مجتمعغير مصنف

بماذا يحلم الأطفال السوريون؟

 

أطلقت منظمة “إنتري كولتوراس” الإسبانية بالتعاون مع “الهيئة اليسوعية لخدمة اللاجئين” حملة “4 كلمات من أجل فتح العالم” في إطار الاحتفال باليوم العالمي للاجئين.

 

تأثر تلاميذ الفصل الرابع في مدرسة “ديفانو كوراثون”، في مدريد، بعد قراءة الرسائل التي وصلتهم من أطفال من اللاجئين السوريين. وقد كانت هذه الرسائل في شكل رسومات رسمها اللاجئون السوريون للتعبير عن أحلامهم والحياة المثالية التي يتمنونها. وتتراوح أعمار هذه المجموعة ما بين خمس وست سنوات، ويدرس جميعهم في مدارس لبنانية تابعة لمنظمتي إنتري كولتوراس والهيئة اليسوعية لخدمة اللاجئين.

 

في هذا الصدد، أشار الأستاذ في مدرسة الرياضيات والعلوم في لبنان، حنا خوري، إلى أن “غالبية هذه المجموعة لم تعرف إلا الحرب، كما ولد هؤلاء الأطفال في بلاد تعاني من ويلات الحرب ليفروا فيما بعد إلى لبنان، بينما ولد عدد كبير منهم خارج بلادهم، سوريا”. وقد فرّ خوري من مسقط رأسه حلب في الثالث من تشرين الأول/ نوفمبر من سنة 2016، في سن يناهز 25 سنة، خوفا من الخدمة العسكرية الإجبارية في سوريا، التي كانت ستسرق منه، في خضم هذه الحرب، عقدا من حياته.

 

 

وواصل الأستاذ قائلا: “لقد تركت كل شيء خلفي وهاجرت إلى لبنان”. وفي هذا البلد، يعمل حنا خوري في منصب أستاذ، لأنه يؤمن بأن التعليم هو المفتاح، وحجر الأساس لتحسين مستوى عيش السوريين. علاوة على ذلك، يفهم هذا الأستاذ جيدا مشاعر تلاميذه، فقد “عانى هو الآخر من ويلات الحرب”. وأورد خوري أن “حلب كانت المدينة التي ينعدم فيها الأمان أكثر من أي مكان آخر في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. كما لا يمكن وصف ما عاشته سوريا إلا بالحرب القذرة والكارثية”.

 

من جانب آخر، اعترف خوري بأن “الذكريات التي يملكها هؤلاء الأطفال سيئة للغاية، وقد أثرت بعمق في شخصياتهم… وهو الجانب الذي يمكن تغييره عبر تقديم دروس لهم، والحديث معهم، وعن طريق بعض التفاصيل الصغيرة… كما يجب الحرص على سؤالهم عما يشعرون به وعما يثير خوفهم”. في حقيقة الأمر، يعتبر هؤلاء الصغار أن الجانب الأكثر أهمية بالنسبة للاجئين هو “الشعور بحب الآخرين لهم، واهتمامهم لأمرهم، ودعمهم لهم، ومساهمة الأشخاص الآخرون في جعلهم يتذكرون أنهم كائنات بشرية مثل غيرهم”. وفي الإجمال، يرغب اللاجئون في “العيش في مكان مليء بمشاعر المودة، والبقاء في سلام”.

 

 

وفي أحد الأيام، وضع الأستاذ الموسيقى لأطفاله وأشعل الأضواء وطلب منهم الاسترخاء قليلا. في مرحلة موالية، طلب منهم أن يرسموا أحلامهم، وأن يجسدوا حياتهم المثالية التي يحلمون بها، على الأوراق.

كانت النتيجة مثيرة للدهشة ومفاجئة، إذ رسم غالبية الأطفال اللاجئين المدرسة، وأساتذتهم، وأفضل أصدقاءهم في الفصل، فضلا عن أوليائهم وإخوتهم مجتمعين وفي منتهى السعادة. ويفسر هذا التصور أن المدرسة هي المكان المفضل لهؤلاء الأطفال، حيث يتمتع الصغار بطفولتهم، وحيث يلعبون ويتعلمون…

 

 

من جهته، أكد مدير مشروع الهيئة اليسوعية لخدمة اللاجئين في برج حمود أن “التغيير الذي لوحظ منذ اليوم الأول بعد نهاية فصل الرسم كان مفاجئا. وقد ظهر هذا التحول على وجوه الأطفال اللاجئين، إذ أصبحوا أشخاصا آخرين مختلفين عن الذين وصلوا إلى الصف بداية هذه الحصة”. وأضاف دادو، وهو لبناني الجنسية، أن “المشرفين على هذه المبادرة يعتنون بشكل فائق بالتلاميذ الصغار”. وأكد المسؤول أن “بلاده التي يقدر عدد سكانها بحوالي 4.3 مليون شخص فقط، قد استقبلت حوالي مليون ونصف لاجئ سوري”. وأضاف دادو محتجا: “لقد تم تسجيل مليون لاجئ، بينما لم تشمل هذه الإجراءات لاجئين آخرين يقدر عددهم بحوالي نصف مليون شخص”.

 

 

بالنسبة لهذا المسؤول، يعد التعليم من الحقوق التي لا يجب “أن يحرم منها أي أحد حتى في ظل الأزمات الإنسانية، أو حتى عند اللجوء إلى بلد آخر، أو النزوح القسري. وبشكل عام، يعيد التعليم للكائن البشري كرامته”. ويعتبر دادو من دون أي شك أن “التعليم ينقذ حياة الأشخاص”. ويرى المسؤول اللبناني أن “البيوت التي يعيش فيها اللاجئون شبيهة بالعلب، إذ يعيش هؤلاء الأشخاص مكتظين في بيوتهم، التي تمتد على مساحة 10 أمتار مربع فقط. وعادة ما يقطن كل بيت من هذه البيوت حوالي ستة أشخاص، يتشاركون فيما بينهم حماما ومطبخا لا غير”.

 

وأشار دادو إلى أن “الأطفال يشعرون بأنهم في مكان فسيح وشاسع عندما يأتون إلى المدرسة. كما يلاقي هذا المكان إعجابهم، لأنهم يتمكنون من اللعب بين أرجائه، والركض في ساحته. كما يعتبر الصغار أن المدرسة مكان مدهش”.

 

 

خلال الأسبوع الماضي، كان كلا من دادو وخوري شاهدا على حماس أطفال تلاميذ الفصل الرابع في مدرسة “ديفانو كوراثون”، عندما قدمت لهم رسومات الأطفال السوريين مقابل استلام رسوماتهم التي جسدوا فيها مشاعرهم تجاه الأطفال اللاجئين. ويقدر عدد الأطفال الذين يدرسون بهذه المدرسة بحوالي 640 تلميذا تتراوح أعمارهم بين ثلاثة و16 سنة. وفسرت إحدى الفتيات، التي تدعى ياسمين والتي تعد أصغر عنصر في الفصل، رسمها في حماس قائلة: “لقد رسمت طائرة تطلق رموز حب وسلام بدل إطلاق الصواريخ”. من جهتها، رسمت أيتانا، البالغة من العمر 10 سنوات، أشخاصا لهم أجنحة وفي سلام. واعترفت الفتاة أنها لم تكن تعرف موقع سوريا قبل تجهيز لوحتها.

 

وضمن مجموعة الأطفال الإسبان، رسمت جيسيل، ذات العشر سنوات، أشخاصا يحضنون بعضهم البعض، وأطفالا يلعبون دون إلحاق الضرر بأي شخص. ويتشابه رسم جيسيل مع لوحة أندوري، الذي صوّر “عالما دون حروب أو معارك”. في الأثناء، عبّر جميع الأطفال السوريين عن أسفهم لوضع الأطفال السوريين الذين اضطروا إلى الفرار من منازلهم والعيش في أماكن أخرى. وعندما طلب من الأطفال أن تجسيد مشاعرهم، استعملوا “الألوان بشكل مكثف، ورسم غالبيتهم المدرسة أو الأساتذة وأفضل أصدقاءهم”. وخلال هذا اللقاء، رغب جميع الأطفال في وصف لوحاتهم، والحديث عن مشاعرهم تجاه مأساة اللاجئين.

 

 

وفي تصريحات له لصحيفة “لاراثون”، تحدث الأستاذ السوري، حنا خوري، عن التضامن الإسباني تجاه اللاجئين. وقال خوري: “أحترم جدا الأشخاص الذين فتحوا أبوابهم للاجئين. وأترجى الشعب الإسباني والحكومة الإسبانية، التي أشكرها أيضا لأنها استقبلت لاجئين، لكي يفتحوا أبوابهم أمام اللاجئين ويحتضنوهم؛ لأن التفاصيل البسيطة قادرة على تغيير حياة اللاجئين”.

 

من جانب آخر، لا زالت الأرقام حول عدد اللاجئين في العالم مثيرة للجدل خاصة بعد نشر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إحصاءاتها لهذا العدد خلال سنة 2017. وللسنة الخامسة على التوالي، حافظ عدد اللاجئين على نموه بطريقة لا هوادة فيها، إذ وصل إلى حدود 68.5 مليون شخص. ومن جهتها، أكدت منظمة إنتري كولتوراس أن 52 بالمائة من اللاجئين هم من القصر.

 

 

أشارت فاليريا مينديز دي فيغو، المسؤولة في منظمة إنتري كولتوراس، والتي قدمت حملة “4 كلمات من أجل فتح العالم” إلى أن “أرقام مفوضية اللاجئين تعني أنه يوجد حوالي 36 مليون طفلا قاصرا، تقل أعمارهم عن 18 سنة، بين صفوف اللاجئين”.  وتجدر الإشارة إلى أن العبارات الأربعة التي تمثل هذه المبادرة هي: الاستقبال، والحماية، والتحفيز، والاندماج. ويتمنى أصحاب هذه المبادرة أن تدرج الأمم المتحدة هذه العبارات في توقيع الميثاق العالمي حول الهجرة واللجوء في أيلول/ سبتمبر المقبل. وفي هذا الصدد، ذكّرت مينديز دي فيغو بأنه يلتحق بالمدارس 60 بالمائة فقط من القصر اللاجئين.

 

ترجمة مجلة ميم للمقال الذي نشر في صحيفة لارثون الإسبانية

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد