ثقافةغير مصنف

عن كرة القدم والرواية: “باغندا” شكري المبخوت مثالا

 

أكّد الروائي التونسي، شكري المبخوت، أنه لا يمكن المقارنة بين المثقف والرياضي، مضيفا أنّ كرة القدم تجاوزت المفاهيم التقليدية القائمة على المنافسة في ظل 90 دقيقة وهي اليوم أعمق وأشمل ولها خلفيات سياسية واقتصادية وجب أخذها بعين الاعتبار بالنسبة للروائي.

 

يأتي ذلك خلال لقاء فكري نظمه بيت الرواية يوم أمس، بحضور المبخوت، الروائي المتحصل على جائزة “البوكر” عن رواية “الطلياني” سنة 2014، الذي قدم رواية “باغندا” بالتزامن مع المونديال في إشارة إلى التقارب بين الرواية وكرة القدم باعتبار أن لكل منهما عشاقها الأوفياء.

 

 

وتلخص رواية “باغندا” طفولة الكاتب بين حبه للرياضة، عشقه للأدب وشغفه بالصحافة، ومدى تأثره بإخوته الذين أدمنوا متابعة الأخبار الرياضية عبر الصحف والمباريات مباشرة عبر موجات الإذاعة وخاصة ركن “مقهى الرياضة” للصحفي “إبراهيم المحواشي” في الصفحة الأخيرة لجريدة الصباح قبل الاطلاع على صفحات المحاكم والأخبار الثقافية.

وتتحدث هذه الرواية أيضا عن العنصرية، الفقر وتهميش رياضيين كانوا بالأمس نجوما عالميين ومصدر فرح وفخر لكل التونسيين لكنهم اليوم أصبحوا في طيات النسيان ويعانون الفقر والمرض.

 

شهادة المبخوت المثقف-الرياضي

يرى شكري المبخوت أن المتأدبون لا يتابعون في العادة كرة القدم فأين منها المعاني الكبرى والقضايا الإنسانية العميقة، أما عشاق كرة القدم الذين يعرفون دقائقها وتفاصيلها وهم منغمسون في عالمها المعقد بل تائهون في متاهتها المدوخة، الأرجح أنهم لا يطالعون أكثر من الصفحات الرياضية إذا طالعوا.

وأكد في اللقاء أن المفارقة تكمن بين أكثر الأجناس الأدبية شعبية وهي الرواية وأكثر رياضة شعبية وهي كرة القدم، حيث يسيران في خطين متوازيين. لكن الموضوع بالنسبة إليّ، وفق قوله، جذاب مغر بل هو مرتبط بحكاية شغف بالرياضة أوصلتنا إلى شغف بالأدب.

وروى المبخوت تجربته مع “باغندا” والمشهد الذي يتكرر أمامه يوميا بعد عودة والده من الحصة الصباحية للعمل مصطحبا جريدة الصباح، التي ويظفر بها أخوته بين موعد الغذاء والقيلولة فيفتحون صفحاتها الأخيرة أي صفحات الرياضة.

يستذكر المبخوت أهم الأسماء التي عرفت في الصحافة الرياضية “حسن وحسين عطية” وإبراهيم المحواشي في ركن قهوة الأحد التي يتناول فيها القضايا الرياضية بأسلوب مميز للكتابة الصحفية الرياضية.

يقول المبخوت “أذكر اليوم بكل وضوح الأسماء التي فتنتنا بأسلوبها في كتابة المقال الصحفي الرياضي وأن صفحات الرياضة كانت مدرسته الأولى في المطالعة” وكان يتهجى كلماتها غير المشكولة ليعرف أخبار نجوم الكرة ووصف المقابلات التي سمع نقلها المباشر يوم الأحد في المذياع.

انتقل المبخوت من صفحات الرياضة الى المحاكم ثم إلى عالم الصحافة والقراءة قبل أن تصبح الكتب والدواوين ملجأه.

يتابع رواية باغندا دين عليّ أن أرجعه إلى من مكنني من أن أعيش حياة ثانية برموزها وتفاصيلها.

 

 

لم يتردّد في الرواية من محاكاة أسلوب كتابة الصحفي الرياضي في مقاطع كثيرة التي رأى البعض أنها نمطية وأسلوبها بسيط في حين يعتبرها المبخوت مليئة حركة وتشويقا.

“أعرف أن البعض لم تعجبه المقاطع ربما لأنها لا تمثل أسلوبا راقيا جديرا بالأدبية كما يقال ولكنهم ينسون أن الرواية جنس أكول لكل أنماط الخطاب واعتبرها في صميم الأدب خاصة في رواية تعتبر الرياضة مجالا للحكي وتطوير المعاني”.

تحدث الروائي التونسي عن شخصيتها الملهمة “ماكسيما” الشاب النحيل الطويل في حيه، الذي كان مبهرا بمراوغاته وقفزاته وفنيّاته وتسديداته الرأسية وهو اليوم في وضع بائس بسبب فقر وأشياء أخرى، حسب قول، المبخوت حتى أنه كاد يسمي العمل باسمه.

يتابع “كان يذكرني بنجم من نجوم الكرة الملقب بـ”بيليه تونس” وهو محي الدين عبيطة الذي تألق في المقابلة التي جمعت المنتخبين التونسي والبرازيلي في ملعب المنزه منذ سنوات”.

وليس من الصدفة حضور طريقة اللعب البرازيلية في الرواية لأن المباراة بالنسبة لجيله هو حدث استثنائي في ذلك الوقت.

يعتبر أن قدور وعبد المجيد بن مراد ومحي الدين الصغير أسماء نجوم أضاءت طفولته البائسة وكان عليه ألّا يكون مثلهم حيث عاش في فترة زمنية يمثل فيه التعليم مصعدا اجتماعيا ممكنا.

وباغندا هو جماع كل النجوم، حسب رأيه” بفطنته وأوجاعه وألقه وذبوله، أعطوا حياتهم ولم ينالوا سوى الهامشية والبؤس. وهذه هي المأساة الموجعة.

كما كان نموذجا مشتقا عنهم قبل إضافة مساحيق الخيال الروائي حتى يستقيم شخصية في نسيجها. وعن اختيار الاسم يقول ” ما اعرفه أن كل لا عب أسمر قوي يسمى في عالم الكرة “باغندا”.

وليس مهما أن يكون الإسم محيلا على كائن من لحم ودم اذ يكفي أنه قادر على الإحالة وهو المصنوع من ورق، حسب تعبيره.

ساعدت الروايات البوليسية المبخوت في كيفية غرس القرائن والموازنة بين الأدلة للوصول إلى لغز الجثة المرمية لباغندا.

يقول “مثلما بنيت من اللغز رواية الطلياني ذهبت أكثر في باغندا بأن جعلته استقصاء من خلال تحويله الى مجال الصحافة الاستقصائية فظللت مشدودا الى معنى النسبية في الحقيقة الروائية.

كما تعمد أن يكون المحقق في الرواية غير مؤهل للوصول الى الحقيقة فهو صحفي يمارس جنسا من الكتابة الصحفية يعدّ مستحيلا في ظل الديكتاتورية التي تمنع الحقيقة وتزيّف الواقع. مثلها مثل النظام الديمقراطي المتوحّش الذي يقلب كل شيء الى سلعة.

يعتبر المبخوت أن اختفاء باغندا وإن بدا جريمة فردية في ظاهرها لكن الحكاية بمقاصدها تؤكد أننا أمام شبكات مافيوزية دخلت مجال الرياضة وعالم الاحتراف أصبح فيه رأس المال، المجرم الحقيقي.

ويقول إن “الرواية ما كانت لتكون لو لم يقلب كرة القدم من مجرد لعبة برهاناتها ونظامها القائم بذاته إلى استعارة عن المجتمع وتحولاته وتناقضاته وصراعاته”.

 

في علاقة الروائي بالرياضي

يرى المبخوت أن جانب القطيعة بين الروائي والرياضي ليس مجرد اعتقادات بل عبّر عنه العديد من الروائيين مثل “بورخس” الذي احتقرها.

ويتابع “لا ننسى أن كرة القدم رياضة شعبية وكان على المثقف أن يتعالى على هذا اليومي فلعبته هي لعبة مفاهيم وفلسفة وأفكار، مضيفا “أعتقد أن دخول التلفزيون ونقل المباريات قد غيّر كثيرا في هذا الجانب فاليوم هناك من لا يحبّ الكرة ولكن الكثيرين يشاهدونها في كأس العالم”.

 

 

وكرة القدم اليوم بالنسبة للروائي التونسي، أصبحت مرتبطة بالوطنيات فهو يشير إلى غرامشي الذي تحدث عن ذلك، ويؤكد أن هناك رهانات وطنية ضمن الأيديولوجيات القومية ومن السذاجة أن نعتبر الرياضة مجرد أسلوب لعب بل لها رهانات سياسية اقتصادية.

وفي مقارنة المثقف بلاعب الكرة، يقول ” لا يقارن المثقف بالرياضي، وأنا نخبوي ولا أؤمن الا بالنخبة باعتبارها الوحيدة القادرة على التغيير أمّا الجماهير فهي وقود.

ويبين المبخوت أن ان كثرة عدد الرياضيين لا تعكس أهميتهم لأن صنع روائي أو شاعر أمر أعسر بكثير وعملية القراءة صعبة وحرة كما تتطلب جهدا ووقتا.

ويضيف “المغني يطربنا والرياضي يمتعنا فلماذا سنبحث عن الشعبوية؟ فاذا أصبحت الرواية مثل التلفزيون لا خير فيها.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد