اختيار المحررينثقافةغير مصنف

عباقرة عازفي الكمان العرب في القرن العشرين

موسيقى

 

الكمان هو آلة تتكوّن من هيكل مصنوع من خشب الصنوبر وأربعة أوتارٍ إضافة إلى القوس، وتنتمي إلى عائلة الآلات الوتريّة ذات القوس الّتي تضمّ أيضًا آلة الفيولا والتشيلّو والكونترباص.

 

وآلة الكمان هي إحدى الآلات الغربيّة الّتي ظهرت بشكلها الّذي نعرفه الآن، في إيطاليا منذ أوائل القرن السادس عشر، وقد قام بصناعته أندريا أوماتي، ثمّ انتشرت هذه الآلة الموسيقيّة في أنحاء أوروبا بين عازفي الطرقات وفي أوساط النبلاء أيضًا. ويعودُ أقدم كمان إلى سنة 1574، وكان يمتلكه فرديناند الثاني ملك النمسا.

ثمّ انتشرت هذه الآلة في مختلف أنحاء العالم، ودخلت إلى الموسيقى العربيّة. لكنّ بعض المؤرّخين يقولون إنّها تتحدّر من آلة الربابة العربيّة الّتي وصلت في القرون الوُسطى إلى جنوب القارّة الأوروبيّة. ويقوم الغربيّون بتعديل أوتار الكمان الأربعة من الوتر الرفيع إلى الغليظ على النحو التالي: مي/ لا/ ري/ صول؛ فيما يعدّلها الموسيقيّون العرب على هذا النحو: ري/ صول/ ري/ صول.

وقد أنتج العالم العربي عازفين عظماء ساهموا في تقريب آلة الكمان إلى قلوب المستمعين العرب وفي جعلها آلة أساسيّة في الموسيقى العربيّة. وسأستعرض في هذا المقال أهمّ هؤلاء العازفين العرب الّذين ساهموا في ترسيخ آلة الكمان في الموسيقى العربيّة ووجدان المستمع العربي.

 

سامي الشوّا: (1885 – 1965)

هو العازف الّذي لقّبه الشاعر أحمد شوقي بـِ “أمير الكمان”. وُلِد بمدينة حلب السوريّة في عائلة موسيقيّة بامتياز، فقد كان جدّه من عازفي الكمان الكبار في عصره، ونبغ أبوه أنطوان الشوّا في العزف على هذه الآلة أيضًا.

في رحاب هذه العائلة الفنّية، نبغ سامي منذ طفولته في العزف، وهو ما جعل أباه يرسله إلى مصر ليعزف مع أصدقائه من كبار الموسيقيّين فيما لمْ يبلغ الرابعة عشر من عمره بعد.

 

 

اشترك سامي الشوّا في تخت عبده الحامولي، الّذي تتلمذ على يديه جيل كامل من كبار المطربين والعازفين مثل أمّ كلثوم ومحمّد عبد الوهّاب، وبالمثل نهل سامي الشوّا من هذه المدرسة، فخَبر من خلالها شعاب الموسيقى العربيّة وتعقيداتها.

ثمّ بدأت رحلة هذا العازف القدير مع كبار الفنّانين في النصف الأوّل من القرن العشرين، مثل صالح عبد الحيّ ومحمّد عبد الوهّاب وأمّ كلثوم، إلخ…

كان الشاعر الكبير أحمد شوقي أكثر الناس إعجابًا به، وقد دعاه في عام 1910 لزيارة الآستانة، ليعزف في حضرة الأمير يوسف عزّ الدين وليّ عهد الامبراطوريّة العثمانيّة، فأُعجِب به كبار الموسيقيّين الأتراك لقدرته الرهيبة على ارتجال القفلات اللامُتوقَّعة.

كما كان سامي الشوّا أوّل عازف آلة وتريّة يعزف الأناشيد الدينيّة الصوفيّة، فكانت له تجربة مع رائد الإنشاد الشيخ علي محمود صاحبه فيها بالعزف في أكثر من ابتهال، وقد كسر بذلك التقليد الّذي كان يمنع استعمال الآلات الموسيقيّة في الغناء الديني ويركّز على الآلات الإيقاعيّة فحسب.

زار سامي الشوّا دولًا كثيرة وعزف أمام ملوكها ورؤسائها، ومن هذه الدول إيطاليا وبلجيكا وبلغاريا ورومانيا والعراق والأردن وتونس وإيران وسوريا ولبنان والبرازيل والأرجنتين والشيلي.

كان سامي الشوّا رائدًا فعليًّا للعزف على آلة الكمان وإدخالها إلى التخت العربي، وظلّ أمير الكمان دون منازع حتّى ظهر الجيل الثاني من عازفي هذه الآلة في النصف الثاني من القرن العشرين.

 

أنور منسي (1922 – 1961)

وُلد أنور منسي في عائلة موسيقية مصريّة شهيرة، فهو ابن عازف العود عبد الوهاب منسي وشقيق عازف القانون المشهور عبد الفتّاح منسي.

وهذه البيئة الّتي نشأ فيها أنور منسي مكّنته من حفظ الأدوار والموشّحات وتعلّم أصول الموسيقى العربيّة في سنٍّ مبكّرة جدًّا، وفي السنة السادسة من عمره، دفعه والده عبد الوهاب منسي نحو دراسة الموسيقى الغربيّة بعد أن نبغ في الموسيقى العربيّة. فتلقّى تعليمه في العزف على آلة الكمان تحت إشراف معلّم الجيل الذهبي للعازفين المصريّين، العازف الأرميني أرمنياك.

 

 

كان أنور منسي طفلًا معجزة، فأطلقت عليه الصحف في تلك الحقبة “موزار مصر” لنبوغه المبّكر، فقد أصبح في سنّ العاشرة عازفًا من ضمن العازفين الّذين يقيمون حفلات الملك شخصيًّا، وفي السادسة عشر من عمره أصبح العازف الأوّل لأمّ كلثوم، قبل أن يدخل في خلافٍ معها ليترك مكانه للعازف أحمد الحفناوي.

وعمل مع فريد الأطرش ومحمّد عبد الوهاب الّذي اعتبره في تصريحٍ له، أنّه أحد أهمّ العازفين العرب في القرن العشرين، إن لم يكن أهمّهم على الإطلاق، لمعرفته الكبيرة بالموسيقى العربيّة والموسيقى الغربيّة في الآن نفسه، وقدرته على المزج بينهما، فكان أوّل من حقّق هذه المعادلة الصعبة في تاريخ عازفي الكمان العرب.

 

 

عبده داغر

وُلِد عبده في عام 1936، وبدأت رحلته مع اكتشاف الموسيقى في مدرسة القرآن الكريم بمدينة طنطا حيث تشبّع بالمقامات وعلوم التجويد، كما كان في متجر أبيه لبيع الآلات الموسيقيّة نافذته الثانية على هذا العالم السحريّ، وانجذب باكرًا إلى آلة الكمان؛ وما إن تخرّج من المدرسة القرآنيّة حتّى اختار أنْ يبدأ رحلته مع احتراف العزف على آلة الكمان في الحفلات والموالد.

وحين أصبح شابًّا غادر عبده داغر مدينة طنطا إلى القاهرة، وعمل في البداية في محلّ صناعة الآلات الموسيقيّة لمحمّد الحفناوي، وهو والد عازف الكمان الشهير أحمد الحفناوي. وقد تعلّم في هذه المرحلة صناعة آلة العود وتمكّن من التفرّغ أكثر لسبر أغوار آلة الكمان حيث كان يمضي ساعات طويلة في التمرّن على عزفها، ومكّنه الانتقال إلى القاهرة في التعرّف على أقطاب الموسيقى والغناء في تلك الفترة.

 

 

فعمل في الحفلات الّتي كانت تُقام في شارع محمّد علي، وكع ازدياد شهرته أصبح مطلوبًا للعزف مع كبار المطربين مثل كارم محمود ومحمّد قنديل ومحمّد رشدي والفنّانين الشعبيّين مثل أحمد عدويّة، وهو ما أوصله إلى فرقة الموسيقار محمّد عبد الوهاب. كما عزف في فرقة أمّ كلثوم لفترة قصيرة.

ومن التجارب المهمّة للموسيقار عبده داغر تعاونه مع كبار المبتهلين والقرّاء، فشكّل ثنائيًّا لامعًا مع الشيخ محمّد عمران في مرحلة أولى والشيخ محمّد الهلباوي في مرحلة ثانية. وقد جعل من بيته في القاهرة مكانًا يجتمع فيه كبار الفنّانين والملحّنين والمبتهلين لإحياء جلسات فنّية خاصّة وتبادل التجارب والرؤى الفنيّة.

يمكن القول بأنّ عبده داغر هو أهمّ عازف كمان عربي في القرن العشرين، لتنوّع تجاربه الموسيقيّة ومعرفته الموسوعيّة بمقامات الموسيقى العربيّة وقدرته العظيمة على التقسيم والتصرّف في الجملة الموسيقيّة، فقد جمع عبده داغر بين القوّة في العزف والتقنية العالية من جهة وبين الإحساس العالي والمخيّلة الموسيقيّة الشاسعة من جهة أخرى.

 

 

لقِّب عبده داغر بملك التقاسيم، وهو يُعتَبَر محطّة يجب أن يمرّ بها كلّ عازف كمان في الموسيقى العربيّة، وقد ظلّت “لونغات” كثيرة من تلك الّي أبدع فيها هذا الموسيقار إلى الآن، موضوع دراسة في معاهد الموسيقى العربيّة.

 

أحمد الحفناوي: (1916 – 1990)

كان والده صانعا للآلات الموسيقية، فكان يذهب إلى دكّانه بعد انتهاء يومه الدراسي، هو ما جعله ينجذب في سنٍّ مبكّرة لعالم الموسيقى والأنغام. وكانت بدايته مع تعلّم العزف على آلة الكمان في السنة التاسعة من عمره، ومن ثمّ درس العزف عليها ليصقل موهبته ويدخل إلى عالم الاحتراف الفنّي.

شارك أحمد الحفناوي مع أغلب فنّاني العصر الذهبي للموسيقى العربيّة، ولكنّ محطّته الأبرز كانت التحاقه بفرقة أمّ كلثوم، حيث كان عازفها الأوّل حتّى وفاة كوكب الشرق.

 

 

بعد وفاة أمّ كلثوم، عمل أحمد الحفناوي عازف كمان في فرقة الإذاعة المصريّة، ثمّ عمل كعازف أوّل في الفرقة الماسيّة تحت قيادة أحمد فؤاد حسن.

تميّز أحمد الحفناوي بأدائه المبهر للمقامات العربيّة الخالصة، فلم ينازعه أحد في عزفها سوى العازف عبده داغر، ولكن كانت نقطة ضعفه تكمن في عدم تمكّنه من تقنيات الموسيقى الغربيّة.

 

سعد محمّد حسن: (1940 – 2018)

وُلِد سعد محمّد حسن في 22 سبتمبر 1940 في محافظة المنيا بالقاهرة، أين تلقّى أوّل دروسه في العزف على آلة الكمان، ثمّ سافر إلى القاهرة، فوجد فرصته في العمل مع فنّانين كثيرين إلى حدود منتصف الستّينيّات حين قابله الملحّن بليغ حمدي بأمّ كلثوم، فأعجبت بعزفه وجعلته أحد عازفي الصفّ الأوّل في فرقتها الخاصّة. فأصبح أحد أهمّ عازف كمان في فرقة أمّ كلثوم مع العازف الكبير أحمد الحفناوي.

تميّز حسن واشتُهر به هو عزف الغنائيات، حيث شاع عنه مقدرته على تقديم العمل الغنائي بكمانه، بأسلوبٍ شفيف قريب إلى الكلمة والتقطيع الكلامي.

 

 

ظلّ حسن يرافق الفرق الكبيرة ويُصدر تسجيلاتٍ للأعمال الجديدة والأعمال الكلاسيكيّة في ألبومات اشتهر بها، إضافة إلى عمله كأستاذ في المعهد العالي للموسيقى العربيّة بأكاديميّة في الهرم.

 

 

عبّود عبد العال: (1925 – 2009)

وُلد عبّود عبد العال في عام 1925 بفلسطين، وترعرع في عائلة فنّية، فقد كان والده عازفًا على آلة القانون، وشقيقه أستاذ موسيقى وعازفًا على آلة “الرقّ”.

بدأت رحلة عبّود مع العزف حين أهداه والده كمانًا في عيد ميلاده السابع، ثمّ أرسله بعد ثلاث سنوات لدراسة الموسيقى الغربيّة على يد أستاذ روسي حين رأى فيه بوادر موهبة عظيمة.

بعد الاحتلال الصهيوني في عام 1948، هاجرت عائلة عبّود إلى لبنان قسرًا. وفي لبنان، كانت انطلاقة هذا العازف العبقريّ مع بداية الستينيّات في التلفزيون اللبناني بتقديمه لوصلات موسيقيّة يوميّة، وقد نجح أن يكون بعزفه المنفرد لأهمّ الأغاني العربيّة عازفًا نجمًا في فترة كانت فيها النجوميّة حكرًا على المطربين.

وهو ما جعله محطّ الأنظار في مصر، حيث دعاه فنّانون كبار كي يكون عضوًا في فرقهم الموسيقيّة، فرافق عبد الحليم حافظ وأمّ كلثوم ومحمّد عبد الوهاب وغيرهم من عمالقة الطرب، وقد وصل الأمر بمحمّد عبد الوهاب أن دعاه لعزف العديد من أغانيه على الكمان وإعادة توزيعها موسيقيًّا لإصدارها في ألبوم خاصٍّ به.

 

 

استفاد عبّود من اطّلاعه الكبير على الموسيقى الغربيّة لإعطاء روح جديدة لألحان الأغاني العربيّة، كما كان له الفضل في تأسيس فكرة العازف النجم في العالم العربي، إضافة إلى نجاحه في أن يجعل الكمان آلة استعراضيّة بامتياز من خلال تمكّنه الكبير من التقنية في العزف.

لقد ساهم جيل ذهبيّ من عازفي الكمان في تطويع هذه الآلة لمتطلّبات الموسيقى العربيّة وإعطائها قيمة أكبر بفضل براعتهم في العزف وتجاربهم المتنوّعة بين الأعمال الطربيّة والموسيقى الشعبيّة والموسيقى الصوفيّة، وهو ما ساهم في ارتقاء آلة الكمان إلى مرتبة آلة العود في التخت العربي الشرقي. كما لا يمكن التغافل عن عدّة عازفين من الجيل الأوّل لا يكفي هذا المقال لذكرهم، مثل العازف المصري محمود الجرشة والعازف التونسي رضا القلعي وغيرهم من العازفين، إضافة إلى الجيل الجديد من العازفين في العالم العربي كالعازف السوري مياس اليماني والعازفيْن التونسيّيْن محمّد الغربي وزياد الزواري إضافة إلى العازف المتألّق جهاد عقل…

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد