مدوناتغير مصنف

حكايتي مع الثورة السورية

ضاعت أحلام السبعة عشر وماتت لكن حبّي لسوريا لن يموت! بضع سنوات وأبلغ الثلاثين فيا ربي اقلب الموازين

 

كان عمري سبعة عشر، وكنت في الجامعة أدرس الترجمة، يومها توجهت إلينا أستاذة الحضارة الفرنسية بسؤال استغربناه، قالت: “تخيل نفسك في سنّ الثلاثين، كيف ستصبح وأين ستكون؟” كنت أراه بعيدا، بعيدا سنّ الثلاثين هذا، لكن كان من السهل على صبيّة حالمة مثلي أن تتصوّر حياتها وكيف ستغدو في ذلك العمر.

بلغة فرنسية كتبت مستقبلي في سطور، لم يكن يشوب ما كتبت الظنون. كتبت أنني بعد أربع سنوات سأسافر إلى سوريا لاستكمال درجة الماجستير، ففي سوريا يمكنني أن أدرس هذا الاختصاص بإتقان، في سوريا سأجد من يحترم اللغة العربية وفي سوريا سأجد من يحترم الشعر الحرّ، وفي سوريا سأجد نفسي، وفي سوريا سأتعلّم!

 

كتبتُ يومها كلّ شيء إلّا الحقيقة! لم أكتب أنّني في البيت لا أغادر المسلسلات السورية، وأنّني كثيرا ما أدخل بيت جارتنا العجوز لأشمّ عطر الشام ولأتلمّس حوضها الزهري، لقد كان بيتها كلّ ما تبقّى من الذاكرة الشامية في حيّنا، لم أكتب أن حوض الدار لوحده في نظري أغلى من قصور لويس الرابع عشر، لم أكتب أنني أعشق شجرة النارنج العتيقة في بيتنا وزهور الياسمين لأنّها تذكرّني بسوريا، لم أكتب أنّني مشتاقة لها، وأنّي أشعر أنّني مقتطعة منها وكيف أنّي أحسّ أنّني أعرفها جيّدا، لم أكتب أنّني غبت عن امتحانين بسبب مسلسل سوري وأنّ ورقة العطلة المرضية التي سلّمتها لإدارة القسم دفعت مقابلها مبلغا ماليا للطبيب، لم أكتب أنّ قلبي مبرمج منذ الطفولة لاشعوريا على حبّها، لم أكتب أنّني أحبّ سوريا لحدّ الجنون ولن أدّخر حبّي لأكثر من أربع سنوات!

كان عمري عشرين، يوم وصلتني أنباء عن وجع سوري متجدّد، ولم أكن قد تخرّجت بعد، كنت يوميا أنتظر أن تخمد نيرانه لكن بلا جدوى، ثار الشعب السوري لإسقاط النظام الجائر وثرت أنا في البيت لأجل استكمال دراستي في أمريكا بعد التخرج!

مع الثورة السورية، تعلّمت شكلا جديدا من أشكال الحياة، وتغيّرتُ كثيرا، انكسرت أحلامي وضحكتي واصفرّ وجه كتاباتي!

كانت أحلامي تسقط واحدة تلوى الأخرى كلمّا سقط في سوريا جدار، تسقط تباعا كلمّا أغلقت فيها دار، تسقط صرعى كلّما اشتعلت فيها النار وتسقط جزافا كلما أسرها الحصار.

مع حلب سقطت كم من أمنية، مع درعا سقطت كم من دمعة، مع حمص ماتت كم من ضحكة، ومع سوريا ذبلتُ أنا مليون مرّة ومن يومها لم أعد أرى سوريا إلّا في العطل الكبيرة في نشرة الأخبار وأحيانا أدخل الغرفة التي افتقدتني كثيرا فأجد أختي تتهيّأ لتشاهد “باب الحارة” أقف خائرة القوى أذرف الدموع على تتر المسلسل وبالكاد أسكت، في البداية كانت تضحك على حالي لكنها سرعان ما تعوّدت وأصبحت تشفق عليّ!

مرّت السنوات، نضجت وركّزت على ما آتاني الله، كنت كلّما شاهدت مغتربا سوريّا يشكو الوجع السوري، قلت له في نفسي حتى أنا أعيشه مثلك وخسرت بسببه الكثير، خسرت قيمة الأشياء!

 

 

وبعد أن درست العلوم النفسية أصبحت أركّز على الحلول، أفكّر في الذين أُخرجوا من ديارهم، أتابع الصفحات الإنسانية، أناقش عائلتي في شأن التكفل بطفل سوري يتيم، أحدّث أخي عن مشاريعي الإنسانية التي لم أستطع تحقيقها، أخبره أنني أحلم بشراء قطعة أرض كبيرة أبني فيها المنازل والمدارس والمحلات للسوريين الذين أخرجوا من ديارهم تكون لهم سوريا مصغرة يمارسون فيها حياتهم الطبيعية، أتصفّح موقع أطبّاء بلا حدود، أحاول التواصل مع من عاشوا التجربة لأنضمّ فيتّهمني أصدقائي بالجنون، وبين الحنين والآخر أنزوي في ركن أتناول صوت لينا شاماميان ينادي “شآم أنت فتاتي وأمّي حضنت صباي فهل فيك أكبر فما أفعل كي أنال رضاك وفيك بذرت صباي وأبشر” أذرف دموعا وأكتب خربشات شعرية.

أصدقائي يشبهون ثورتهم السورية!

إدلب والغوطة تشبهان كثيرا عبد الله، هما محاصرتان بقصف الصواريخ وعبد الله محاصر بالغربة وعصف الذكريات، وبقدر ما كانت الغوطة تحاول أن تتجدد بعد كل قصف كنت أحس أن عبد الله يحاول أن يتجدد عقب كل ذكرى تستيقظ في قلبه، أحسّه دائما ينزف شوقا ويحاول الهروب منه رغم أنه غارق فيه.

في الغوطة بنى الأبرياء أقبية تحت الأرض ليعلنوا ارتباطهم بالحرية ويستمروا, أحيانا أحسّ أن منشوراته كحياة الغوطيين التي قرأت عنها في التقارير الصحفية تجعلهم يضحكون على أشياء لا تثير الضحك، صموده وتحايله على الحياة أقوى من صمودنا في أوطاننا الآمنة.

 

 

سلمى، حاصرتها وعائلتها الصغيرة الحرب كما حاصرت حمص وحلب ودرعا، هي أم مكافحة تحاول ترميم الحياة وحياكة الأمل من جديد ورسكلة ضحكة الشام في وجه أطفالها.

مروة، الطفلة السورية التي تقف في المنتصف تنتظر موعد انتصار الحلم. هي لم تهاجر ربما لأنها آمنت بمقولة الرافعي “لا تتم فائدة الانتقال من بلد إلى بلد إلا إذا انتقلت النفس من شعور إلى شعور” إنها في كل مرة تتحايل على الألم بالأمل ويا له من أمل، إنه أمل مكسور القلب.

خولة، قلبها الذي صار يكتب عن سوريا ليس نفسه الذي كان يتردد بالهتاف على “سان سيرو” عندما كانت رجلاها مثبّتة في دمشق، سطورها اليوم مثل أقبية الغوطة الشرقية مفروشة بالحصى كلما جلس عليها حرف توجّع وأوجع! خولة حكاية المهاجر الجزائري الذي نشأ في سوريا وتعلق بها فأصبحت أمّه وما أصعب الفطام!

ياسر، لا تزال عيناه تردد بثقة “لا يهم إن حملت ذراعك الأيمن بيدك اليسرى، المهم أن تحمل حريّتك ولو بنصفك”، كثيرا ما يذكرني بمقولة والاس “يمكنكم القضاء عليّ لكن لا يمكنكم القضاء على الحرية”. ياسر يشبه سوريا المبتورة من الحياة ومع ذلك تقاوم. الحرية قد تكلفك ما كلفت وليام والاس يا ياسر ومثلما علقوه على جسر لندن ووزّعوا أطرافه في “نيوكاسل” و”ستيرلينغ” يعلقونك بالذاكرة ويوزعونك في كتاباتنا، نسيت أن أخبرك أنهم علقوا شيئا منها في “أبردين” التي صارت تحتضن تمثاله اليوم! إصرار شاب في الثلاثينات لم يكن إلا سببا في حرية شعبه.

سأختم بأحمد لأن في أحمد سرّ الحريّة، يتجدد أحمد كما يتجدد اشتعال النار وكما يتجدد القصف، هو يؤمن بالتجدد مادام فيه نفس لأن الحرية تعشق المتجددين هو يعلم جيدا خبايا الأمل والصبر الجميل والإصرار على الانتصار، هو لا يؤمن بالفشل، يؤمن بالكفاح ذاك الذي يخبره أن الثورة منتصرة بإذن الله، ورغم أنه عالق في الحرب إلّا أنّنا نتمسّك به  لنقوى، كتاباته العنيدة عن الكفاح تجعلنا نتنفّس لنستمرّ.

علمتني الثورة السورية أن الثورة تصحّح النظرات كما تصحّح المفاهيم، فقد تفاجأت بأخلاق السوريين العالية وتعلقهم بالله.

علمتني أن الحلول البشرية إن توفرت في كلّ مرة فما محل الحلول الإلهية من الحياة؟

علمتني أن ننتظر حلّا إلهيا وألا ننكسر، علمتني أن الحلول البشرية تتطلب منا زيادة أعداد الجنود والأسلحة والحلفاء ولا تكون إلّا بإذن الله، لكن الحل الإلهي لا يستدعي إلا قلبك السليم ليستقر النصر في واقعك “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُم فَاسْتَجَابَ لَكُم أَنِّي مُمِدُّكُم بِألْفٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُرْدِفِين ومَا جَعَلَهُ الله إلّا بُشْرَى ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُم ومَا النَّصْرُ إلّا مِنْ عِنْدِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ”.

علّمتني أن الحرب تمنح كلّ حواء شرف الأمومة حين توزّع اليتامى في الزوايا إلّا من أبَت. علّمتني أنه عليّ تحويل حلمي الذي حدثت أخي عنه لمن يستطيع إليه سبيلا إن لم أستطع طالما يمكن إنقاذ روح وأرجو أن يبادر القادرون.

سينتصر أحمد وستبني سلمى وسيعود عبد الله وخولة وستضحك مروة وسنكتب بذراع ياسر ذاكرة جسد جديدة ولن تغني فيروز بعدها “سنرجع يوما إلى حيّنا”.

ضاعت أحلام السبعة عشر وماتت لكن حبّي لسوريا لن يموت! بضع سنوات وأبلغ الثلاثين فيا ربي اقلب الموازين!

الوسوم

حياة بن بادة

- كاتبة جزائرية ومترجمة وأخصائية في علم النفس ومهتمة بالشأن الإنساني

مقالات ذات صلة

اترك رد