مجتمعمدونات

عن الحب قبل زمن الواتس آب

 

“ساكن في حي السيدة وحبيبي ساكن في الحسين، وعشان أنول كل الرضا يوماتي أروحله مرتين”، في جملة واحدة منغومة لخص عبد المطلب متطلبات الحب في الستينات، حين كان يكفي الحبيبين أن تتقرب مساكنهما، وان فصلت بينهما الجدران وأعين الرقباء والواشين، كي ترحل القلوب الى بعضها وتهفو النفوس بمشاعر حقيقية.. كانت النظرات المتبادلة بين خجل صبية تقف في شرفة بيتها، وحبيب يتكئ على عمود النور في شارعها، يسترق النظر إليها، كفيلة بفضح العلاقة لأعين الناظرين، للدفء المنبعث منها.

 

كان الحب حينها بالأبيض والأسود، بسيطا، دون تعقيدات كثيرة او تشعبات، كان حقيقيا.

في القرن الماضي، حين لم تكن أوبئة مثل الواتس آب والفايسبوك و انستغرام وغيرها قد اجتاحت الخلايا الشعورية للأشخاص، رسم الحب على منوال محدد، وسار الشباب في العالم العربي مقلدين تسريحة شعر عبد الحليم حافظ، وتمخطرت الصبابا في أثواب جميلة.. كان الجميع مرتبين، انيقين، حتى الفقراء والمعدمون، كانوا يجتهدون في أن يظهروا بمظهر لائق، في أعين حبيباتهم، كي لا تخدش أعينهن الجميلة بمظهر أو تصرّف مؤذ، وكان الحب، مثلهم راقيا، ودودا، لا يزال يعيش وسط الورود والكلمات الجميلة وأرقام التلفونات الدوارة، التي تكتبها الصبابا للشباب بأحمر الشفاه على مناديل قطنية، ويمضي الشاب بعد ذلك أياما و ربما أسابيع محاولا الاتصال بحبيبته، متعللا بشتى الأسباب كيلا يتم ضبطه متلبسا بالجرم المشهود.

 

كان في هدوء يتقدم شيئا فشيئا كي يبتلع بقوة أفعى استوائية ودهائها، كل ما كان لدينا من حب ودفء.. إنه العصر الذكي، عصر لغة الإموجي بدل الكلمات، والرسائل الصوتية والقلوب الملونة الإلكترونية، فجأة نستيقظ في عالم ملون، لكن دون روح

 

كانت تكفي أغنية لمحمد عبد الوهاب، أو “الستّ”، او قراءة رواية ليوسف السباعي لتشيع في الجو هالة من الرومنسية والسعادة، كانت المقاهي الشعبية تدير الراديو كل خميس على حفلة أم كلثوم، فيتسلطن الجميع بكلمات مثل ” هو صحيح الهوى غلاّب”، “أنت فين والحب فين”، “هل رأى الحب سكارى مثلنا”، فتهفو النفوس الى المشاعر التي فطر الانسان على تبجيلها، ويجد الناس أنفسهم وقد سمت ارواحهم وتلاقت قلوبهم. كانت البساطة سيّدة الموقف، لذا عمّرت العاقات طويلا.

ثم كان الانهيار..

لم يأت مفاجئا صادما مزلزلا كانهيار جبل جليدي في قمم الآلب أو ثورة بركان فيزوف الإيطالي، بل كان في هدوء يتقدم شيئا فشيئا كي يبتلع بقوة أفعى استوائية ودهائها، كل ما كان لدينا من حب ودفء.. إنه العصر الذكي، عصر لغة الإموجي بدل الكلمات، والرسائل الصوتية والقلوب الملونة الإلكترونية، فجأة نستيقظ في عالم ملون، لكن دون روح.

 

كان الحب حينها بالأبيض والأسود، بسيطا، دون تعقيدات كثيرة او تشعبات، كان حقيقيا

 

تسللت السرعة الى حياتنا دون أن نشعر، وأصبح الفراق والبعد المادي مجرّد وهم تبدده مكالمة مسموعة مرئية في الهاتف الذكي، تربط بين القارات والأشخاص، وأصبح تبادل الرسائل أكثر سهولة  وخصوصية بما لا يصّدق، فلم تعد الفتاة تخبئ رسائل وصور حبيبها تحت سريرها خوفا من أهلها، بل أصبحت تضع “كلمة سر” لهاتفها الذكي كي لا يعبث أحد بخصوصياتها.

اقتربنا كثيرا في المسافة، بينما تتسع الهوة بين القلوب، وبينما تنساب كلمات المجاملة والحب والعشق سهلة سريعة على لوحة مفاتيح الحواسيب والهواتف، تزداد صعوبة تصديقها في الواقع، ويغيب الدفء من العلاقة ليحل محله “حب افتراضي” على ضفة الإنترنت المقابلة، قد يكون مليئا بالوعود الجميلة والعوالم الساحرة، لكنها دخان يتبدد سريعا ما أن يكتب لهذه العلاقات الوليدة الوجود، وفي الاغلب لا تستمر طويلا.. حتى أصبح البعض يعيشون علاقات حب مع “حسابات وهمية” مسلية و مرفّهة، لكنها تضاعف من العزلة والتصحر العاطفي، فيفقد المرء الشعور بالخفة والراحة الذي اعتراه حين صاغ نسخة عن حاله على الإنترنت، هربا من وحدة ذاته..

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد