مدوناتغير مصنف

العقوبات على غزة، قربان صفقة القرن

 

لا أظن أن عاقلاً تخيل في يوم ما أن يصل الحال بسلطة تعد فلسطينية وتدعي تمثيل الفلسطينيين إلى أن تكون شريكاً أساسياً مع الاحتلال في حصار جزء من الشعب الفلسطيني وفرض عقوبات حديدية عليه تهدف لتركيعه وإجباره على التماشي مع برنامجها والتسليم الكامل لنهجها، القائم على مقايضة لقمة العيش بالثوابت، والانفراج الشكلي بالمقاومة.

 

في فلسطين اليوم باتت هذه العقوبات مثاراً لاستنكار أكثر الفلسطينيين، وبات هنالك حراك في أكثر من مدنية فيها يطالب بإنهاء تلك العقوبات والكف عن ابتزاز غزة والمشاركة في خنقها إلى جانب الاحتلال الصهيوني وسلطة الانقلاب في مصر، لكن السلطة الفلسطينية تدير ظهرها لكل مشاعر الغضب تلك ولا تعبأ بها، بل تصرّ على أن تكون في الخندق المناوئ للإرادة الشعبية الفلسطينية، وهي إرادة لا يمكن أن تجمع على مسار كارثي وسياسات كتلك التي تنتهجها السلطة، وقد أثبتت هذه الإرادة الجمعية انحيازها الدائم لخيار المقاومة في أكثر من مناسبة.

 

هذه السلطة لم تتأسس لتلبية حاجة فلسطينية ولا للنهوض بمسيرة التحرير ولا للأخذ بيد الفلسطينيين نحو أحلامهم، إنما كانت بالأساس حاجة إسرائيلية لإراحتها من الأعباء الإدارية للسكان الفلسطينيين في غزة والضفة، ولقطع الطريق على تطور الانتفاضة وتصاعدها، ولتجريم المقاومة وتسويغ ملاحقتها بأيد فلسطينية تحت ذرائع شتى

 

بالنسبة للسلطة ممثلة بحركة فتح لا تبدو سياستها تجاه غزة غريبة على سلوكها التاريخي المعروف بأنه متأسس على الإقصاء والتفرد والاعتقاد بامتلاكها الأحقية بتمثيل الفلسطينيين وفرض عليهم الخيار الذي تريد حتى لو أفرزت أي انتخابات نزيهة الانحياز لخيار آخر، لكنها تمعن اليوم في إجراءاتها ضد غزة مستقوية بمحور الثورة المضادة للنظام الرسمي العربي، وراغبة على طريقتها في استعطاف الرضا الأمريكي وغض الطرف الصهيوني عن بقائها واستمرارها، فإن كانت أنظمة الثورة المضادة تتقرب إلى إسرائيل بالتطبيع المعلن والمستتر معها، فإن السلطة بدورها تتقرب إلى ذلك المحور وخياراته بالإصرار على خنق غزة وعزلها عن العالم، لأن المطلوب منها الوفاء بما يترتب عليها في هذا الجانب أملاً في تمهيد الطريق أمام صفقة القرن، وهي التي لا يمكن أن تتم وغزة على وضعها الراهن، قاعدةً للمقاومة، ورافضةً للخضوع، ومستمرة في حراك مسيرات العودة الذي بدأ قبل نحو ثلاثة أشهر.

 

ليس أسوأ من سياسة تجويع الناس لتحصيل مكاسب سياسية إلا الاستقواء بالاحتلال على تحقيق هذا الهدف، أما الأسوأ من ذلك كله فهو أن تكون كل هذه الإجراءات العقابية الإجرامية جزءاً من متطلبات تعبيد الطريق أمام صفقة القرن

 

لكن ما يبدو مهماً اليوم إدراك ما وراء هذا المشهد، وفهم الحقائق كما هي مجردة من الزيف ومساحيق التجميل، وأولها أن هذه السلطة لم تتأسس لتلبية حاجة فلسطينية ولا للنهوض بمسيرة التحرير ولا للأخذ بيد الفلسطينيين نحو أحلامهم، إنما كانت بالأساس حاجة إسرائيلية لإراحتها من الأعباء الإدارية للسكان الفلسطينيين في غزة والضفة، ولقطع الطريق على تطور الانتفاضة وتصاعدها، ولتجريم المقاومة وتسويغ ملاحقتها بأيد فلسطينية تحت ذرائع شتى.

 

أمن السلطة الفلسطينية يتصدى للمتظاهرين المطالبين برفع العقوبات عن غزة

 

كما يبدو مهماً أيضاً الكف عن التعويل على مصالحة جوفاء بين منهجين مفترقين على الساحة الفلسطينية، خصوصاً حين يكون مطلوباً من أحدهما الخضوع الكامل لمسار يرفضه معظم الفلسطينيين ولا يعبر سوى عن رؤية الطغمة الحاكمة في السلطة، فما يتحصل عبر الابتزاز والخنق وقطع أرزاق الناس وتجفيف منابعهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم المعيشية لا يمكن أن يُسمى مصالحة، إنما يصب في دائرة المؤامرة الكبيرة الرامية لتركيع غزة، واستنساخ تجربة التنسيق الأمني فيها بكل ما يعنيه من قتل لإرادة المواجهة، وإرغام الناس على التعايش مع واقع الاحتلال، وترويض نفوسهم على تقبل أي حل في سبيل الحصول على لقمة العيش وضمان استمرارها.

 

مواجهات بين أنصار السلطة الفلسطينية والمحتجين المنددين بحصار غزة المتواصل

 

ليس أسوأ من سياسة تجويع الناس لتحصيل مكاسب سياسية إلا الاستقواء بالاحتلال على تحقيق هذا الهدف، أما الأسوأ من ذلك كله فهو أن تكون كل هذه الإجراءات العقابية الإجرامية جزءاً من متطلبات تعبيد الطريق أمام صفقة القرن، والقربان الأهم بين يديها، فيما تدّعي السلطة الفلسطينية ليل نهار أنها ترفض الصفقة وتحارب لأجل إفشالها!

الوسوم

لمى خاطر

كاتبة من فلسطين

مقالات ذات صلة

اترك رد