مدوناتالرئيسي

لماذا يتآمرون على اردوغان؟

 

كان من الممكن اعتبار الانتخابات التركية حدثا عاديا في اطار الاحتكام الى صناديق الاقتراع ومبدأ التداول السلمي على السلطة المعمول به في عدد كبير من دول العالم وبعض دول المنطقة، لولا حجم الرهانات الداخلية والخارجية على هذه الانتخابات، ثم مستوى التحريض الذي تعرض له اردوغان وحزبه بهدف إخراجه من الحكم، بل ابعاده من المشهد السياسي التركي جملة وتفصيلا.

 

مع اتجاه السياسة الخارجية التركية نحو نوع من الاستقلالية والدفاع عن المصالح التركية، وانحيازها لجملة من الملفات الحساسة في المنطقة، وعلى رأسها فلسطين والقدس، بدأت تتشكل ملامح حلف موضوعي متعدد المواقع والاهداف، التقى على شيء واحد وموحد: ضرورة إسقاط اردوغان والتخلص منه بكل السبل.

 

إشارة الانطلاق بدأت من الطرف الاسرائيلي، مُذ شهد العالم تلك الملاسنة الشهيرة في ندوة دافوس حين اعترض اردوغان على مغالطات العجوز بيريس قبل ان يغادر المنصة غاضبا.

 

هذه الأجواء أفصحت عن خلاف تركي اسرائيلي واضح حول الاحتلال والقدس واستهداف سفينة مرمرة التي كانت تقل متضامنين مع أهالي غزة المحاصرين.

 

في هذه الأجواء انطلقت آلة إعلامية كبيرة تشيطن اردوغان، سواء في الولايات المتحدة الامريكية او في سائر العواصم الغربية، بعدما كان يقدم هو وحزبه كنموذج مستقبلي للمنطقة، بديل عن الاسلام السياسي.

 

لكن المعركة الاشد شراسة، التي اختلطت فيها الاحقاد بالرعونة السياسية وفقدان الصواب، شُنّت من بعض العواصم العربية، التي شكلت معسكرا مضادا لثورات الربيع العربي، واعتبرت اردوغان المحرك الرئيس لموجة التغيير والاطاحة بعديد الأنظمة العربية.

 

هكذا تحدد ثلاثي الشر عند هؤلاء: اردوغان وقطر والإسلام السياسي.

وبدأ الجميع يصوب سهامه باتجاه الرئيس التركي ويسعى جاهدا للإطاحة به، عبر حرب باردة واُخرى ساخنة، استخدم فيها المال والإعلام والاستهداف الاقتصادي والمالي ولعبة التحريض، وكل شيء.

 

لعل اكثر ما يثير جزع وفزع هذا المعسكر العربي من مشروع اردوغان، هو التقاء الاسلام السني مع خط الديمقراطية والتغيير، بما يهزّ معادلات الحكم التقليدية التي تشكلت منذ فجر القرن الماضي.

 

تمكن المحور الخليجي من كبح جماح المشروع الإيراني في المنطقة، من خلال الاتكاء على البعد الطائفي، اي بالقول “نحن اسلام اهل السنة والجماعة وهم اسلام شيعي غريب لا صلة لنا به”.

 

هذا الخطاب يتهاوى ويفقد مسوغاته حين تلتقي الديمقراطية وأشواق الحرية والرغبة في التحرر على ارضية إسلامية سنية، بقيادة زعيم متدين وحداثي، وهذا هو اس البلاء.

 

وهو ما يفسر مستوى الشراسة وحجم البغض الذي ابداه المحور الخليجي لهذا التوجه، فذهب برشده وأفقده المشروعية الدينية التي كان يحتمي بها لعقود طويلة، في مواجهة المد اليساري والقومي منذ خمسينات القرن الماضي او في مواجهة اندفاعات المشروع الثوري الشيعي في ثمانينات القرن الماضي.

 

اليوم يقف الإمبراطور ” السني” عاريا بلا اسلام ولا ديمقراطية ولا فلسطين أيضا.

 

تدفعه موجة التغيير التي ضربت المنطقة الى خلع رداء الشرعية الدينية و تقمص ثوب الليبرالية (ليبرالية تسلطية)، والقاء قضية فلسطين والقدس جانبا امام الأشهاد.

 

وهو لا يدرك في غمرة جنونه انه يفرط في كل ما كان يمثل مورد شرعيته الرمزية التي حمته لعقود متتالية في مواجهة كل الهزات والتقلبات السياسية.

 

فوز اردوغان تمكين لخط الاسلام التحرري والديمقراطي على حساب الاسلام الرجعي والتيوقراطي، وانتصار لقوى التغيير والمستقبل والحداثة الحقيقية على ارباب الجمود والزيف والتسلط

 

وتقاطع هذا المحور مع التيار اليميني الامريكي والاوروبي الذي يمتزج عنده العداء للإسلام والمهاجرين ومناصرة اسرائيل، بالعداء لتركيا اردوغان، وكل ما يمت له بصلة من توجهات وسياسات.  

 

ومع هذا التلاقي ارتفعت طموحات هذه الدول الخليجية للعب ادوار في عموم المنطقة وما بعدها بما يفوق حجمها وإمكانياتها.

 

أخذت الحرب على اردوغان وجوها مختلفة، مثلما كانت تدور على جبهات ومراحل متتالية في ما يشبه الحرب الاستراتيجية والشاملة التي تستخدم فيها الأسلحة التقليدية وغير التقليدية.

 

حاولت هذه القوى المناوئة إنهاك اردوغان وإضعافه من خلال دعم المعارضة بعد شحن الأجواء الداخلية ضده (في غازي بارك) بخلفية حرمان حزبه من الأغلبية البرلمانية في انتخابات 2015.

 

وقد تحققت مراميها مع عجز حزب العدالة عن تشكيل الحكومة وقتها، لفقدانه الأغلبية وامتناع بقية الأحزاب عن تشكيل حكومة ائتلاف.

 

اذا كان اردوغان يقول بلسان تركي، ان الاسلام يتقاطع مع الديمقراطية والحريّة والتنمية والنجاح الاقتصادي، فان المحور المضاد في المنطقة ما انفك يردد بلسان عربي وأعجمي ان الديمقراطية لن تجر عليكم غير الفوضى والخراب والاحتراب، ويعلن ان الخير، كلَّ الخير في التسلطيات العسكرية والمدنية المتدثرة برداء ليبرالي زائف

 

بيد ان اردوغان كعادته اتخذ القرار الصعب وباغتهم بالمضي الى انتخابات تشريعية جديدة وفق الصلاحيات التي يتيحها الدستور، فاستعاد زمام المبادرة وخرج من المأزق الحكومي باقل التكاليف.

 

وحينما فشلت هذه القوى في تنفيذ انقلاب ناعم ضده هو وحزبه عبر الاليات الديمقراطية، انتقلت الى دعم انقلاب عسكري خشن عبر التحالف مع جماعة فتح الله جولن ومدها بالمال والدعاية. حتى ان سكاي نيوز طفقت تتحدث عن نهاية اردوغان لحظات بعد تحرك دبابات الانقلابيين..

 

وهو ما برز جليا في المحاولة الانقلابية في صائفة 2016، حيث التقى على اردوغان الجنرالات الغاضبون في الداخل، مع غطاء سياسي أمريكي غربي مدعوم بالمال والتحريض الخليجي.

 

وحين احبط الشعب التركي مشروع الانقلاب بقوة الشارع، عادت هذه القوى مجددا الى المربع الاول، اي السعي لاضعاف اردوغان تمهيدا لإسقاطه والتخلص منه عبر الانتخابات وتقوية جبهة خصوم الداخل.

 

لم تتردد هذه الدول في شن حرب اقتصادية شرسة ضد اردوغان عبر زعزعة الليرة وضرب مقومات الاقتصاد التركي لاثارة عوامل التذمر لدى الأتراك قبل الذهاب لصناديق الاقتراع.

 

نفس القوى التي صممت على إسقاط اردوغان بالانقلاب العسكري سنة 2016 راهنت على إزاحته من المشهد في الانتخابات الاخيرة، مما يعكس عمق الاستقطاب الداخلي وثقل الرهانات الإقليمية والدولية المصاحبة لها.

 

بقاء اردوغان في موقع الرئاسة معززا بشرعية شعبية قوية هو انتصار لمشروع تركيا القوية الفاعلة والناجحة اقتصاديا وتنمويا، ثم المتصالحة مع هويتها التاريخية والثقافية التي قُمعت واستبعدت في عصر الجمهورية منذ عشرينات القرن الماضي

 

هذا يعني ان فوز اردوغان من الدور الاول، ثم نجاح حزبه بالتحالف مع القوميين في تحصيل الأغلبية هو انتصار بالنقاط على خصومه المتربصين به شرا.

 

ان بقاء اردوغان في موقع الرئاسة معززا بشرعية شعبية قوية هو انتصار لمشروع تركيا القوية الفاعلة والناجحة اقتصاديا وتنمويا، ثم المتصالحة مع هويتها التاريخية والثقافية التي قُمعت واستبعدت في عصر الجمهورية منذ عشرينات القرن الماضي.

 

وهو نجاح لمشروع الاسلام الديمقراطي على حساب الجبهة المضادة التي يمثلها المشروع المعادي للتغيير والديمقراطية والإسلام الاصلاحي.

 

اذا كان اردوغان يقول بلسان تركي، ان الاسلام يتقاطع مع الديمقراطية والحريّة والتنمية والنجاح الاقتصادي، فان المحور المضاد في المنطقة ما انفك يردد بلسان عربي وأعجمي ان الديمقراطية لن تجر عليكم غير الفوضى والخراب والاحتراب، ويعلن ان الخير، كلَّ الخير في التسلطيات العسكرية والمدنية المتدثرة برداء ليبرالي زائف.

 

واذا كان اردوغان يبشر بالانتخابات والمنافسة الحرة والتداول السلمي على السلطة، فان المشروع المقابل ينذر بالتداول الغليظ عبر الدسائس والانقلابات الساخنة والناعمة.

 

فوز اردوغان تمكين لخط الاسلام التحرري والديمقراطي، على حساب الاسلام الرجعي والتيوقراطي، وانتصار لقوى التغيير والمستقبل والحداثة الحقيقية، على ارباب الجمود والزيف والتسلط.

الوسوم

سمية الغنوشي

رئيس تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد