مدوناتغير مصنف

سباق الـ “وأنا كمان” ..

 

ربما يختلف كل منا في تحديد “شر البرية”؛ فهناك من يعتبر “الكاذب” أسوأ البشر، وآخر يظن “الخائن” كذلك، وثالث لا يرى أقبح من الوصولي أو الشخص الانتفاعي الذي يعرفك وقت الرخاء أو وقت حاجته.

 

برأيي المتواضع، شر البرية في عصرنا هذا هو من تذهب إليه لتشكو له أمراً يحزنك فيرد “وأنا كمان”، فالكاذب والخائن والوصولي أشخاص واضحون وموضوعون سلفاً بخانة العدو، لا نذهب إليهم أوقات ضعفنا، ولا نمكنهم في حياتنا إلا بالقدر اليسير، وليس صعباً علينا التخلص منهم تماماً.

ورغم أن ذاك الرد لا يعد مسبة أو حتى لفظة قاسية إلا أنها أكثر إحباطاً وألماً من موضوع الشكوى بحد ذاته، ذلك أنك تختاره من دون البشر والأصدقاء والأقارب وتحمل له شكواك، خاصة وأننا –عادةً- لا يكون لنا هدف من وراء ذلك سوى “الفضفضة”، لا ننتظر حلولاً ولا مساعدات ملموسة جراء شكوانا تلك.

مؤخراً، تعرضت في العديد والعديد من المناسبات لهذا الأمر، أقص لصديق أو رفيقة تعسري في أمر ما، داخل الأسرة أو العمل، فتسارعني بالقول ” أنا كمان” أو “كلنا هكذا”، وكأنهم يقولون لي “كفي عن الشكوى.. فلدي ما يكفيني من الهموم”.

تضيق الدنيا بوجهك وقتها بدرجة أكبر، وتبدأ في التساؤل هل أهول أنا الأمور- طالما الجميع كذلك؟ هل أخطأت عندما أفصحت عن شكوايا؟ هل اخترت الشخص الصح لإخباره مصدر إزعاجي؟ وأخيراً، هل يستحق هذا الشخص ثقتي وتقديري له؟!

 

اسمعوا من تحبون بضمير، وشاركوهم همومهم عل ذلك ينجيهم من الهلاك فالعمر حقاً قصير

 

بالطبع اتخذت قراراً داخلياً، بعدم الحديث عن أي شيء مزعج مع الجميع، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ أصبحت أشك كثيراً في صدق علاقاتي بالمحيطين، وأميل للانسحاب من أغلبها.

ذكرني كل هذا بقصة مراهق سعودي اشتهر عبر سناب شات؛ كان يعيش حالة اكتئاب ويكتب عن ذلك مراراً وتكراراً لأصدقائه، عل أحدهم ينقذه، لكن كتاباته كانت تقابل بالاستهزاء والسخرية والاتهام بأنه يسعى لمزيد من المتابعة، حتى عندما أعلن أنه مقدم على الانتحار لسوء حالته، لم يعره أحد اهتماماً حتى نفذ ذلك في بث حي، ليبدأ الجميع في لوم نفسه، ولكن بعد ماذا..

أدرك جيداً الشعور بالخذلان الذي أحس به هذا الشاب الفقيد، الشعور بأن أقرب المحيطين بك لا يشعرون بألمك وحتى عندما تصرح به فلديهم ما يكفيهم وليسوا على استعداد أبداً لتحمل المزيد ولو بمجرد الاستماع لك.

ليتنا نفهم أننا لسنا في سباق أينا أكثر بؤساً وتعاسة، الأمر أكثر تعقيداً في الحقيقة، رد محبط كهذا كفيل أن يدخل الفرد في دوامة من لوم الذات على الإقدام على الشكوى لشخص غير مسؤول أو إنساني بالمرة.

ولا أعلم ما الذي يضير أي شخص من تقدير حزن الآخر أو ألمه والتفاعل بشكل أكثر إنسانية معه؛ لم لا نستبدل الـ “وأنا كمان” بـ ” أقدر كم تتحمل من الألم لكن أثق بقدرتك على تخطي ذلك”؟ّ!

عيشوا المشاهد
كل مشهد
زى ما يكون الاخير
واشبعوا ساعه الوداع
وأحضنوا الحاجه بضمير
دا اللى فاضل مش كتير
اللى فاضل مش كتير

 

أبيات للشاعر مصطفى إبراهيم، بتنا نرددها ونتبادلها كثيراً، لكني أقول، اسمعوا من تحبون بضمير، وشاركوهم همومهم عل ذلك ينجيهم من الهلاك فالعمر حقاً قصير.

 

الوسوم

سامية علام

محررة مصرية مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق