مجتمع

علماء تونس يرفضون مقترحات لجنة الحريات الفردية والمساواة

مجتمع

 

يحتدم الجدل منذ أيام في تونس، حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، الذي تقدمت به لرئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، مطلع الشهر الجاري، باعتبار أنه يتضمن توصيات واقتراحات تتعارض مع تعاليم الشريعة الإسلامية ومع أحكام الدستور التونسي.

 

ويتضمّن التقرير الذي يقع في 233 صفحة وردت في جزأين، جزء مخصّص “للحقوق والحريات الفردية”، شمل إلغاء تجريم المثلية، وإسقاط عقوبة الإعدام ورفع القيود الدينية على الحقوق المدنية.

وجزء ثان يتناول مسألة “المساواة” التامة بين الجنسين وخاصة في مسألة الميراث، والمساواة بين جميع الأطفال، بمن فيهم المولودين خارج إطار الزواج.

مقترحات على خطى الحدّاد؟

يعتبر أعضاء اللجنة أن التوصيات والمقترحات الواردة في التقرير لا تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي ولا مع أحكام الدستور، نظرا لأنها قد استندت حسب رأيهم إلى “المنهج الاجتهادي التحديثي” الذي سلكته تونس منذ القرن 19 للتكيف مع متطلبات التطور الحضاري والمجتمعي، مشددين في ذات الوقت على أن هذه الخطوة شبيهة بما أقدم عليه المفكر والمصلح التونسي الطاهر الحداد في كتابه “امرأتنا بين الشريعة والمجتمع”، وما لحقه من ثورة مجتمعية بإصدار مجلة الأحوال الشخصية التي كسبت من خلالها تونس الريادة المجتمعية على المستوى العربي والإسلامي.

وخلال حضورها في برنامج إذاعي، صرحت رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة والنائب بمجلس نواب الشعب عن الكتلة الوطنية، بشرى بلحاج حميدة، أنّ اللجنة استندت في مقترحاتها التي تضمّنها التقرير إلى دستور جانفي 2014، مشيرة في ذات الصدد إلى أن مرجعية الدستور ليست الشريعة الإسلامية.

وحول مسألة الميراث أكدت بلحاج، أن اللجنة قد عملت على ضمان المساواة كمبدأ،  ولكنها لم تحرم المورّث من التمسك بالقاعدة الدينية في وصية مكتوبة إن رغب في ذلك.

 

مساس بالمقدسات الإسلامية؟

من جانبهم، عبر مشايخ الزيتونة، وعلماؤها عن رفضهم لمقترح لجنة الحقوق والحريات الفردية، معتبرين، أنه مساس بالمقدسات الإسلامية، التي يحميها دستور الثورة.

كما شدد أعضاء “التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة”، والتي تضم ثلة من من المحامين والدكاترة الزيتونيين المهتمين بالشأن الديني، على غرار، الدكتورة فاطمة شقوت أستاذة القرآن وعلومه بالجامعة الزيتونية، وأستاذ علم المقاصد بجامعة الزيتونة، ووزير الشؤون الدينية السابق، نور الدين الخادمي، على أن مقترحات التقرير، في مجملها “قوانين هادمة للأسرة و مخلّة بتعاليم الدين الإسلامي، وتتعارض مع ما ورد في توطئة الدستور”، علاوة على أنها “تبيح الشذوذ وتلغي القوامة وتحرم المرأة حقها الشرعي في النفقة”.

كما نبهوا إلى أنّ

 

ما جاء في التقرير يهدم الأركان الأساسية، للشريعة الإسلامية وهي “حفظ النفس والنسل والعقل والمال والدين

 

وعبرت التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة في تعليقها على ما جاء في تقرير لجنة الحريات الفرديّة والمساواة من مقترحات عن استنكارها لكلّ ما يمسّ الضوابط الشرعية ويتعارض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة، سواء في علاقة بمسألة المواريث أو العدّة أو الحضانة أو الولاية أو المهر أو تجريم الزنا أو المساحقة أو اللواط أو النسب… وسائر الأحكام الشرعية قطعيّة الدلالة.

وأكدت في ذات الصدد، إدانتها لكلّ التوجّهات الرامية إلى اجتثاث المرجعية الإسلامية من التشريع واختزال الإسلام في مجرّد عنصر حضاري على نحو أُخِضِع فيه فهم الفصل الأول من الدستور لأغراض أيديولوجية.

رفض قطعي

وأعلنت التنسيقية في بيان تلقت مجلة ميم نسخة منه، رفضها القطعي لكل المقترحات التي تضمنها هذا التقرير، واستهجانها “لأساليب المغالطة التي انطوى عليها التقرير بداعي تطوير الحياة الاجتماعية والعلاقات البشرية مع أنّ ما تحمله يسهم في تفكيك أواصر المجتمع وهدم كيان الأسرة واختلاط الأنساب و التطاحن حول المواريث وتدمير الانسجام الذي يميّز المجتمع التونسي منذ قرون، معلنة استعدادها للتصدّي بكلّ الطرق السلميّة والقانونيّة، وبأسلوب الحوار العلمي لكلّ المخطّطات الرامية إلى ضرب الدين وإبعاده تماما عن الحياة، وتفتيت وحدة المجتمع التونسي”.


ودعت التنسيقية رئيس الجمهوريّة إلى التّراجع عن هذه المبادرة الّتي قالت إنها تتعارض مع الدّين ومقاصده ومع الدستور ومبادئه.

كما طالبت أعضاء مجلس نوّاب الشّعب برفض مقترح مشروع قانون أساسي يتعلّق بمجال الحقوق والحريات الفرديّة، ومقترح مشروع قانون أساسي يتعلّق بالقضاء على التّمييز ضدّ المرأة وبين الأطفال اللذين تقدّمت بهما لجنة الحريات الفرديّة والمساواة.

 

كل ما ورد في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة مخالف مخالفة صريحة وصحيحة لنصوص الدين لا فقط الظنية بل قطعية الدلالة

مفتي الجمهورية السابق، الشيخ حمدة سعيد

 


ونبهت في ذات البيان الرأي العام الوطني إلى ما انطوى عليه التقرير “من إيهام باعتماد الاجتهاد المقاصدي وفق منحى فيه عدّة مغالطات ولا يخلو من خروج عن الضوابط الشرعية وما هو معلوم من الدّين بالضرورة”. وأشار بيانها إلى “أنّ الاطّلاع على المضامين المتّصلة بمشروع الحقوق والحريات الفردية ومشروع قانون القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة وبين الأطفال يكشف بوضوح ودونما حاجة إلى تأويل عن مسعى للتخلّي تماما عن المرجعية الشرعيّة، واعتبار الإسلام أحد عناصر الانتماء الحضاري للدولة وليس في «اعتبار الإسلام دينها ما يُخْضِع سلطة الدولة لأمر فوقها، وليس فيه ما يقيّد مشيئتها في سنّ القوانين بغير إرادتها.”

 

كما نظمت “الجمعية التونسية للإعجاز”، بالشراكة مع وحدة بحث تاريخ الزيتونة بالمعهد العالي للحضارة، أمس، يوما دراسيا، بمشاركة رئيس جامعة الزيتونة الدكتور هشام قريسة، وعدد من المشائخ وأساتذة جامعة الزيتونة، لترد على تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة،  وما جاء فيه من مسائل تتعلق بالأحوال الشخصية اعتبرتها معارضة لما جاء في القرآن الكريم معارضة صريحة وواضحة.

 

 

وفي  ذات السياق، أكد مفتي الجمهورية السابق، حمدة سعيد، أن “كل ما ورد في تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة مخالف مخالفة صريحة وصحيحة لنصوص الدين لا فقط الظنية بل قطعية الدلالة”، مشددا على أن أعضاء اللجنة “يعرفون الحقيقة ويتعامون عليها ومصرين على السير في ذلك الطرق لأهداف الله أعلم ماهي”، على حد تعبيره.

 

حمدة سعيد المفتي السابق

 

فيما اعتبر الباحث في الشؤون الإسلامية، سامي براهم، تعليقا على ماورد في التقرير، أنه “بمثابة الانقلاب التشريعي بغلاف تأصيلي ديني يعيد هندسة الأسرة والمجتمع والعلاقات العامة بشكل يستجيب لتحولات بنيوية وسوسيولوجية عميقة وجذرية وعرض بالنظر الى الخيط الناظم لهذا المشروع الاصلاحي كما يرى أصحاب التقرير من إعلاء شأن الفرد الذي وقع التضحية به لصالح الجماعة في المنظومة الفقهية الوسيطة.”

وفي تدوينة نشرها براهم، على صفحته بالفايسبوك، اعتبر أن ما ورد بالتقرير “يعبّر عن حال نخبة ووعيها بفلسفة الإصلاح ومناهجه ووسائله وبيداغوجيته أكثر ممّا يعبّر عن حاجة مجتمعيّة ملحّة”.

وقال براهم إن “هذا ما يحيل على ما كنّا ذكرناه سابقا من تصوّر شكلاني معياري للمساواتيّة باعتبارها قالبا فوقيّا كونيّا جامدا جاهزا يجب أن تُصَبَّ فيه كلّ المجتمعات، مهما كانت خصائصها الانطروبولوجيّة وبشكل مسقط لا يعبّر عن حاجاتها ومطالبها ومصالحها ، ممّا يقتضي الاستنصار بالسّلطة لإقرارها وإنفاذها”.

و للإشارة فقد شهدت ولاية القيروان، الجمعة الماضية حملة لإمضاء عريضة احتجاجية ضد ما جاء في مشروع لجنة الحريات الفردية والمساواة، تضمنت رفضا لهذه التوصيات التي اعتبروا أنها تمس من الفصل الأول من الدستور الذي ينص على أن تونس دولة دينها الإسلام.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد