ثقافةغير مصنف

“القيصر يجب أن يموت”

أفلام

 

  يُعتَبر الأخوان فيتوريو وباولو تافياني علامة مضيئة في تاريخ السينما الإيطاليّة والعالميّة، لاتّسام تجربتهما الإخراجيّة المشتركة بالتجريب المتواصل وتميّز الأفلام الّتي أخرجوها بأطروحات فلسفيّة عميقة إضافة إلى عملهما الدؤوب على محاورة الروايات والمسرحيّات العالميّة الخالدة ومحاولة تقديمها سينمائيًّا لتنزيلها في عالمنا المعاصر.

 

وهذان المخرجان الشقيقان، كانا يفكّران ويكتبان معًا ويتناوبان على إخراج المشاهد المختلفة من أفلامهما، وكانت تجمعهما رؤية موحّدة للسينما والتاريخ والعالم.

وخلال نصف قرن، قدّم الأخوان تافياني أكثر من 20 فيلمًا بين وثائقيّة وروائيّة، واقتبس كثير منها عن أعمال أدبيّة عظيمة لكتّاب كبار كالروائي الروسي ليو تولستوي والأديب الألماني غوته.

 

 

وقد تحصّل الأخوان تافياني على جوائز عالميّة عديدة، من أهمّها جائزة السعفة الذهبيّة لأحسن فيلم بمهرجان كان السينمائي في عام 1977، عن فيلمهما Padre padrone، وجائزة الدبّ الذهبي لأحسن فيلم في مهرجان برلين السينمائي في عام 2012، عن فيلمهما “قيصر يجب أن يموت” (Caesar Must Die)، موضوع هذا المقال.

ينطلق هذا الفيلم بمشهد لممثّلين على خشبة المسرح يقومون بلعب المشهد الختامي لمسرحيّة “يوليوس قيصر” لويليام شكسبير، الّذي ينتحر فيه بروتوس بعد خسارة جيشه للمعركة ضدّ جيش المطالبين بثأر زعيمهم المغدور يوليوس قيصر.

وبعد انتهاء المسرحيّة، يتفاعل الجمهور كثيرًا مع أداء الممثّلين المبهر، ويصفّق لهم بحرارة. لكن في المشاهد التالية، يتغيّر كلّ شيء في لحظة ويبدأ هذا العالم في التهاوي، وينقلب كلّ شيء رأسًا على عقب، فيتّضح أنّ الممثّلين هم نزلاء أحد أكثر السجون مشدّدة الحراسة في إيطاليا، فيخرج المتفرّجون منتشين عوالمهم الرحبة، فيما يعود الممثّلون من فضاء المسرح الرحب إلى غرفهم الضيّقة في السجن. ومن اللعب في إحدى روائع المسرح المأساوي الشكسبيري يدخلون إلى مأساتهم الخاصّة، مأساتهم الحقيقيّة، واقع السجن والجدران الضيّقة والآمال المحطّمة.

 

 

على الصعيد الفنّي، تتحوّل المشاهد من مشاهد ملوّنة أثناء أداء المسرحيّة إلى مشاهد بالأبيض والأسود، وهذا اختيار قد يعود إلى غياب الدفء والحيويّة والاتّساع في السجن على عكس المسرح، فتقنية الأبيض والأسود أضفتْ برودة شديدة على المشاهد الّتي تصوّر تدريبات الممثّلين داخل السجن.

وعند عودة كلّ سجين إلى زنزانته، يعود الإخوة تافياني في المشاهد الموالية إلى الماضي، وتحديدًا قبل 6 أشهر من عرض هذا العمل المسرحي، لمتابعة مراحل تشكّله من مرحلة طرح الفكرة من قِبل المخرج المسرحي فابيو كافالي إلى مرحلة الكاستينغ حتّى مرحلة إسناد الأدوار للسجناء المختارين وتدرّبهم اليومي عليها داخل أسوار السجن.

 

 

يبدأ الفيلم باختيار السجناء الّذين سيقومون بلعب الأدوار الرئيسيّة والفرعيّة في المسرحيّة من خلال اختبارات أمام الكاميرا في مشهد تسجيلي، وقد قدّم السجناء أنفسهم بصدقٍ كبير، وتحدّث كلٌّ منهم عن مدّة عقوبته وجريمته، إلخ…

ورغم الحبكة الظاهرة في تصوير مشاهد التدريبات، إلّا أنّها لم تخلو من عفويّة في كثير من الأحيان، ولم يتمّ حذف بعض هذه المشاهد العفويّة في المونتاج لأنّها كانت تخدم الفكرة الرئيسيّة للمخرجيْن، وهي إيجاد هذه التقاطعات بين التاريخ والحاضر، وبين باطن الشخصيّات الرئيسيّة لمسرحيّة شكسبير وباطن السجناء أنفسهم.

وقدْ صُوِّرتْ مشاهد التدريبات داخل زنازين السجناء وفي فناء السجن، وعلى سطحه، بينما تحوّل باقي السجناء في زنازينهم المطلّة على المشهد، إلى مشاهدين ينفعلون ويبدون رأيهم في الشخصيّات والوقائع، ويعلّقون ويستهجنون، ويلعبون أحيانًا دور الجمهور الروماني أثناء خطابات القائد أنطونيو والقائد بروتوس في المسرحيّة. وهو ما حصل مع حرّاس السجن الّذين تفاعلوا أيضًا مع تدريبات الممثّلين السجناء بين مستهجنٍ ومنبهر.

 

 

وهكذا أصبح السجن نفسه مسرحًا كبيرًا، بل أبعد من ذلك، في مشاهد معيّنة يصبح السجن عبارة عن روما نفسها، حين يدخل جميع من في السجن إلى عالم المسرحيّة، فتمّحي الثنائيّة: ممثّلين/ جمهور، ويصبح الجميع داخل اللعبة.

وهنا يبدأ التداخل بين الواقعيّ والتاريخيّ والخياليّ على مستوى القصّة والحوار والحقائق والأفكار، وبين الوثائقيّ والتسجيليّ والروائيّ على مستوى الشكل الفنّي للفيلم.

فالفيلم هو قصّة داخل قصّة داخل قصّة، قصّة يوليوس قيصر الامبراطور الروماني منقولة إلى عالم المسرحي شكسبير منقولة إلى عالم المخرج المسرحي فابيو كافالي مع ممثّلين سجناء منقولة، وكلّ هذه العوالم المتشابكة فيما بينها خلقت مادّة نقلها الأخوان تافياني إلى السينما في هذا الفيلم. ولكنّ المخرجيْن ركّزا على الخيط الرابط بين كلّ هذه القصص، وهو أوجه التلاقي بين تجربة السجناء الذاتيّة وبين الأفكار الشكسبيريّة حول الصداقة والخيانة والشرّ والخير والاستبداد، إلخ…

وقدّ تمّ إظهار هذه التقاطعات بتصوير مشاهد الخروج عن النصّ أثناء التدريب، ويتوضّح ذلك من خلال قول الممثّل الّذي لعب دور بروتوس حيث يقول جملة من المسرحيّة: “إنّ روما مدينة بلا حياء” ثمّ يستدرك ويخرج عن النصّ: “ما أعظم شكسبير، كأنّه يتحدّث عن مدينتي نابولي، فهي أيضًا مدينة بلا حياء”.

وفي موضع آخر لا يستطيع أن يواصل التدرّب وينسحب، لأنّه تذكّر صديقًا له ورفيقًا في المافيا الإيطاليّة، لتطابق معنى جملة مّا تطابقًا تامًّا مع الجملة في المسرحيّة الشكسبيريّة. وفي موضعٍ آخر من الفيلم، يصبح التدرّب على أحد مشاهد المسرحيّة (الّذي يجمع بين الممثّل الّذي يلعب دور الموسيقي المنافق وبين الممثّل الّذي يلعب دور يوليوس قيصر) إلى معركة حقيقيّة بعد خروج الممثّليْن السجينيْن عن النصّ، بسبب تطابق الوضعيّة في المشهد مع مشاعرهما المخفيّة تجاه بعضهما بعضًا.

 

وبذلك، أصبح الفيلم حوارًا بين اعترافات السجناء أنفسهم واستنتاجاتهم الخاصّة وبين الأفكار والوقائع الّتي وردت في المسرحيّة. وقد خدم الشكل الفنّي هذه الفكرة كأحسن ما يكون، فالفيلم عبارة عن “يوميّات سينمائيّة”، ترصد تجربة السجناء في التمثيل المسرحي، ولكنّها ترصد جوانب من حياتهم واعترافاتهم وشخصيّاتهم الحقيقيّة، وذلك من خلال المزج بين تقنيات الفيلم الوثائقيّ وتقنيات الفيلم الروائي.

أمّا النهاية، فكانت رائعة بامتياز. فعلى طريقة مدرسة السينما البرازيليّة “النوفو” (Cinema Novo)، تظهر صور الأبطال الحقيقيّين، أي المساجين، ليتبيّن أنّهم مساجين فعليّون قاموا بالتمثيل في الفيلم.

ومنهم سلفاتوري ستريانو، السجين الّذي أصبح فيما بعد ممثّلًا محترفًا في السينما الإيطاليّة، أشهرها فيلم Gomorra، الّذي تحصّل على جائزة النقّاد في مهرجان كان السينمائي، هذا بالإضافة إلى السجين الّذي مثّل دور كاسيوس وكتب بعد تجربته في المسرحيّة والفيلم كتابًا يروي فيه سيرته الذاتيّة.

وهذا ما يبرز الأثر الهامّ والفعّال للفنّ في أنسنة الذات البشريّة، في تصريف تلك الطاقة الهائلة الّتي يمتلكها الإنسان في الجماليِّ، عوضًا عن تصريفها في الجريمة وإنتاج البشاعة والقبح. وفي هذا الفيلم، يصبح تجّار مخدّرات ورجال مافيا وقتلة إلى ممثّلين مسرحيّين بارعين، وكان المسرح بالنسبة إلى بعضهم منفذًا للخلاص من عالم الجريمة وبداية حياةٍ أخرى محترمة.

ولعلّ ما قاله السجين الّذي لعب دور كاسيوس خير دليل على أنّ الفنّ غيّر وجهة نظرهم للعالم: “إنّ الفنّ قد جعلني أشعر بأنّ هذا المكان سجن”، فقبل أن يعيش تجربة المسرح كان راضيًا بوضعه ومُغَيَّبًا عن واقعه، لكنّ الفنّ جعله يصبح إنسانًا مختلفًا يرى العالم في تعدّده واختلافه وشساعته، فالإنسان يُولَد ثانية حين يقع في شَرَك الجماليّات.

“قيصر يجب أن يموت” هو فيلم يدين الأنظمة الّتي تمحو إنسانيّة الكائن البشري وتجعله وحشًا، وهذا الإنسان لا عزاء له سوى الفنّ كي يسترجع ما سلبه منه “القياصرة” الجدد، ولذلك فالفيلم دعوة إلى قتل هؤلاء القياصرة الّذين يتصنّعون الشرف ويمتلكون القانون والمال والسلطة، لكنّهم يعملون في الخفاء مافيوزيّين وتجّار سمومٍ وحروب، وهذا هو الوضع في إيطاليا، ولا يدفع التكلفة إلّا صغار المجرمين الّذين كانوا سيصبحون أناسًا حقيقيّين لولا لم تظلمهم الدولة والمجتمع.

“قيصر يجب أن يموت” هو فيلم ذكيّ ومراوغ وماكر لغته التكثيف والتكثيف والتكثيف، ويحمل في أعماقه أفكارًا عظيمة رغم قصر مدّته الزمنيّة، لذلك لا تفوّتوا فرصة مشاهدته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد