اختيار المحررينثقافةغير مصنف

Photocopy: “العالم يبدأ باستمرار”‎

سنيما

 

“لا تحسبوا أنّي أخاف الزمن. ولا تحسبوا أنّي أرهب الموت؛ فإذا حانت لحظته، فهو حقّ. أنا لا أخشاه، لكن أخشى فوات الأوان.” بهذه القولة للشّاعر الفارسي عمر الخيّام، يمكن أنْ نلخّص الفكرة الجوهريّة الّتي انبنى عليها الفيلم المصري “فوتوكوبي” (Photocopy) المتوّج بالنجمة الذهبيّة لأفضل فيلم روائي عربي في مهرجان الجونة السينمائي الدولي بمصر في عام 2017، وعدّة جوائز أخرى منها جائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان طرابلس السينمائي بلبنان.

 

وقد شارك في لعب أدوار البطولة في هذا الفيلم كلٌّ من محمود حميدة وشيرين رضا وبيّومي فؤاد وعلي الطيّب وفرح يوسف وأحمد داش. وهو أوّل فيلم روائي طويل للمخرج المصري تامر عشري وللكاتب والسيناريست هيثم دبّور.

وتدور قصّة الفيلم حول البطل محمود (محمود حميدة)، وهو رجل متقاعد يملك محلّا صغيرا لرقن المستندات ونسخها. وفي خريف العمر، يداهمه الشعور بالوحدة الّذي منح له الفرصة للتأمّل في التغيّرات الكثيرة من حوله بعد أنْ أفنى حياته في العمل الشاقّ دون أن ينتبه إلى أنّ عالمه قد شارف على الاندثار.

فقد مات كثيرون من أصدقائه وأبناء جيله، فيما يحتضر زمنه الخاصّ على مستويات عديدة، فيظهر البطل في صورة مثيرة للسخرية حينًا وللشفقة أحيانًا: تغيّرت لهجة المحيطين به، فهو لا يفهمهما في أغلب الأحيان، وتغيّرت الأذواق الفنّية والهوايات، كما تغيّرت طرق العمل وساهمت التكنولوجيا في أن تندثر مهنٍ عديدة، ومنها مهنته هو، مهنة رقن المستندات ونسخها الّتي صارت لا تغني ولا تسمن من جوعٍ خصوصًا في المنطقة الّتي يعيش فيها. وهذه المنطقة هي حيّ عبده باشا، الحيّ العتيق الّذي تحوّل من منطقة مركزيّة في المدينة إلى منطقة مهمّشة نسبيًّا.

ومع كلّ هذه المتغيّرات يعيش البطل شعورًا بالاغتراب، في ظلّ عيشه وحيدًا وعدم تأسيسه لعائلة وغياب عملٍ ينهمك فيه لدرء رتابة الحياة والشعور بالغربة.

وفي الضفّة الأخرى من الشارع، تعيش البطلة صفيّة (شيرين رضا) وحيدة بعد أنْ مات زوجها وسافر ابنها للعمل كمهندس بترول في الخليج العربي. وتعاني هذه المرأة المسنّة نسبيًّا من مرض سرطان الثدي ومن الاغتراب بأشكاله العديدة، اغترابها في الآخر (تنتظر ابنًا غائبًا طيلة الوقت) واغترابها في الزمن (العالم هو الماضي، ولذلك تعيش صفيّة على وقع الراديو وأغاني “الزمن الجميل”) واغترابها في جسدها (تعرّضت صفيّة إلى عمليّة بتر أحد ثدييْها جرّاء إصابتها بالسرطان، إضافة إلى بوادر الشيخوخة)؛ ونتيجة لقسوة هذا المنفى تحيا صفيّة في “شرنقة” قوامها النوستالجيا، شرنقة نسجتها من خيوط آلامها الجسديّة والروحيّة.

 

 

لكنّ “محمود فوتوكوبي”، على عكس صفيّة، كان يحاول أن يبني عالمه من جديدٍ على أنقاض حياته الّتي مرّ بجانبها. وهذا عائد بالأساس إلى سببيْن رئيسيّيْن: أوّلهما، هو وقوعه في حبّ جارته صفيّة، والحبّ هو وسيلة أبديّة لينقذ الإنسان نفسه من براثن العدم؛ وثانيهما، هو اطّلاعه بالصدفة على بحث عن الديناصورات كان قد رقنه لطالبٍ، فأثار في نفسه السؤال عن سبب انقراضها. وبما أنّ الديناصورات انقرضت لعدم استطاعتها التكيّف مع المتغيّرات الّتي حصلت في محيطها، فقد كان هذا الهاجس دافعًا لمحمود كي يحاول التأقلم مع محيطه والاندفاع لطرد شبح الموت ومقاومة وطأة الزمن، وهنا نعود إلى قولة عمر الخيّام الأولى، فمحمود لم يكن خائفًا من الموت في حدّ ذاته بل خائف من فوات الأوان، خائف من أن تنتهي حياته دون أن يترك أثرًا من بعده، أيًّا كان الأثر، ابنًا يحمل اسمه أو إنسان يحبّه ويقتسم معه قطعة من الحياة، فيتذكّره بعد موته ويرثيه. إنّ محمود خائف من الانقراض لا من الموت، وهذا هو الدافع العبثيّ الّذي يحرّك الإنسانيّة منذ تشكّل وعيه.

وهو ما يقوله البطل محمود لصفيّة في إحدى المحاورات الّتي حاول فيها إقناعها بقبول الزواج منه: “أنا لا أحارب الزمن يا صفيّة، ولكن أحاول أنْ آخذ منه أيَّ شيء منه يظلّ حيًّا بعد موتي.”

ولكن رغم أهمّية موضوع الفيلم بأبعاده واستتباعاته الفلسفيّة، فإنّ التنفيذ كان سيّئًا في مواضع كثيرة منه. فمن جهة، لم يكن هناك حفرٌ كافٍ في باطن الشخصيّات، وخاصّة شخصيّة البطليْن. ورغم اجتهاد الممثّليْن الرئيسيّيْن الواضح في سبر غور هاتيْن الشخصيّتيْن ومحاولة تقديمهما في صورة مثلى، إلّا أنّ السيناريو والرؤية الإخراجيّة لم تساعدهما في ذلك في أغلب الأحيان، حيث نجد مَشاهد كثيرة في الفيلم تلامس سطح الشخصيّات ولا تغوص في قاعها الباطن المظلم، وكذلك هي الأحداث الّتي لم تساعد في وضع الشخصيّات في وضعيّات تفضحها من الداخل وتعرّي باطنها، كما لا لمْ يتمّ الاشتغال على العقدة الرئيسيّة في الفيلم، فلم يصل الحدث الدرامي إلى ذروته، فكان الفيلم هادئًا جدًّا وسار على هذا النحو: محاولات محمود طلب الزواج من صفيّة وتردّد صفيّة المتواصل لكبر سنّها وخوفها من آراء الآخرين وردّة فعل ابنها، وفي النهاية ينجح محمود في إقناعها ويتزوّجان.

والإشكال لا يكمن في بداية الفيلم أو نهايته، بل في يكمن في تلك الفترة الزمنيّة الّتي يصل فيها إلى ذروته، وهذا يعود إلى عدم التركيز على خلق أحداث تنمّي فكرة الفيلم العميقة وتولّد عقبات من شأنها أن تولّد تساؤلات أكثر حولها. وكذلك كانت الشخصيّات الثانويّة غير فاعلة إلى حدٍّ مّا في توليد المعنى الّذي تمحور حوله الفيلم، كما أنّ شبكة العلاقات فيما بينها لم تكن معقّدة إلى درجة تكفي لإبراز زوايا نظر متباينة حول الفكرة الرئيسيّة للفيلم والمساهمة في إعطاء أبعاد أخرى للشخصيّتيْن المحوريّتيْن من خلال إيجاد روابط وطيدة وأكثر تعقيدًا فيما بينها.

 

 

جماليًّا، هناك الكثير من المشاهد النمطيّة الّتي يطغى فيها الحوار الفجّ على اللّغة السينمائيّة، ونشعر بأنّ الحوار في حدّ ذاته ممجوج إلى حدٍّ كبير، يحضر فيه صدى الأفلام المصريّة القديمة بقوّة. كما ساهمت هذه المشاهد في التغطية على جماليّة مشاهد أخرى كانت فيها اللّغة السنيمائيّة عالية. وعلى سبيل المثال، نتعرف في بداية الفيلم على أنّ صفيّة مريضة بسرطان الثدي في لقطة رائعة ومعبّرة، حيث يسقط الثدي البلاستيكيّ أرضًا حين تقوم البطلة بتغيير ملابسها، ولكن نجد فيما بعد مشاهد حواريّة تتحدّث فيها البطلة عن مرضها بطريقة مباشراتيّة فجّة، وهذه هي المشاهد الّتي كان من الأجدر حذفها أو إعادة صياغتها بأسلوب جماليٍّ وظيفيٍّ، يحاور المشهد الأوّل ويعمّقه.

لكن احتوى الفيلم على مشاهد موفّقة تحكمها لغة سينمائيّة وظيفيّة، خاصّة تلك المشاهد الّتي صوّرت جلوس محمود أمام دكّانه وحيدًا أو المشاهد الّتي صوّرت صفيّة في منزلها أثناء لحظات الوحدة القاتلة، فكانت هذه المشاهد باتّساعها وضآلة البطليْن فيها تعبيرًا واضحًا عن هذا الضياع والتشتّت في محيط مجهول ومتغيّر، وقد تمّ استعمال هذه المشاهد في أكثر من موضع، وكثيرًا ما كان محمود في أقصى الصورة يسارًا أو يمينًا لا في منتصفها، وهي تقنية لوضع البطل في ركنٍ صغير من المشهد لتبيان حالة انكماشه على ذاته متوجّسًا من العالم الّذي صار أشسع من زاوية نظره ورؤيته له.

كما زخر الفيلم بمشاهد مؤثّرة ووظيفيّة، مشاهد تشعر فيها بوطأة الزمن الّذي أصبح إيقاعه سريعًا إلى درجة أنّه يسرقنا من أنفسنا وحياتنا دون أنْ نشعر، الزمن الّذي يتلوّن ويتغيّر ويضعنا في منطقة وسطى بين ما نحبّ وما يتوجّب علينَا فعله كي نستمرّ على قيد الحياة. فالفيلم دعوة إلى أنْ لا نستسلم وأن نخوض معركتنا من أجل عيش لحظات خالدة أو لترك ما يخلّدنا بعد الموت؛ هو دعوة للأمل وللبداية من جديدٍ وإن كنّا لا نملك سوى متّسع صغير من الوقت. هو دعوة لمقارعة الزمن بترك أثرٍ مّا من بعدنا، مقارعته بتلك الأشياء الّتي تخلّد أيَّ شيء من الكيان الإنساني المهدّد بالانقراض في كلّ لحظة.

لكنّ الفيلم نجح خاصّة في المواضع الّتي هيمنت فيها السخريّة، وخاصّة شخصيّة الطفل عبد العزيز (أحمد داش) الّذي أعطى روحًا مرحة للفيلم، وساهم في توضيح الهوّة بين طريقة عيش أبناء مصر الحاليّين من المراهقين وبين أولئك الّذي عاشوا في زمن الأبيض والأسود الرومانسي والهادئ.

فالفيلم يسخر من التغيّرات المفروضة قسرًا على أبطاله، ويحتفي بفترة ازدهار الفنّ المصري القديم، وبإمكانيّة أن نبدأ حياة جديدة، فنجد البطل يترك عادة البحث في صفحة الوفيات بالجريدة عن نعي أصدقاء محتملين له، إلى التعرّف على أصدقاء جدد من الشباب كي يعيش معهم شغف الحياة من جديد.

إنّ فيلم “فوتوكوبي”، هو فيلم هادئ رومنسي وحالم، يدعو إلى التشبّث بالحياة والبحث عن أشياء بسيطة للسعادة، فهي موجودة دائمًا في مكان مّا من حولنا، ولكن يتوجّب على الإنسان أن يفتّش عنها قبل فوات الأوان.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد