مدوناتسياسةغير مصنف

فوز انتخابي آخر وتثبيت لتوجهات تركيا الجديدة

 

في ظل مشاركة انتخابية كثيفة قاربت نسبة التسعين بالمائة من الناخبين الأتراك ومنافسة سياسية حامية بين مرشحي الأحزاب التركية سواء على منصب الرئاسة أو مقاعد البرلمان، يفوز رجب الطيب أردوغان من جديد وفي ذات الوقت يحقق التحالف الانتخابي الذي يقوده (ويضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية) نسبة تفوق الخمسين بالمائة من مقاعد البرلمان بما يمنحه القدرة على مزيد التحرك السياسي مع دخول التعديلات الدستورية الجديدة التي تم إقرارها في استفتاء أفريل 2017 ويضمن صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية ويجعله المتصرف المباشر في النشاط الحكومي اليومي.

انتخابات هي بمثابة إقرار شعبي واسع بسلامة خيارات الرئيس أردوغان وتأييد لتوجهاته واعتراف بما حققه من انجازات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

وقد جاء خطاب الفوز الذي ألقاه الرئيس أردوغان متضمنا للتأكيد على جملة من الثوابت الأساسية التي تتحرك في فضاءها السياسات التركية العامة، بداية من إعادة التأكيد على دخول التعديلات الدستورية الجديدة حيّز التنفيذ و أن الغاية القصوى هو تحقيق أهداف تركيا 2023 دون إقصاء أو تمييز بسبب اللغة أو الدين. و أن الخلاف السياسي لا يمكن أن يكون سببا كافيا للتشاحن والبغضاء بين أبناء الوطن الواحد.

ويمكن القول أن فوز أردوغان الواضح على المرشح الأبرز للمعارضة ونعني به محرم أنجه قد اثبت حقيقة لاحظها كل المراقبين وهو عجز قوى المعارضة التركية عن تجميع قواها وإيجاد مرشح واحد قوي وقادر على منافسة أردوغان شعبيا، رغم قدرتها على بناء ائتلاف حزبي هو تحالف الأمة والذي ضم قوى مختلفة وتمكن من أن يحرز حضورا جيدا في البرلمان القادم وإن كان غير قادر على أن يصبح رقما أساسيا في تشكيل الحكومة المقبلة.

 

وبهذا الفوز تتثبت أقدام الأردوغانية أكثر في تركيا وتتحول الى توجه حقيقي يقوم على جملة من الخيارات أولها تحويل تركيا الى قوة دولية كبرى بإمكانها التحرر من ميراث معاهدة لوزان (1923) والخروج من شبه جزيرة الأناضول بوصفها دولة كبرى متقدمة في المجالات الاقتصادية والعسكرية وصاحبة قرار لا يمكن مجاوزته في محيطها الإقليمي.

 

من يتابع المشهد التركي بداية من 2001 سنة صعود حزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب أردوغان يمكن أن يلاحظ التغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها تركيا حيث تحققت نجاحات اقتصادية واجتماعية كبرى وصولا الى إبعاد النفوذ التقليدي للمؤسسة العسكرية الذي كان يلقي بثقله على المشهد السياسي التركي

 

خيارات رسّخها أردوغان عبر انفتاحه على القوى الكبرى المحيطة وتحديدا روسيا والصين وإيران في مقابل حالة من المناكفة إزاء القوى الغربية التي لم تعد الحليف الذي يطمح الأتراك في نيل رضاه وما زاد في الغضب الشعبي من أروبا هو التلكؤ الذي يبديه الاتحاد الأروبي من انضمام تركيا إليه وهو أمر جعل التوجهات السياسية لتركيا الأردوغانية تقوم على أولوية تقوية الروابط والصلات بدول الشرق والتمدد اقتصاديا في المجال الإفريقي والأسيوي ودول أمريكا اللاتينية.

إن الانتخابات التركية الحالية تثبت أن رجب الطيب أردوغان ومن ورائه حزب العدالة والتنمية قد تحول فعليا الى المعبّر الحقيقي عن شرائح واسعة من المجتمع التركي والتي تضم الفئات المحافظة وعناصر الحركة القومية ممن يحنّون الى تركيا قوية ومؤثرة بالإضافة الى رجال الأعمال الناشطين في مجالات مختلفة كالسياحة والصناعة وهو ما يعني مزيد من استقرار ركائز الحكم التركي في ظل محيط إقليمي مضطرب.

 

 

التجربة التركية في ثوبها الأردوغاني تستحق المتابعة والدراسة، فهذا البلد الذي عانى طويلا من حالات الاضطراب السياسي والمراوحة بين ديمقراطية هشة وانقلابات عسكرية متتالية بالإضافة الى قيود غربية صنعتها اتفاقيات سياسية وعسكرية في الزمن السابق لأردوغان استطاع في مدة وجيزة إعادة بناء ذاته والاستفادة من مكامن القوة فيه والتي جعلته يصبح فعليا قوة دولية مؤثرة.

وفي ظل حالة السيولة السياسية التي يشهدها العالم مع انكفاء الاتحاد الأروبي بعد انسحاب بريطانيا منه والسياسات العدائية التي ينتهجها دونالد ترامب وتصاعد التأثير السياسي الروسي والنفوذ الاقتصادي الصيني فليس أمام الدول التي ترغب في افتكاك موقعها تحت الشمس إلا بناء قوتها الذاتية والاستفادة من التحالفات الجديدة من اجل مزيد مراكمة مصادر القوة ووسائل التأثير وهو ما يقوم به أردوغان.

ومن يتابع المشهد التركي بداية من 2001 سنة صعود حزب العدالة والتنمية ورئيسه رجب أردوغان يمكن أن يلاحظ التغيرات السياسية الكبرى التي شهدتها تركيا حيث تحققت نجاحات اقتصادية واجتماعية كبرى وصولا الى إبعاد النفوذ التقليدي للمؤسسة العسكرية الذي كان يلقي بثقله على المشهد السياسي التركي ويقيّد حركة الأحزاب ورجال السياسة وانتهاء بالتعديل الدستوري الجديد الذي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات دستورية اكبر تمكنه من انجاز البرامج الانتخابية التي ترشح على أساسها.

وفي مقابل هذه الحيوية السياسية التي تعرفها تركيا من خلال انتخابات حرة تعددية وديمقراطية وفي ظل نفوذها المتصاعد ونجاحاتها السياسية المتتالية لازالت المنطقة العربية تراكم فشلها محكومة بأنظمة استبدادية مغلقة وتدخلات دولية وجدت الفرصة للتسرب في ظل شقوق الأنظمة العربية العاجزة.

الوسوم

سمير حمدي

كاتب وباحث تونسي في الفكر السياسي، حاصل على الأستاذية في الفلسفة والعلوم الإنسانية من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ـ تونس، نشرت له مقالات ودراسات في عدة صحف ومجلات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق