى التنفيذ السينمائي. وبعد وصول التوتّرات والمشاحنات إلى أقصاها، ينهار البطلان بعد أن أفرغا كلّ طاقتهما في أعمال مجنونة وعنيفة.

وهنا تكون النهاية العظيمة، حيث يعانق العروسيْن بعضهما من جديد وهما في حالة رثّة، ويعلنان مواصلة العرس في مشهد مشحون بطاقة عاطفيّة كبرى، مشهد مؤثّر ومجنون ومفاجئ.

ويفسّر المشهد الختامي قدرة الحبّ على ترويض العنف المكبوت داخل الإنسان، وقدرته على جعله غفورًا لا منتقمًا. إنّه المسكّن الّذي يحدّ من جنون الإنسان ورغبته اللاشعوريّة في السيطرة على الآخرين، وإيذائهم إن لم يرضخوا، والانتقام منهم إذا ما قاوموا أو ردّوا الفعل.

إنّ فيلم “حكايات وحشيّة” فيلم طريف من حيث بنيته، حيث ينبني من قصص مستقلّة بذاتها لكن تربط بينها أفكار من قبيل الانتقام والثأر، ومجانيّة العنف وعبثيّته. وقد ساعد أسلوب الكوميديا السوداء الّذي برع فيه المخرج، في توضيح هذه التناقضات وتبسيطها، ورسم صورة مضحكة وتافهة للشرّ تجعل من المتفرّج يضحك كثيرًا من ذلك الوحش السجين في داخله ويسخر منه ويكتشفه.

كما أنّ الفيلم فيه نقاط قوّة كثيرة على المستوى الفنّي، فالموسيقى ساهمت في إعطاء هذا الطابع الساخر للفيلم بمناقضتها في مواضع كثيرة للأحداث العنيفة والمشاهد الحادّة.

كما أنّ المونتاج كان قطعيًّا وسريعًا ومفاجئ، وهو ما ساهم في سرعة تصاعد الأحداث من الهدوء إلى التوتّر، ثمّ سرعة عودتها إلى النقطة الصفر؛ فكي يبني الإنسان يخطّط ويدرس ويقيس ويضع الحجر فوق الحجر ويزيّن ويزركش، لكنّ الطاقة التدميريّة عنده مفاجئة ولاشعوريّة وخاطفة.

السيناريو والحوار كانَا على غاية كبيرة من التماسك والقوّة والتكثيف والعمق. وباستثناء الحكاية الخامسة الّتي كانت عاديّة وممجوجة بعض الشيء، فإنّ الفيلم كان يمكن أن يكون مثاليًّا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد