اختيار المحررينثقافةغير مصنف

سيرة العود المجنون‎

 

يحفل تاريخ العراق بفنّانين عظماء ساهموا في نحت هويّة ثقافيّة ثريّة وقويّة، فهو موطن الشعراء والأدباء، وموطن الموسيقيّين العباقرة.

ولعلّ مدرسة العود العراقيّة هي أكثر من ساهم في حفظ التراث الموسيقي العراقي وتطويره وجعله تراثًا عالميًّا ينهل منه الشرق والغرب على حدٍّ سواء.

 

ومنذ بروز محيي الدين حيدر، الأب الروحي لهذه المدرسة، عرفت العراق عازفي عودٍ عباقرة، مثل سلمان شكر وغانم حدّاد وصولًا إلى نصير شمّة أحد علامات آلة العود في هذا العصر.

ولكن يبقى التميّز الأكبر لعائلة “بشير”، الّتي أنجبت العازف الكبير جميل بشير ومنير بشير، وهو أهمّ عازف عود عربي على الإطلاق بإجماع أغلب من لمس هذه الآلة، وعند الحديث عن العود الآن بعد رحيل هذا الجيل من العمالقة، فإنّ العلامة الأبرز هو عمر بشير، الّذي يواصل حتّى الآن مسيرة أبيه منير في حمل لواء مدرسة العود العراقيّة إلى العالميّة.

وُلِد عمر بشير في المجر في عام 1970، ولم يتجاوز عمر عامه الخامس حتّى بدأ رحلته مع آلة العود، حين ناوله إيّاه أبوه عندما ألحّت عليه أمّه الّتي رأت فيه تعلّقه الشديد بالموسيقى.

 

عمر بشير في شبابه مع والده منير بشير

 

عندما بلغ عامه السابع عادت عائلته إلى العراق، وقرّر والده أن يفتح قسمًا لتعليم الموسيقى العربيّة في مدرسة الموسيقى والباليه ببغداد، ورسّم ابنه للدراسة فيها مع أطفال آخرين أصبح كثير منهم فنّانين كبار فيما بعد. ومن هنا كانت بداية عمر بشير مع التعليم الأكاديمي، وكان أستاذه في هذه المرحلة، عازف العود العراقي الكبير، الأستاذ عدنان محمد صالح. وحين يعود إلى المنزل، كان يمضي وقته في الاستماع إلى والده العازف العبقري منير بشير الّذي كان يدرّبه لأربع أو خمس ساعات يوميًّا حسب تصريح عمر بشير نفسه، الّذي قال بأنّ أباه كان له الفضل في امتلاكه التقنية والقوّة في العزف.

شكَّل عمر في العام التاسع من عمره، أوّل فرقة للموسيقى الشرقيّة في العراق للأطفال المتراوحة أعمارهم بين 7 و10 أعوام، وهي “الفرقة التراثيّة العراقيّة” الّتي أشرف عليها الدكتور طارق إسماعيل.

في سنة 1986، شكَّل منير بشير فرقة البيارق الّتي تضمّنت سبعة عازفين عود وخمسة عازفين سنطور وأربعة عازفين قانون وأربعة عازفين ناي إضافة إلى عازفي الإيقاع. وكان عمر ذو الستّة عشر ربيعًا آنذاك، عنصرًا فيها. وسافر معها إلى بلدان كثيرة كالأردن ومصر وفرنسا وروسيا حيث عزف في سنّ مبكّرة في مسارح عالميّة عريقة وكبيرة كمسرح جرش ودار الأوبرا المصريّة، إلخ.. ونال عديد الأوسمة مع زملائه من كبار العازفين في فرقة البيارق.

 

 

بعد حرب الخليج الأولى هاجر عمر مع عائلته إلى دولة المجر الّتي تتحدّر منها أمّه، وكانت هذه المرحلة هي مرحلة الثنائي الفنّي اللامع، منير وعمر البشير. فمنذ عام 1992 حتّى عام 1997، تاريخ وفاة الموسيقار الأب، أقام هذا الثنائي حفلات عديدة في بلدان كثيرة عربيّة وأوروبيّة، وقد ساهمت هذه المرحلة في سطوع نجم عمر البشير مع عازف العود العربي الأهمّ في التاريخ المعاصر حسب شهادة المختصّين في الموسيقى وشهادة الابن عمر نفسه، الّذي قال في تصريح له: “لا أحد بإمكانه أن يعزف مثل منير بشير”.

ويعود الفضل لهذه التجربة الّتي دامت خمس سنوات، في نحت الكيان الفنّي للعازف عمر بشير، وذلك من خلال تشبّعه بروح المشروع الموسيقي الثوري لوالده، الّذي ينبني محاورة الموروث الموسيقي العالمي للخروج بآلة العود من جبّة الموسيقى العربيّة الكلاسيكيّة وجعلها أداة مؤثّرة وفاعلة في الأوركستر السنفوني، وفي أنماط موسيقيّة أخرى كالفلامنكو على سبيل المثال، وهذا ما تمظهر في تجربة منير بشير مع مغنّي الأوبرا المجريّين وفي ألبومه “جذور الفلامنكو”.

كما تشبّع عمر من قوّة التقنية الّتي يمتلكها والده، وأسلوبه الخاصّ، ويعتمد هذا الأسلوب على جعل لحظات الصمت الّتي تفصل بين جملة موسيقيّة وأخرى تليها روابط موسيقيّة في حدّ ذاتها، فكأنّ الصمت مكتوب هو الآخر مثله مثل اللحن، بل إنّ الصمت هو اللحن الخفيّ الّذي تبرزه الموسيقى.

 

 

بعد وفاة والده، كوّن عمر بشير ” Omar Bashir Trio”، وهو ثلاثي متكوّن من عازف العود عمر وعازفي الغيتار المجريّيْن أندرياس وبالينت باتز (Andreas/Bálint Petz). وعمل على إدخال الموسيقى الغربيّة، خاصّة الموسيقى الغجريّة منها، على الموسيقى العراقيّة الأصيلة وخلق روابط بينهما؛ ولكن تكمن قوّة عمر بشير في أنّه يعرف جيّدًا كيف يوظّف التراث الموسيقي العالمي في مقطوعاته دون طمس الهويّة الموسيقيّة العراقيّة لألحانه، ومعرفته الكبيرة بالمحامل الموسيقيّة الّتي يعمل عليها، فقد أمضى وقتًا طويلًا في دراسة الموسيقى الكلاسيكيّة والغجريّة، إضافة إلى أنّه عاش مع الغجر المنتشرين في رومانيا والمجر وزياراته المتعدّدة لإسبانيا والهند.

 

 

وفي ألبومه “العود الغجري”، اتّجه عمر بشير نحو إيقاعات أمريكا اللاتينيّة، فقام بمزج فريد بين التراث الموسيقي الغجري في الشرق الأوسط وبين إيقاع السامبا البرازيلي في بعض المقطوعات وإيقاعات الموسيقى الكوبيّة في بعضها الآخر، إضافة إلى اشتغاله على الفلامنكو من خلال التركيز على الروابط الوشيجة بينه وبين المقامات العربيّة اقتفاءً لآثار التراث الموسيقي الأندلسي في مراحل تطوّره العديدة.

لقد كان التحدّي الأكبر لعمر البشير هو إعادة المجد لآلة العود وتبيين مدى شموليّتها وتصديرها إلى العالم كنموذج لآلة صمدت طيلة 5000 سنة، آلة هي مكوّن أساسي في الهويّة الثقافيّة لمئات الملايين من البشر. ولذلك، كثيرًا ما يقحم عمر آلة العود في اختبارات وتجارب خطيرة، تتّسم بالجرأة والجنون والعمق. فعزف بعوده باخ وبيتهوفن مع عازف بيانو مجري في أكثر من مناسبة، إضافة إلى اشتغاله على عدّة موسيقات الشرق الأقصى لآسيا، كالموسيقى اليابانيّة والهنديّة. ولا يمكن إغفال التجربة المهمّة لعمر بشير في إدخال الموسيقى الإلكترونيّة كخلفيّة للارتجالات والتقاسيم والمقطوعات الموسيقيّة الّتي يعزفها. ورغم هذا الزخم الّذي يميّز موسيقاه، ورغم تعدّد الموسيقات، فإنّ آلة العود هي محور كلّ أعمال عمر بشير، بل يصبح أحيانًا بديلًا عن آلات أخرى، وتتغيّر تقنية العزف فحسب، فعمر متمكّن تمكّنًا شديدًا من تقنية العزف على آلتيْ الغيتار والبيانو، ولذلك عادة ما يلعب دورهما بالعود، فالعود عنده هو أكبر من يكون آلة واحدة.

 

 

وقد كسب الرهان، فرغم نخبويّة أعماله الموسيقيّة، إلّا أنّ بعضًا منها حقّق نجاحًا عالميًّا ساحقًا مثل مقطوعة “إلى أمّي” الّتي أهداها إلى كلّ الأمّهات في عالم تسوده الحروب والنزاعات، وهذه المقطوعة هي من تجربة أخرى تجسّدت في ألبوم “العود الراقص”، حيث كانت أغلب مقطوعاته تتّسم بالحركيّة والإيقاع السريع، مع تعدّد مشارب الإيقاعات الّتي اختارها، وبذلك كسر الصورة النمطيّة للعود كآلة وظيفتها الأساسيّة هي التطريب.

ونتيجة لهذه المسيرة الموفّقة والمميّزة، نال عمر بشير أكثر من جائزة دوليّة، وقد كرّمه متحف الآلات الموسيقيّة في ولاية “أريزونا” الأمريكيّة، بصنع عود طبق الأصل لعوده الخاصّ وعرضه للزوّار، إلى جانب الآلات الشخصيّة لفنّانين عالميّين كبار، مثل جون لينون وكارلوس سانتانا، إلخ…

 

 

هذا هو عمر بشير، مزيج بين عبقريّيْن، عازف العود العراقي منير بشير وعازف الغيتار الإسباني باكو دي لوثيّا، مزيج بين موسيقات مختلفة وعوالم متعدّدة. إنّه نافذة من نوافذ العراق المفتوحة على العالم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد