ثقافة

ماذا تعرف عن قرطبة، زهرة الأندلس؟

 

وأين قرطبة دار العلوم، فكم …  من عالم قد سما فيها لـه شـان

وأين حمص وما تحويه من نُـزَهٍ…  ونهرها العذب فياض وملآن

قواعد كن أركان البلاد فـمـا …  عسى البقاء إذا لم تبق أركـان

تبكي الحنيفية البيضاء من أسـف…  كما بكى لفراق الإلف هيمان

على ديار من الإسلام خـالـيةٍ…  قد أقفرت ولها بالكفر عمران

حيث المساجد قد صارت كنائس ما… فيهن إلا نواقيس وصلبان

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة …  حتى المنابر ترثي وهي عيدان

 

بهذه الأبيات، رثى، الشاعِر الأندلسي صالح بن يزيد، الذي يكنى ب”أبي البقاء”، مدينة قرطبة زهرة الأندلس، والتي نظمها بعد سقوط عدد من المدن الأندلسية، وآخرها مدينة غرناطة سنة 1492م.

 

وعنها قال شاعر المرأة، نزار القباني، أنه :

 

“لم يبق من قرطبة”

“سِوى دموعُ المئذناتِ الباكيه”

“سِوى عبيرُ الوردِ، والنارنجُ والأضاليه..”

 

تلك هي قرطبة، قلب الأندلس النابض، الواقعة على ضفاف نهر الوادي الكبير، في الجنوب الإسباني، والتي ماتزال معالمها وآثارها الإسلامية، شاهدة على الفتح الإسلامي، لهذه المدينة الأوروبية، على يد القائد الفذ، “طارق بن زياد”، عام 711م/ 92ه، الذي هزم ملك القوط في معركة عرفت بمعركة “وادي بكة”.

 

وقد اختلف المؤرخون، في  معنى وأصول اسم “قرطبة”، حيث أرجعه البعض، إلى أصول أعجمية من رومانيا، فيما ذهب البعض الآخر، إلى أن التسمية، ذات أصول عربية والتي تعني”العدوُ الشديد”، وهو التفسير الذي اعتمده المؤرخ”ياقوت الحموي“.

 

 

ومما ذُكر في المراجع التاريخية، أن قرطبة، “كانت في عهد عبد الرحمن الثالث الأموي عاصمة لدولة الأندلس، و يستضيء الماشي بسراجها من على بعد عشرة أميال، وبلغ عدد سكانها حوالي المليون نسمة بينما كانت أكبر مدينة في أوروبا لا يزيد سكانها عن ربع مليون نسمة”.

وقد ازدهرت قرطبة الأندلسية في العصر الأموي، 39 عاما، وقد ازدهرت فيها الفنون وخاصة الموسيقى والخط، حيث برزت في ذلك العصر، قرابة 170 خطاطة، كتبن المصاحف بالخط الكوفي.

كما اشتهر عديد العلماء، على غرار عالم العلوم في العصر الإسلامي ابن رشد، وعالم الدين الإمام أبو عبد الله القرطبي، والعالم اليهودي ابن ميمون.

ومما ورد في ذات المصادر، أيضا، أن هذه المدينة الياقوته، اشتهرت بحماماتها العمومية ومرافقها وبيوتها، والتي وصلت الى قرابة مئتان وثلاثة وثمانون ألف.

وأما قصور قرطبة، فقد فاقت 80 ألفا، وبلغ عدد مستشفياتها 50 مشفى، كما بلغت عدد المساجد في هذه المدينة الزاهرة، 600 مسجد، منها ماحول الى كنائس أو حطم بفعل الحروب والزمن.

 

مدينة الزهراء

ارتبطت قرطبة، ب”مدينة الزهراء” التي أنشأها الخليفة عبد الرحمن الناصر، لزوجته، سنة 936 م، التي قالت له، لما رأت منه من حب وعشق كبيرين “اشتهيت لو بنيت لي مدينة تسميها باسمي، وتكون خاصة لي”.

وقد اشتهرت المدينة بالحسن والجمال، والعشق والشعراء، على غرار الشاعر ابن زيدون، الذي كتب فيها أشهر قصائده في “ولّادة”: “انيِّ ذكرتكِ بالزّهراء مُشتاقَا ‏… والأفقُ طلقٌ وَوَجهُ الأرض قد راقَا‏”.

غير أن المدينة، التي يقع فيها “دار الروضة”، وهي قصر “عبد الرحمن الناصر”، قد احترقت تماماً خلال ثورة البربر سنة 1020م، ويجري حاليا ترميمها.

 

مسجد قرطبة

يعتبر مسجد الجامع، من أشهر المعالم الإسلامية في قرطبة، وقد وقع تصنيفه،  من قبل اليونسكو ليكون موقع تراث عالمي، غير أن هذا المعلم الإسلامي، الذي حافظ على خصوصياته المعمارية، من أعمدة وأقبية ونقوش إسلامية،  قد تحول إلى كاتدرائية، وأصبح يعرف ب”مسجد الكاتدرائية”، في حين كان يعرف ب”جامع الحضرة “أي جامع الخليفة، الذي أمر ببنائه سنة 785 م، في مساحة 4875 مترا مربعا.

 

 

وعلى غرار المسجد الكبير في قرطبة، تحولت أيضا بعض المساجد، إلى كنائس، من ذلك “كنيسة سان لورينزو”، والتي ترجع إلى القرن13 و تعتبر واحدة من أروع الأمثلة على عمارة العصور الوسطى في قرطبة، وماتزال تحتفظ بمعمارها الجامع بين النمط العربي والغربي، من ذلك أنه يوجد مثلا أمام مدخل الكنيسة ممر مزين بثلاث أقواس، كما يضم المبنى أيضا برجا يمثل مئذنة المسجد سابقا.

 

الحمامات العربية

عرفت قرطبة، أيضا بحماماتها، التي حافظت على  طابعها الأندلسي، والذي يتميز بتكونه من ثلاث غرف رئيسية، ذات جدران حجرية والمتمثلة في: غرف باردة وغرف معتدلة وغرف ساخنة، فضلا على الأقواس نصف دائرية و التيجان والأعمدة الرخامية، والتي عرفت ازدهارا كبيرا، في العهد المرابطي والموحدي.

غير أنه تشير المصادر، الى أنه تم تحويل هذه الحمامات وخاصة الملوكية، منها الى مجموعة متاحف، وذلك في 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2006، وبعد القيام بمجموعة من الإصلاحات و العمليات الترميمية التي دامت لسنتين.

 

قصور قرطبة

تميزت مدينة قرطبة، بقصورها الشامخة، التي شيدها الملوك والخلفاء، حين بنوا الحضارة الإسلامية في إسبانيا، من ذلك مثلا “قصر فيانا”، والذي مثل في تلك الفترة، بقصر الأرستقراطية، مثل مقرا للخلافة الأموية، إلى حين غزو المدينة من قِبل الملك الكاثوليكي فرناندو الثالث سنة 1236 ميلادي. وقد تميز  بباحاته الإثني عشر، والتي صممت على الطراز الأندلسي مع نوافير الزينة والمسطحات الخضراء.

 

 

كما يحتوي القصر على  الحديقة الخاصة به، والتي تتميز بخضرتها ونافورات مياهها العذبة، كما يحتوي قصر فيانا أيضاً على مجموعة من الأثاث العتيق و الجلود.

 

الأسوار العربية

من الآثار المعمارية الإسلامية المتبقية من قرطبة الأندلسية، الأسوار، التي أقامها  الأمويون، لتحصين مدن الأندلس، ومن ذلك مثلا، “السور الغربي”، الذي رممه الأمير عبد الرحمن الداخل سنة 150هـ، والتي مازالت بقاياه قائمة إلى يومنا هذا، وقد عرف  ب”سور قرطبة الروماني”، الذي وضعت أسسه من قطع الحجارة المهذبة القطع.

كما شيدت في المدينة أسوار أخرى، عندما اشتعلت نيران الفتنة، حيث أقيم لكل جانب من الأرباض خندق يدور بها سور مانع يفصلها عن غيرها، منها سور “المدينة الوسطى” والذي يعرف أيضا ب” القصبة”، وقد بني على شكل متوازي الأضلاع لا يتجاوز محيطه أربع كيلومترات، وتنفتح فيه سبعة أبواب.

شهدت أسوار قرطبة، تجديدا في عصر الموحدين و أحيطت بأسوار أمامية مبالغة في تحصين المدينة، وقد بقيت أجزاء من هذا السور الموحدي قائمة حتى وقتنا هذا على الأخص في الجانب الغربي من المدينة.

 

قنطرة قرطبة

تحتوي قرطبة، أيضا، على جسر كبير، والذي يعرف ب”قنطرة قرطبة”، والتي تعتبر من أهم المعالم الإسلامية، وتقع على نهر الوادي الكبير ويبلغ طولها أربعمائة متر تقريبا وعرضها أربعين مترا وعلى ارتفاع ثلاثين متر، والتي أمر بترميمها الخليفة بن مالك بحجارة السور الروماني المهدم من الناحية الغربية.

 

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد