مجتمع

شهيدات من حرب التحرير الجزائريّة‎

مناضلات

 

لقد عرفت الجزائر فترة طويلة وقاسية من الاستعمار الفرنسي، وطيلة 132 عامًا برزت أجيال كثيرة من المقاومين الشرسين الّذين سطّروا ملاحم عظيمة ببطولتهم وبأسهم في مقاومة المحتلّ والتزامهم بقضايا شعبهم.

 

وفي هذه الفترة الطويلة الّتي خاض فيها الجزائريّون أشرس المعارك مع الاحتلال الفرنسي، كانت المرأة الجزائريّة محضنة النضال الوطنيّ بامتياز، فهي الّتي حافظت على الانتماء الحضاري للأمّة في ظلّ محاولات التغريب القسري من قبل الاستعمار الفرنسي، وذلك من خلال تربية الأبناء والأحفاد على حفظ الأساطير الملحميّة عن بطولات الفرسان المقاومين، فكانت أغانيها مزيجًا من الفخر والوعظ والحكمة، فنشأ في حضنها الأبطال والشهداء.

 

ولكنّها لمْ تكتفِ بهذه الوظيفة الأساسيّة، بل خاضت غمار المعركة بكلّ أشكالها، بما فيها المقاومة المسلّحة، ويكفي أن نذكر البطلة فاطمة نسومر الّتي قادت جيشًا كاملًا في الجبال لسنوات طويلة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وجابهت به آلة الحرب الفرنسيّة فأثارت انبهار كبار القادة في الجيش الاستعماري، حتّى لقّبوها بجان دارك الجزائر.

 

ومع اندلاع ثورة التحرير في عام 1954، كانت المرأة الجزائريّة شريكًا أساسيًّا في خطّة جبهة التحرير الجزائريّة لدحر المستعمر الفرنسي، فأُوكِلت لها مهامّ صعبة وخطِرة، منها:

 

  • المساهمة في توفير الدعم المالي واللوجستي للمقاومين في الجبال، وذلك من خلال إعداد التموين اللازم من الطعام والملابس والأغطية، فكانت تشرف على الفلاحة والرعي والخياطة وإعداد الطعام، وكانت تخوض رحلات شاقّة في مسالك وعرة لإيصال الطعام واللباس إلى المقاومين.

 

  • الاهتمام بأطفال الشهداء وأطفال السجناء والمجاهدين الغائبين عن بيوتهم، والعناية بالجرحى في منازل سريّة مخصّصة للغرض، وهنا يجب الإشارة إلى انخراط عدد كبير من الممرّضات والطبيبات الجزائريّات في معركة التحرير.

 

  • المشاركة في النضال السياسي في الجزائر وخارجها، وذلك بالتحضير للمظاهرات الكبرى في المدن وتوزيع المناشير وربط قنوات التواصل بين قادة الثورة وجنودها الأبطال. فنتيجة للمراقبة المستمرّة من أجهزة القمع البوليسي الفرنسي داخل المدن على المقاومين، تولّت المناضلات هذه المهامّ المعقّدة والخطرة.

 

  • المشاركة في الكفاح المسلّح عبر العمليّات الفدائيّة في المدن الجزائريّة الكبرى من خلال زرع القنابل وتفجير منشآت حيويّة للمستعمِر الفرنسي. وفي الأرياف، انخرطت آلاف المقاومات في جيوش جبهة التحرير وشاركت في أشرس المعارك ضدّ جيش الاحتلال، وشاركت في إعداد الكمائن والقيام بها.

ونتيجة لهذا الدور الفاعل والحاسم للمرأة في معركة تحرير الجزائر، تحرّكت آلة الجنرال أوساريس لقمع الجميع دون استثناء رجالًا وشيوخًا وأطفالًا، فأمر بتعذيب كلّ من يُشتبه بعلاقته مع المجاهدين، بل وأشرف بنفسه على عمليّات تعذيب وإعدامات كثيرة. وكان بطش هذه الآلة الإجراميّة اختبارًا لعزيمة المقاومين والمقاومات، فضربوا أمثلة إعجازيّة في الصمود. وتحمّلت المرأة الجزائريّة ما لا تتحمّله الجبال في مراكز الإيقاف والسجون، ولعلّ قصّة أيقونة الثورة الجزائريّة جميلة بوحيرد هي أعظم مثالٍ على هذا الصمود النسوي العظيم في وجه آلة القتل والتعذيب الغاشمة.

وفي هذه الفترة الحسّاسة من الثورة، اُستُشهِدتْ مقاومات كثيرات خلال قيامهنّ بأعمال بطوليّة خلّدتها الذاكرة الجماعيّة الجزائريّة والعالميّة، وهذه نبذة عن شهيدات ارتقيْن في أرض المعركة.

 

حسيبة بن بوعلي

 

 

وُلِدت حسيبة بن بوعلي في 18 جوان 1938 بالشلف أين قضّت طفولتها. وفي التاسعة من عمرها، قرّر والدها الاستقرار بالجزائر العاصمة فانتقلت معه وواصلت دراستها الثانويّة هناك.

وفي السابعة عشر من عمرها، التحقت حسيبة بصفوف الفدائيّين، وكانت مهمّتها زرع القنابل في النقاط الّتي يتمركز فيها العدوّ. وقد كانت في خليّة تجمع كلّ من الشهداء الأبطال: علي لابوانت ومحمّد بو حميدي وعمر الصغير؛ وهي إحدى أكثر الخلايا الفدائيّة نشاطًا في تلك الفترة؛ وهو ما دفع بالمستعمِر الفرنسي إلى تكثيف جهوده من أجل القبض على أعضائها. وعلى إثر وشاية من أحد “الحركيّين”، حدّدت فرقة الجنرال ماسو في 08 أكتوبر 1957، مكان اختبائهم وهو بيت بحيّ القصبة العتيق، وحاصروهم مطالبينَ إيّاهم بتسليم أنفسهم. لكنّ حسيبة ورفاقها رفضوا ذلك كي لا يمنحوا فرصة لقوّات الاحتلال كيْ تحظى بمعلومات تؤذي سير العمليّات الفدائيّة وتكشف الخلايا الفدائيّة الأخرى، وآثروا الاستشهاد على ذلك، وهو ما تمّ فعلًا حين فجّر الفرنسيّون المنزل بمن فيه بعد يأسهم من محاولة اقتحامه وتصميم الفدائيّين على عدم تسليم أنفسهم.

وهكذا اُستُشهِدت حسيبة وهي لم تبلغ العشرين من عمرها بعدُ، وقد خلّدها التاريخ مع رفاقها الأبطال، وخلّدتها السينما بفيلم رائع بعنوان “معركة الجزائر” الّذي حاز على جوائز عالميّة كثيرة، منها الأسد الذهبي في مهرجان البندقيّة الدولي، الأمر الّذي سبّب خلافًا سياسيًّا بين فرنسا وإيطاليا الّتي كرّمت فيلمًا فضح بشاعة الاستعمار الفرنسي.

 

زيزة مسيكة

 

 

هي لبؤة جبال الأوراس، وُلِدت في 28 جانفي 1934 بقرية مروانة قرب مدينة باتنة الجزائريّة أين أتمّت دراستها حتّى المرحلة الثانويّة، ونالت شهادة البكالوريا في عام 1953، لتهاجر إلى فرنسا رفقة أخيها، وتكمل دراستها في جامعة مونبلييه.

في عام 1955، عادت زيزة مسيكة إلى الجزائر، وانضمّت إلى جيش المقاومين كممرّضة برتبة عريف في دوّار أولاد جمعة في المنطقة الثالثة تحت قيادة عمّار بعزيز، كما عملت وتعاملت مع مجاهدين وقيادات أخرى معروفة في المنطقة على غرار عزّوز حمروش وعبد القادر بوشريط اللّذان كانا مسؤوليْن على المنطقة الأولى والثانية.

 

مريم بوعتّورة وزيزة مسيكة

 

وبقيت زيزة مسيكة طيلة أربع سنوات في جبال الأوراس، تشارك في المعارك الضارية وتسعف الجرحى من أبطال جيش التحرير. وفي 29 أوت 1959، قام الجيش الفرنسي بقصف إحدى منازل الإسعاف والتمريض في الجبال المحاذية لمدينة سكيكدة، وأمام هذا الهجوم الضاري، قام مجموعة من المقاومين بعمليّة استشهاديّة لدحره، وكانت زيزة مسيكة من بين هؤلاء الاستشهاديّين، وخيّرت أن تقدّم روحها في سبيل تحرّر الجزائر وهي لمْ تتجاوز سنتها الخامسة والعشرين بعد. لقد كانت لبؤة الأوراس ومازالت مصدر فخر للقبائل الشاويّة حتّى الآن.

 

فضيلة ومريم سعدان

 

 

هما شهيدتان شقيقتان، بفضلهما ظلّ لقب “سعدان” خالدًا في ذاكرة الجزائريّين.

وُلدت الشقيقة الكبرى مريم سعدان في عام 1932 بمروانة في ولاية باتنة الجزائريّة، ثمّ انتقلت مع عائلتها للعيش في مدينة قصر البخاري التابعة لولاية المدية حيث عمل والدها مدرّسًا. وفي هذه المدينة وُلدت أختها فضيلة في عام 1938، أختها الّتي خاضت معها رحلة الحياة والنضال والشهادة.

في عام 1940، تُوُفِّي الأب، فانتقلت الطفلتان رفقة أسرتهما إلى مدينة الحروش التابعة لولاية سكيكدة. وهناك دخلتَا المدرسة حيث أكملتَا تعليمهما الابتدائي، ولئن أكملت الشقيقة الكبرى مريم تعليمها العالي في قسنطينة وتحصّلت على دبلوم الدولة في علم التمريض عام 1951، ثمّ عملت ممرّضة في مستشفى قسنطينة، فإنّ الأخت الصغرى فضيلة خيّرت أنْ تتمّ دراستها في فرنسا بعد خروجها من سجن الاحتلال الفرنسي في عام 1957.

 

وفي هذه الأثناء، انخرطت مريم سعدان في العمل النقابي حتّى أُلقِي عليها القبض من الفرنسيّين في عام 1958، فتعرّضت للاستنطاق تحت التعذيب، ورغم بشاعة الممارسات الّتي يتّبعها الضبّاط الفرنسيّين في التعذيب، فقد صمدت مريم ولمْ تعترف بأيِّ شيء، فتمّ إطلاق سراحها بعد شهر. وحين علمت الأخت الصغرى فضيلة بالأمر، عادت إلى الجزائر والتحقت بخليّة من فدائيِّي جيش التحرير الجزائري، فيما عادت الأخت الكبرى إلى العمل بالمستشفى لتعالج الثوّار سرًّا وتهرّب الأدوية لهم. وفي 20 ماي 1958، أُلقِيَ عليها القبض مرّة أخرى رفقة مناضلين آخرين يعملون في مستشفى قسنطينة، وتعرّضت لأبشع أنواع التعذيب.

 

ولكن هذه المرّة لم يتمّ إطلاق سراحها بما أنّ شكوك ضبّاط الاحتلال الفرنسي أصبحت مؤكّدة حول دور مريم سعدان الفاعل في مساعدة الثوّار. مع مجموعة من العاملين معها بمستشفى قسنطينة؛ وظلّت تتعرّض للتعذيب اليومي مدّة شهر كاملٍ دون أنْ يتمّ نزع اعترافات منها، وهو ما أدّى إلى استشهادها في 22 جوان 1958.

ولكنّ فضيلة واصلت مسيرتها كفدائيّة بعد وفاة شقيقتها الكبرى مريم، وظلّت لعاميْن كامليْن هدفًا رئيسيًّا للعدوّ في مدينة قسنطينة، حيث دوّخت فضيلة ورفاقها ضبّاط الاحتلال بالعمليّات الجريئة الّتي نفّذوها. وفي 17 جوان سنة 1960، تمّ اكتشاف موقعها من قبل فرقة المظلّات الفرنسيّة الّتي حاصرت المنزل وفجّرته بمن فيه، فارتقت فضيلة شهيدة رفقة من كان معها من رفاقها المقاومين، ونسجت على خطى شقيقتها الشهيدة مريم، لتصبح هذه العائلة الصغيرة بحجم وطن.

 

مريم بو عتّورة

 

 

وُلِدت الشهيدة مريم بوعتّورة بنقاوس ولاية باتنة في عام 1938، وتابعت دراستها بمدينة سطيف حتّى الباكالوريا، لكنّها انقطعت عن التعليم في ماي 1956، استجابة لنداء جبهة التحرير للمشاركة في إضراب الطلبة ومغادرة مقاعد الدراسة.

ثمّ التحقت في السنة نفسها بصفوف المجاهدين في الولاية الثانية “الشمال القسنطيني” بوادي الزهور، كي تعالج الجرحى إلى جانب زعيميْن من زعماء المقاومة، الدكتور الأمين خان والممرّض عبد القادر بوشريط، وهناك ربطتها صداقة متينة بالشهيدة زيزة مسيكة.

وبعد أنْ تمكّنت من قواعد التمريض تحت إشراف الدكتور خان، أُسنِدت لها مسؤوليّة تسيير منزل سرّي لاستقبال جرحى جيش التحرير بناحية القلّ في المنطقة الثالثة.

لكنّ مريم كانت متعطّشة لحمل السلاح في وجه العدوّ، فطلبت من القيادة إشراكها في المعارك، فتمّ تعيينها في خليّة مقاومة بإحدى نواحي مدينة قسنطينة، وشاركت في عمليّات عديدة في هذه المدينة المناضلة تتمثّل في نصب الكمائن للجنود الفرنسيّين ومباغتتهم في معاقلهم بعمليّات خاطفة.

ومع استنفار قوّات الاحتلال الفرنسي للبحث عن مخابئ الفدائيّين، ونتيجة لوشاية أحد الخونة، تمّ تحديد مكان مريم ورفاقها في 08 جوان 1958. فخاض الفدائيّون معركة غير متكافئة مع الفرنسيّين المسلّحين بالمدافع والرشّاشات الثقيلة. ورغم صمودهم، إلّا أنّهم اُستُشهدوا بعد معركة ضارية.

 

مليكة قايد

وُلدت الشهيدة مليكة قايد بأحد أحياء العاصمة في عام 1933، ثمّ انتقلت إلى برج بوعريريج في عام 1942 حيث زاولت عليمها الابتدائي ونالت الشهادة في عام 1947، وتحصّلت على شهادة في التمريض في عام 1953.

في جوان 1955، تلقّت اتّصالًا من طرف العقيد عميروش الّذي طلب منها الالتحاق بجنود جبهة التحرير، فكانت فرصتها لتحقّق حلم طفولتها، أن تعالج الثوّار الجرحى وتحمل معهم السلاح لمواجهة المحتلّ الفرنسي..

وقد أصبحت لانضباطها وكفاءتها عنصرًا فاعلًا جدًّا في جيش التحرير، فلمْ يقتصر دورها على وظيفتها كممرّضة، بل كان لها دور كبير في تنظيم المظاهرات ووضع الخطط العسكريّة والمساهمة في تنفيذها كما كان لها دورٌ كبير في صناعة القنابل اليدويّة.

وأمام هذا النشاط الكبير، أصبحت على لائحة أهمّ المطلوبين لفرنسا خاصّة بعد تفجيرات 5 ديسمبر 1956 بحيّ القصبة العتيقة في العاصمة، لكن لم تستطع قوّات الاحتلال أن تقبض عليها أو تحدّد مكانها، بل عرفت مكانها بعد استشهادها.

ففي 20 جوان 1958، اكتشف جيش الاحتلال مخبأ بعض الثوّار في جبال جرجرة، فتمّ إرسال 3000 جنديٍّ بقيادة الجنرال السفّاح “بيجار”، واندلعت معركة ضارية مع المقاومين، وصادف أن كانت مليكة قايد موجودة في موقع المعركة لعلاج بعض المقاومين، فانخرطت في المعركة حين هاجمهم الفرنسيّون، واستمرّت المعركة لأسبوع كاملٍ. وأمام سقوط كثير من الجرحى في صفوف الثوّار لازمت مليكة منزلًا قريبًا من ساحة المعركة لمعالجة رفاقها.

 

من اليسار إلى اليمين.. سامية لخذاري، زهرة الظريف، جميلة بوحيرد وحسيبة بن بوعلي

 

وفي يوم 28 جوان 1958، قام جيش الاحتلال بالوصول إلى المنزل وقصفه بالقنابل، فاستشهدت مليكة رفقة كلّ المجاهدين الّذين كانوا معها، وهي لم تتجاوز الثالثة والعشرين من عمرها.

لا يمكن الإتيان على كلّ شهيدات الجزائر لكثرتهنّ، فالمقاومة لم تكنْ مقتصرة على بعض النساء الجزائريّات بل كانت عقيدة تبنّتها الآلاف منهنّ، وللذكر لا للحصر بقيت أسماء أخرى في الذاكرة الجماعيّة مثل الشهيدة وريدة مداد والشهيدة وهيبة قبايلي والشهيدة وريدة لوصيف والشهيدة يامنة شايب والشهيدة أومدور وناسة، إلخ…

وكانت حرب التحرير الجزائريّة (من 01 نوفمبر 1954 إلى 19 مارس 1962) مثالًا حيًّا عن استبسال الشعوب في دحر الاستعمار وقدّمت مليون شهيد أو أكثر، وشارك في هذه الحرب كلّ أطياف الشعب من شيوخ ورجال ونساء وأطفال. وظلّت المرأة الجزائريّة حديث العالم لعقود بفضل ما أظهرته من صلابة ومعرفة وبطولة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد