مجتمع

الجماهير العربية لكرة القدم: من التخلي عن النزعة الفردانية إلى مواكبة الهيستيريا الإعلامية

 

رغم الهزائم المتتالية، تشجع الجماهير العربية فرقها الوطنية في مبارياتها خلال الدوري الأول من كأس العالم روسيا 2018، وتعتبر نجاحها أملا في الخلاص من الهزائم المتتالية على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

فتحكم الانفعالية والعاطفة على نتيجة المباراة قبل بدايتها وتنتهي بخيبة أمل جديدة وقاسية على جماهير تقمصت وجدانيا مع كل ردهات اللقاء الموعود من أجل فرحة شعبية قد تأتي وقد لا تأتي.

 

 

كرة قدم وانصهار الفرد داخل المجموعة

وقد أكّد عبد الستار السحباني الأستاذ في علم الاجتماع بالجامعة التونسية، أن الميزة الكبيرة لكرة القدم أنها رياضة جماعية وملاعبها تتسع لآلاف الجماهير الذين يجدون أنفسهم في فضاء صغير يوفر لهم معطى “المجهولية”.

وتابع في حديث مع ميم “فتنصهر شخصية الفرد عند دخوله لهذه الفضاءات وتذوب في الشخصية الجماعية لمجموعة المشجعين، يغنّي إذا غنت ويعنّف إذا عنّفت وفي حالة هدوئها يلتزم الهدوء، ويحزن إذا خيم الحزن عليها”.

ويعود ذلك وفق السحباني إلى السلطة الرهيبة التي تملكها على الفرد على اعتبار أنه جزء مكون لها.

 

 

وتابع المختص في علم الاجتماع أن تحولات كبيرة أثرت في تركيبة هذه المجموعات فلا نجدها اليوم في الملاعب فقط بل أيضا في المقاهي، إذ أن المقهى أضحى فضاء رياضيا تتوافد إليه الجماهير لمشاهدة مباريات فرقها مع احتكار القنوات التلفزية للبث على حساب الأخرى، فتصبح القناة الرسمية لبلد ما عاجزة عن بث مباراة فريقها الرسمي خلال مشاركته في تظاهرات كروية هامة مثل كأس العالم لأنها لا تملك ثمنها.

وهذه الإشكاليات، وفق السحباني، ساهمت في تحول الجماهير وبالتالي الخروج من فضاء إلى آخر.

ولكرة القدم مكانة كبيرة في المخيال العربي، حسب محدثنا، لأن الفضاءات الرياضية بدورها تحولت إلى فضاءات للاحتجاجات الاجتماعية ومتنفس كبير للشعوب العربية، مع غياب المتنفس الثقافي كالمسرح أو السينما او أماكن لممارسة هوايات أخرى مثل الغناء او الرقص، وفي ظل الرقابة الأمنية المسلطة والحريات المحدودة فتصبح فضاءات الكرة ملجأ يغض النظر عن النتيجة.

 

هذه بطولة نخبة دولية لها إمكانيات وموهبة ونحن لا نملك سوى الصراخ

 

وعن خذلان الشعوب العربية وتحول فرحتها إلى حزن شديد، يوضع السحباني “خيبة الامل منتظرة لأن كرة القدم أصبحت صناعة تتطلب رأس مال وإعلام وتسويق وأموال وتجاوزت الموهبة فقط”.

وبين أن أغلب لاعبي الفرق المشاركة في كأس العالم ذات قيمة ماديّة تقدر بآلاف المليارات في حين أن منتخبات عربية أخرى لا يملك أغلب لاعبيها في بطولاتها مقابلا ماديا لحاجياته الأساسية.

وأضاف أن الفرق العربية ودول العالم الثالث لم تنجح في الفوز بكأس العالم أو الوصول إلى الأدوار النهائية، وحتى لاعبوها لا يملكون الموهبة العالية لمجاراة النسق الأوروبي.

 

 

وقال السحباني “دخلنا السوق بموازين مختلفة تماما، من لديه الإمكانيات ينجح ومن تغيب عنه يفشل ولهذا نجد الامتياز في ألعاب القوى الفردية، باعتبارها ألعابا فردية”.

وعن السبب وراء انسياق الأفراد في طابور المشجعين يقول “الهوس الذي يخلقه الاعلام له دور رهيب. في تونس منذ أسبوعين أدخلت الصحافة التونسية الجمهور في هستيريا رهيبة جدا رغم أننا نعلم أن الإمكانيات محدودة وأن مصير المباراة سيكون التعادل أو الخسارة.

وأكد “هذه بطولة نخبة دولية لها إمكانيات وموهبة ونحن لا نملك سوى الصراخ”.

 

الجمهور العربي بين الشحذ ودوامة الصمت

من جهته أكّد المختص النفسي، عبد الباسط الفقيه، أن علاقة المواطن العربي بكرة القدم هي وجدانية بالأساس باعتبار أن الفريق الوطني يملك رمزية جماعية. وقال في حديث لـميم “عند متابعة مباراة ما لا يمكن أن يكون الفرد محايدا ومنفصلا عن فريقه”.

ويرى الفقيه أنّ شحذ المعلقين لنفوس المشجعين أدى إلى الاستثمار فيهم إلى درجة التعصب، “أصبحنا نربي أبناءنا على التعصب والمعجم المستعمل في التعليق هو معجم حربي بالأساس، مثل “يقاتل، يفتك”، يغيب فيه المنطق العقلي كليّا ليظهر المدرب في صورة الشخص الوحيد الذي يطبق ذكاءه وعقلانيته في اللعب، فيما تتخمر البقية وتسقط في ظاهرة الهوليجانزية الانقليزية”.

 

 

كما أوضح أنّ آلة الدعاية الذكية تحشد المتفرجين وتشدهم بأشكال الدعاية المفرطة أو خطاب مثير يدفع لاتساع قاعدة المشاهدين للمباريات.

وعن الأداء العربي وانتظارات الجماهير يقول “حظوظ الفرق العربية محدودة، لكن كل منتخب يسترجع الحماسة أثناء المباريات ليكون في المربع الأخير مما يزيد الأمل لدى المتفرج في اللقاءات الدولية التي يكون جمهورها أوسع من الجهوية والمحلية، فيما ينفصل القليل من الأفراد عاطفيا عن هذه الموجة.

ويشعر المنفصلون كشعور الأقليات باعتبار أن الغالبية الساحقة متعلقة بلعبة كرة القدم، ويصعب التعبير عن ذلك علنا، فلن يتجرأ أحد على تغيير قناة أمام جماهير تشاهد مباراة هامة، ولن تتجرأ على مواجهتها في إطار ما يعرف بـ”دوامة الصمت”.

الوسوم

Aicha Gharbi

عضو فريق مجلة ميم التحريري وباحثة في حقل الاعلام والاتصال

مقالات ذات صلة

اترك رد