ثقافة

هيلين كيلر: قصة أديبة وباحثة عجيبة

 

لقبت هيلين كيلر، بالمعجزة وانتصرت لذاتها ضدّ محنة العمى والصمّ ،فحررت الآخرين من سجن فقدان الحواس بدافع الإرادة وشغف العلم. وأضحت إحدى أبرز العاملات في المجال الإنساني في القرن العشرين. 

ولدت هيلين آدمز كيلر في 27 يونيو/جوان 1880 بولاية ألاباما الأمريكية، لكن سرعانما أصيبت بداء أفقدها حواسها فباتت عاجزة عن مجاراة محيطها وفهم ما يدور حولها. وكانت، آن سوليفان، معلمتها، الداعم الأساسي لها، لتخلد إسما ظل محفورا في الذاكرة العالمية في مجالي الأدب وعلم الاجتماع.

وتحولت من فتاة تبحث عن ذاتها إلى سيدة مؤسّسة، قادت قصة نجاحها فتوجت خلال مسيرتها بالعديد من الألقاب تقديراً لإنجازاتها.

العلم في مواجهة الفقدان

بعد إصابتها عام 1882، بمرض  “حمى الدماغ”،  لاحظت والدة كيلر أن ابنتها غير قادرة على إظهار ردة فعل تجاه حركاتها أو تجاوبا مع كلماتها،  وأنها لا تأبه لقرع الجرس، حتى اكتشفت فقدانها لحواسها.

فقدان لم يمنع الفتاة العمياء والصماء والبكماء، من تجاوز عاهاتها وتطوير مهاراتها وتثبيت اسمها كسيدة رائدة ومستحيلة على المجتمع الذي تعيش فيه.

إذ يقول  الكاتب الأمريكي الشهير مارك توين “أدعى الشخصيات إلى الإعجاب والاهتمام في القرن الـ19 كله شخصيتان: هيلين كيلر ونابليون”.

 

 

فرغم عجزها المبكر، أضحت قارئة نهمة للكتب وأكثر مما استطاع المبصرون قراءته وقد ذكر أنها قرأت مائة مرة ضعف القارئ المتوسط.

وألّفت في مرحلة لاحقة 7 كتب، كما ألّفت فيلما سينمائيا عن حياتها ومثلت فيه. وألقت محاضرات في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم.

يعود الفضل في ما وصلت إليه إلى معلمتها “آن سوليفان”، التي أتقنت تدريبها وحسنت سلوكياتها وزرعت فيها بذرة الخيال. بعد أن مكثت كيلر لسنوات على حالها دون تطور حتى راسل والدها معهد “بيركنز للعميان” في مدينة بوسطن، من أجل إيجاد حل لابنته، فنصحه  الدكتور “ألكسندر جراهام بل” مخترع الهاتف، بأن يحاول علاجها وتعليمها عن طريق المعهد.

 

 

تقول كيلر في كتابها “قصة حياتي العجيبة”، “لست أعلم متى تحققت من كوني مختلفة عن الآخرين لكنني عرفت ذلك فعلا قبل مجيء معلمتي”.

وأضافت “كان أهم يوم في حياتي على ما أذكر هو ذلك اليوم الذي جاءت إليّ فيه  وليملأني العجب حين أفكر في الفوارق بين هذين الشطرين من حياتي”.

ملأت معلمتها قلبها بالحقائق الجميلة وبأسرار اللغة من خلال الإشارات التي علمتها إياها فارتبطت روحها بالآخرين وشكلت صداقات مع محيطها.

استمرت المعلمة مع هيلين لسنوات وطورت لها مهاراتها ودفعتها للنطق مع بلوغها سن العشرين. إذ تعدّ ملكة الكلام أول هبة استرجعتها بعد أن دخلت كلية “رادكليف”. و أول ما نطقت به “لم أعد خرساء”.

أما حاسة اللمس، فهي مرهفة جدا بالنسبة إليها، علاوة على استمتاعها بالموسيقى بمجرد وضع يدها على الالة الموسيقية أثناء العزف. كما تستمع الى المذياع من خلال تحسسه، مثل فهمها لكلمات أغنية بلمس حنجرة المغني.

وجاء في كتاب “خالدون” لـ”ديل كارنيجي”، أن كيلر تذكر كل شخص صافحها ولو بعد 5 سنوات بمجرد لمس اليد وتعرف إن كان مسرورا أو لا.

وذكر أنها تهوى السباحة والتجذيف وامتطاء الجواد كما تجيد لعبة الشطرنج بأدوات لعب صنعت لها خصيصا.

فيما تعتبر هيلين أن الصمم أشد وطأة على الإنسان من العمى لأن الأصوات التي تحيط بها أشد أهمية من الأشكال والألوان.

 

كيلر الحقوقية والسياسية

بعد التخرج، بدأت حياة كيلر المهنية دون التوقف عن التعلمّ بهدف تعزيز مكانة من فقدوا حواسهم وتحسين وضعيتهم. فذاع  صيتها وأضحت محاضرة معروفة من خلال مشاركة تجاربها مع الجماهير.

وخلال النصف الأول من القرن العشرين، ساهمت في معالجة بعض القضايا الاجتماعية والسياسية، بما في ذلك حق المرأة في التصويت، وتحديد النسل. كما قدمت شهادت أمام الكونغرس، داعية إلى تحسين وضعية المكفوفين.

وفي في عام 1915، أحدثت مؤسّسة “هيلين كيلر انترناشيونال” لمكافحة أسباب وعواقب العمى وسوء التغذية. كما دعّمت تأسيس الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية.

 

 

وشاركت هيلين في عضوية الاتحاد الأمريكي للمكفوفين عام 1921، و العديد من الحملات لرفع مستوى الوعي والدعم للمكفوفين. كما انضمت إلى منظمات أخرى مكرسة لمساعدة الفقراء منهم، بما في ذلك صندوق إغاثة الحرب الدائمة للمكفوفين”.

ودخلت كيلر المعترك السياسي من بوابة الحزب الاشتراكي، ويرجع ذلك إلى صداقتها مع جون ميسي زوج معلمتها.

وبين عامي 1909 و1921، كتبت عدة مقالات عن الاشتراكية ودعمت يوجين دبس، مرشح الحزب الاشتراكي للرئاسة. كما عنونت سلسلة مقالاتها عن الاشتراكية، بـ “خارج الظلام”.

وعينت عام 1946، مستشارة للعلاقات الدولية للمؤسسة الأمريكية للمكفوفين الأجانب. وسافرت إلى 35 دولة في خمس قارات.

قصة حياتي

بعد كتابة سيرتها الذاتية، تم تحوبل “قصة حياتي”، إلى دراما تلفزيونية عام 1957 The Miracle Worker، ثم إلى مسرحية تحمل نفس العنوان، من بطولة باتي ديوك في دور كيلر وآن بانكروفت في دور سوليفان. كما قامت الممثلتان بأداء دورهما في النسخة السينمائية الحائزة على جوائز عام 1962.

 

 

لم تتزوج كيلر ولكن نقل الكثير عن علاقة سرية جمعتها بحبيبها، حتى أنها تحدت معلمتها وعائلتها وحاولت الفرار معه”.

توفيت كيلر أثناء نومها بداية يونيو/ جوان 1968، قبل بضعة أسابيع من عيد ميلادها الثامن والثمانين. وبقيت نموذجا علميا وإنسانيا من خلال التصميم والعمل الجاد رغم الصعوبات.

 

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد