مجتمعالرئيسي

في كأس العالم: منتخب سويسرا في قلب أزمة الهوية الأوروبية

هل يمكن أن تكون سويسريًا وكوسوفيًا وألبانيًا في الوقت ذاته؟ وهل يمكن أن تكون سويسريًا ومسلمًا في آن واحد؟

 

 

كانت هناك مخاوف من أن الاحتفالات بتسجيل الأهداف قد  تثير الكثير من التوترات السياسية في البلقان على حد تعبير موقع “إي إس بي إن” الأمريكي. فبعد الأهداف الحاسمة التي سجلها النجمان السويسريان، الألبانيان الكوسوفيان، جرانيت تشاكا وشيردان شاقيري في كأس العالم ضد فريق صربيا، قام كل منهما بإشارة بأيديهما تعبر عن النسر المزدوج الذي يظهر على العلم الألباني.

 

في الحقيقة، تعد هذه الإشارة بمثابة رسالة سياسية موجهة إلى الأمة التي ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية في حق شعب كوسوفو، وما زالت ترفض مطالب هذا البلد بالحصول على الاستقلال. وفي أعقاب المباراة، ناقشت الفيفا مسألة اتخاذ إجراءات تأديبية بحق اللاعبيْن، حيث ينص القانون التأديبي للفيفا على فرض عقوبة على “أي لاعب يستفز الجمهور العام خلال المباراة، ومنعه من المشاركة في مباراتين”.

 

أما في سويسرا، فتعددت الانتقادات واتخذت اتجاهات مختلفة، حيث انزعج القوميون اليمينيون من احتفال تشاكا وشاقيري من خلال القيام بإشارة تخص بلد آخر، بينما كانا يرتديان قميص المنتخب السويسري. وقد كانت هذه الإشارات دليلا على أنهما، وغيرهما الكثير من زملائهما في الفريق، ليسا “سويسريان بما يكفي” كي يمثلا سويسرا في كأس العالم.

 

في هذا السياق، أشارت عضوة في المجلس الوطني من حزب الشعب السويسري المناهض للمهاجرين، ناتالي ريكلي، إلى أنه “تم تسجيل هدفين لصالح كوسوفو وليس سويسرا”. وأضافت ريكلي أنه “في كأس العالم، يجب أن نؤيد سويسرا ونلعب من أجل عيون سويسرا”. وكانت ردود الفعل الغاضبة، التي غذتها المشاعر المناهضة للمهاجرين نفسها التي اجتاحت أوروبا وأجزاء أخرى من العالم في السنوات الأخيرة، متوقعة فضلا عن أنها كانت متعصبة.

 

الجدير بالذكر أنه لم يستفد أي من الفرق 32 المترشحة لكأس العالم من موجة الهجرة مثلما هو الحال بالنسبة لسويسرا، ولم يكن أي منها أكثر ثباتاً من هذا البلد في قلب أزمة الهوية والقومية الأوروبية. وقد وُلد ثمانية من لاعبي المنتخب السويسري في كأس العالم، البالغ عددهم 23 لاعباً، خارج الأراضي السويسرية. ويعد هذا الرقم هو الأعلى مقارنة بأي فريق أوروبي آخر مشارك في مونديال روسيا، ومن جميع فرق البطولة باستثناء ثلاثة فقط.

 

وعلى سبيل المثال، تضم القائمة السويسرية سبعة لاعبين لهم روابط مع البلقان بما في ذلك تشاكا وشاقيري. ويضم الفريق لاعباً ولد في ساحل العاج، وآخر في الرأس الأخضر وثلاثة في الكاميرون. فضلا عن ذلك، وُلد المدافع مانويل أكانجي لأم سويسرية وأب نيجيري، بالإضافة إلى أن لاعب خط الوسط دينيس زكريا له أصول سودانية وكونغولية في الوقت ذاته.

 

في الواقع، لولا أولئك المهاجرين، الذين يلعب عدد كبير منهم في صفوف الأندية الكبرى ضمن أفضل بطولات الدوري في أوروبا، لما وصلت سويسرا إلى روسيا. لكن، لطالما كان هذا البلد، الذي يمثله هؤلاء المهاجرون، ينظر بعين الريبة لإخوانهم القادمين من بلدان أخرى ويرى أن نجاحهم لا يعني أن هناك فائدة من وجودهم، وإنما كإدانة للهجرة الموسعة التي أضعفت الهوية السويسرية. وفي الواقع، يتفق الكثير من السويسريين مع هذا الموقف.

 

على صعيد آخر، يحتل حزب الشعب السويسري، الذي تنتمي إليه ريكلي، 65 مقعدا من أصل 200 في المجلس الوطني السويسري، وذلك أكثر من أي حزب آخر، إذ حصل على 11 مقعدًا في انتخابات سنة 2015. كما فاز الحزب بنحو 30 بالمائة من الأصوات الوطنية، محطما بذلك الرقم القياسي الذي حققه قبل عقد من الزمن.

 

بعد ذلك، نجح حزب الشعب السويسري في اتخاذ إجراءات للحد من الهجرة والرموز الثقافية المرتبطة بالأجانب والأديان الأخرى، وبالإسلام على وجه الخصوص. وخلال سنة 2009، وافق 57 بالمائة من سكان سويسرا على اتخاذ إجراء لحظر بناء مآذن جديدة في البلاد. وبعد مرور خمس سنوات، وافق الناخبون بشكل ضيق على استفتاء للحد من الهجرة عن طريق فرض نظام الحصص على عدد المهاجرين المسموح لهم بدخول البلاد. كما نظرت سويسرا في مسألة حظر النساء المسلمات من ارتداء البرقع.

 

من جانب آخر، عزز حزب الشعب السويسري نفوذه من خلال مناهضة موجة الهجرة، التي جعلت الفريق الوطني السويسري يبدو على ما هو عليه اليوم، واستخدمت تعدد هويات لاعبي الفريق الوطني من أجل الدفاع عن قضيته الرئيسية.

وقبل انطلاق فعاليات كأس العالم، وصف عضو الحزب الشعب الجمهوري، رونالد كوبيل، المنتخب الوطني السويسري بأنه “فرقة مخضرمة من المرتزقة الأجانب الذين يتكلمون باللهجة البلقانية”، وفقا لما أفادت به وكالة فرانس برس. كما أشار كوبيل إلى لاعبي المنتخب الوطني السويسري الذين ينتمون إلى أصول سويسرية بكلمة “أونسويس”، الذي يعد مصطلحا يحمل معاني مهينة للأجانب.

 

لولا أولئك المهاجرين، الذين يلعب عدد كبير منهم في صفوف الأندية الكبرى ضمن أفضل بطولات الدوري في أوروبا، لما وصلت سويسرا إلى روسيا

 

من جانبها، صرحت المديرة المشاركة في معهد سياسة الهجرة المتخصص في الهجرة الأوروبية، نتاليا بانوليسكو بوغدان، أنه “يمكن اعتبار فريق كرة القدم بمثابة نموذج مصغر لموجة الهجرة”. وتابعت بوغدان أن “هناك نسبا مرتفعة من الهجرة، وأشخاص ذوي هويات مزدوجة. ولذلك، لسائل أن يسأل، هل تعد الهوية لعبة محصلتها صفر؟ وهل يمكن أن تكون سويسريًا وكوسوفيًا وألبانيًا في الوقت ذاته؟ وهل يمكن أن تكون سويسريًا ومسلمًا في آن واحد؟ وهل يمكنك أن تفخر بالبلد الذي ولدت فيه، وبلد أجدادك؟

 

لطالما ضمت سويسرا عددا كبيرا من السكان المولودين خارج حدودها. فبين سنة 1960 و1990، كانت نسبة السكان الذين ولدوا في بلدان أخرى تتراوح بين 17 و18 بالمائة. لكن، وبالنظر إلى أن معظم هؤلاء المهاجرين وصلوا من إيطاليا وإسبانيا ودول أخرى من أوروبا الغربية، فإن حدود الهوية السويسرية نادرا ما تمتد إلى أبعد من العرق الأبيض الأوروبي.

 

لم يستفد أي من الفرق 32 المترشحة لكأس العالم من موجة الهجرة مثلما هو الحال بالنسبة لسويسرا، فقد وُلد ثمانية من لاعبي المنتخب السويسري في كأس العالم، البالغ عددهم 23 لاعباً، خارج الأراضي السويسرية. ويعد هذا الرقم هو الأعلى مقارنة بأي فريق أوروبي آخر مشارك في مونديال روسيا، ومن جميع فرق البطولة باستثناء ثلاثة فقط

 

في أواخر التسعينات والألفية الثانية، سرعان ما بدأت سويسرا في قبول المهاجرين الجدد، وبالتالي، بدأت معدلات الهجرة في كل من البلقان وأفريقيا وتركيا، بالإضافة إلى الشرق الأوسط في الإرتفاع. وفي الفترة الممتدة بين 1990 و1994، أقدمت الحكومة على تجنيس ما معدله عشرة آلاف مهاجر سنويا. عدا ذلك، ارتفعت هذه المعدلات لتصل إلى متوسط ​​35 ألف شخص في الفترة بين سنة 2000 و2005، لتبلغ ذروتها بحلول سنة 2006، بإجمالي 50 ألف مهاجر وقع تجنيسهم.

 

وبحلول سنة 2016، بلغ عدد الأجانب القاطنين في سويسرا مليوني شخص، حيث يمثلون حوالي ربع سكان البلاد. وحتى اليوم، ينحدر معظمهم من دول الاتحاد الأوروبي، وخاصة، ألمانيا وإيطاليا والبرتغال. إلى جانب ذلك، بلغ عدد المهاجرين الكوسوفيين ما يقارب 110 ألف شخص في سويسرا، بالإضافة إلى ما لا يقل عن 300 ألف شخص من كرواتيا ومقدونيا، وصربيا أو البوسنة.

 

يمكن اعتبار فريق كرة القدم بمثابة نموذج مصغر لموجة الهجرة

مديرة معهد سياسة الهجرة، نتاليا بانوليسكو بوغدان

 

وبينما بلغ عدد الأفارقة في البلاد أكثر من 100 ألف شخص، يعتبر 60 ألف تركي سويسرا بمثابة موطن لهم. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تضم بالضرورة الأجانب ممن ولدوا داخل البلاد، لوالدين من الجيل الأول أو الجيل الثاني من المهاجرين.

 

وعموماَ، شكل ذلك هوية المنتخب الوطني السويسري. وحين تأهلت سويسرا لبطولة كأس العالم سنة 1994، كان جميع اللاعبين المدرجين ضمن تشكيلتها قد ولدوا داخل البلاد. وفي النسخة التالية، التي تأهلت فيها سويسرا، في سنة 2006، كان نصف فريقها تقريباً مكوناَ من لاعبين من الجيل الأول أو الثاني من المهاجرين، وبدا السؤال المطروح هو: هل “المنتخب السويسري سويسري الهوية حقًا؟”

 

وبعد ثلاث سنوات، مثّل كل من اللاعبيْن، تشاكا وشاقيري، فئة من المهاجرين الشباب الذين قادوا سويسرا إلى نصر غير متوقع في بطولة كأس العالم تحت 17 سنة في سنة 2009، وهي بطولة لم يسبق لسويسرا التأهل لها، كما لم تفعل هذا مجددا منذ ذلك الحين.

 

لم يستفد أي من الفرق 32 المترشحة لكأس العالم من موجة الهجرة مثلما هو الحال بالنسبة لسويسرا

 

مع تقدم مجموعة النجوم الشباب في السن، بدا المنتخب السويسري كواحد من أفضل الفرق في أوروبا، وواحدًا من أكثر الفرق تنوعًا عرقياَ في العالم أيضًا. وفي مختلف أنحاء أوروبا، وقد اعتبرهم الجميع سويسريين، ولكن ليس بالشكل الذي اعتدنا عليها نحن. وفي نهائيات كأس العالم لسنة 2014، بالإضافة إلى بطولة أمم أوروبا 2016، لم تكن أي من الفرق الأخرى تتمتع بذلك العدد من اللاعبين من أصول أجنبية مثلما هو حال المنتخب السويسري.

 

خلال سنة 2014، بلغ عدد اللاعبين ممن ولدوا خارج البلاد أو كانت أصولهم أجنبية 15 من أصل 23 لاعباً ضمن تشكيلة الفريق في كأس العالم، بما في ذلك القادمين من البوسنة وألبانيا ومقدونيا، بالإضافة إلى الرأس الأخضر وساحل العاج وإيطاليا وكرواتيا وتشيلي وتركيا.

 

وحسب ما صرحت به بانوليسكو بوغدان، لم تستقبل سويسرا أعدادا كبيرة من المهاجرين واللاجئين القادمين من البلقان أو حتى المسلمين، بالمقارنة مع الدول الأوروبية الأخرى، على الرغم من تعصب حزب الشعب السويسري. كما تراجعت طلبات اللجوء المقدمة إلى الحكومة السويسرية في السنوات الأخيرة.

 

وفي الوقت ذاته، يعد التنوع العرقي المتأصل في البلاد، التي تعتمد أربع لغات رسمية، مصدر فخر للعديد من السويسريين، بالإضافة إلى كونها لا تعتمد أي ديانة رسمية وتحظى بمجموعة ضيقة من المعالم الثقافية التي تعد سويسرية بالأساس. لكن هذا ما يجعل من الفريق الوطني نقطة محورية قوية لمعارضي الهجرة، على غرار حزب الشعب السويسري، حيث أنها قوة موحدة برزت من خلالها الهوية السويسرية المتغيرة بشكل أوضح.

 

هل تعد الهوية لعبة محصلتها صفر؟ وهل يمكن أن تكون سويسريًا وكوسوفيًا وألبانيًا في الوقت ذاته؟ وهل يمكن أن تكون سويسريًا ومسلمًا في آن واحد؟ وهل يمكنك أن تفخر بالبلد الذي ولدت فيه، وبلد أجدادك؟

 

وأشارت بانوليسكو بوغدان إلى أن “ما تكشفه المواقف العامة بشأن الهجرة يتمثل في أن المسألة المتعلقة بمعدلات الهجرة ليست وحدها ما يتسبب في القلق العام. وفي الواقع، يتعلق الأمر بالنسق الذي يحدث التغيير بناء عليه، وما إذا كانت قد حدثت هذه التغيرات بشكل أسرع من المتوقع، بالإضافة على مدى تجلي ملامحها”.

لطالما كان كل من اللاعبيْن تشاكا وشاقيري موضوع نقاش عند فتح باب الجدل المتعلق بمسألة الهجرة والهوية في سويسرا. وأثناء مباريات المنتخب الوطني، اعتاد شاقيري ارتداء أحذية رياضية تزينها ألوان العلم الألباني والكوسوفي، وهذا ما جلب له عديد الانتقادات من المشجعين والسياسيين السويسريين على حد سواء.

 

من جهته، واجه تشاكا انتقادات إعلامية حول عدم بذله مجهودا واضحا وتقديمه لأداء ضعيف خلال إحدى المباريات ضد ألبانيا في سنة 2015. وتساءل البعض عما إذا كان اللاعب قد تعمد تفويت فرص إحراز هدف داخل شباك منتخب كان مؤهلاً في السابق للعب معه. وتجدر الإشارة إلى أن شقيق تشاكا، المدعو تاولانت، يلعب في صفوف المنتخب الألباني حالياً. إلى جانب ذلك، تدخل أعضاء المنتخب السويسري، أيضا، لتقديم وجهات نظرهم حول مسألة هوية زملائهم في الفريق.

 

في هذا الإطار، صرح قائد الفريق الوطني السويسري، ستيفان ليختشتاينر، لإحدى الصحف اليمينية في سنة 2015 قائلا: “بالنسبة إلي، لا يتعلق الأمر بمن هو ‘السويسري الحقيقي’، ومن هو ‘السويسري الآخر’، بل يتعلق بمسألة ما إذا كان لا يزال الأشخاص قادرين على الشعور بالانتماء إلى المنتخب الوطني”.

 

 

وبشكل عام، لم يحظ حزب الشعب السويسري بشعبية كبيرة. ففي العقدين الأخيرين، وقع رفض عدد كبير من إجراءات الاقتراع المتخذة ضد الهجرة من قبل السويسريين. كما أجبر تعصب هذا الحزب المواطنين السويسريين على التعامل مع التعقيدات الناجمة عن سياسة الهجرة، تماما مثلما اضطر البريطانيون إلى التعامل معها بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. فضلا عن التعقيدات التي قد تفرضها سياساتهم المدعومة بشكل متسرع على مسألة استقدام العمالة وحرية الحركة والعلاقات داخل الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي ساهم في إقناع سويسرا بتخفيف اللهجة الحادة التي اعتمدتها الحكومة خلال استفتاء سنة 2014.

كما حملت احتفالات كل من تشاكا وشاقيري بالفوز تعقيداتها الخاصة، التي سينظر فيها المعجبون السويسريون الغاضبون لاحقا. ولو قررت إدارة الفيفا منع الثنائي من اللعب في مباراة سويسرا الأخيرة ضمن مرحلة المجموعات ضد كوستاريكا يوم الأربعاء، فربما ما كان لينتقل المنتخب الوطني إلى مرحلة خروج المغلوب في كأس العالم للمرة الثانية على التوالي. وعوضاً عن ذلك، اكتفت الفيفا بفرض غرامة على اللاعبيْن، بالإضافة إلى اللاعب الثالث، قائد الفريق، ستيفان ليختشتاينر، الذي انضم إليهما خلال قيامهما بحركة “النسر المزدوج” المؤيدة لكوسوفو.

لم يسجل أي من تشاكا وشاقيري أي أهداف في مباراة سويسرا ضد كوستاريكا يوم الأربعاء. وعوضا عن ذلك، كان بليريم جمايلي، ذو الأصول المقدونية، بالإضافة إلى يوسيب درميتش، الابن لوالدين كرواتيين، من قام بإحراز أهداف للمنتخب. وربما لا يعتبرهما الحزب اليميني في البلاد سويسريين بدرجة كافية، لكنهما سويسريان بالقدر الذي خول احتساب هدفيهما لصالح المنتخب السويسري. وفي الوقت الراهن، انتقلت سويسرا إلى الدور 16.

 

ترجمة ميم

الكاتب: ترافيس والدرون

الموقع: هافينغتون بوست

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد