مجتمع

هكذا انتهت حرب  لينكولن على “الرق”

 

في مثل هذا اليوم ومنذ ما يزيد عن قرن ونصف، ألغى الرئيس الأمريكي السادس عشر أبراهام لينكولن، “الرق” (العبودية) في الولايات المتحدة الأمريكية، وأُلغيت المنظومة التّشريعيّة المتعلّقة به، وذلك بعد انتصار ولايات الاتّحاد الأمريكية الشّمالية على كنفدرالية الجنوب في الحرب الأهليّة.

 

صادق الكونغرس الأمريكي على التّعديل الثّالث عشر للدّستور بمبادرة من الرّئيس أبراهام لنكولن وأصبح الرّق غير قانوني ووقع تحرير العبيد في كافّة الولايات بما يقطع عمليا مع حقبة كاملة من التّاريخ الأمريكي.

والرق أو العبودية هو امتلاك الإنسان للإنسان، وكون الرقيق مملوكا لسيده وكانوا يباعون في أسواق النخاسة أو يشترون في تجارة الرقيق بعد اختطافهم من مواطنهم أو يهدي بهم مالكوهم.

وممارسة العبودية ترجع لأزمان ما قبل التاريخ في مصر عندما تطورت الزراعة بشكل متنام ، فكانت الحاجة ماسة للأيدي العاملة، فلجأت المجتمعات البدائية للعبيد لتأدية أعمال تخصصية بها.

ظاهرة اجتماعية

وكان الأوروبيون الذي استعمروا العالم الجديد، قد دأبوا على جلب الرقيق من إفريقيا لأكثر من ثلاثة قرون، حيث أفرغت القارة السوداء من 25 مليون نسمة، وكان نصف الرقيق يموت أثناء شحنه في البواخر فيلقى بجثثهم في المحيط، ومن يصل منهم يباع في سوق النخاسة لينتهي مزارعاً أو خادماً في بيت مالكه.

 

 

شكّل الرّق في أمريكا الشّمالية ظاهرة اجتماعيّة، إذ تمّ فيما بين القرنين 16م و19م نقل ما يقارب 12 مليون إفريقي عبر الأطلسي إلى العالم الجديد تحت مسمّى (التّجارة الثّلاثية)، وقد شكّل هؤلاء ومواليدهم ثقلا ديموغرافيا واقتصاديا لا يُستهان به.

 

 

في 1860 بلغ تعداد العبيد أربعة ملايين نسمة ما يعادل 12 في المائة من مجموع السكان حتّى أنّهم مثّلوا أغلبيّة في بعض الولايات (65 في المائة في ولاية كارولاينا الجنوبيّة)، وبوصفهم يدا عاملة قويّة وشبه مجّانية فقد مثّلوا عصب الاقتصاد الأمريكي القائم آنذاك على فلاحة القطن والتّبغ والسكّر والقهوة والحبوب، فسُخّروا لشق الطّرق وتهيئة الأراضي وزراعتها وبناء المستوطنات وجمع المحاصيل.

 

 

وفي بداية القرن التاسع عشر، أخذت الولايات الشمالية بالنظام الصناعي، فتخلت عن الرق، بينما تمسكت به الولايات الجنوبية القائم اقتصادها على الزراعة، وأصر البيض الجنوبيون على إبقاء الجيل الجديد من الزنوج في الرق بعد منع استيراد العبيد.

 

حرب اهلية

كانت هذه القضية أحد أسباب الحرب الأهلية منتصف القرن بين الجنوب والشمال، حيث نشطت الحركة المطالبة بمنع الرق والاستعباد، وفي تلك الفترة برز لنكولن حيث التحق بالحزب الجمهوري، واشتهر بخطبه النارية ضد مؤسسة العبودية ونظام الرقيق، وتنديده بالطبقة المالكة للعبيد وتهديدها لوحدة أميركا.

كان لينكولن يحارب جدارا شاهقا، ونظاما اقتصاديا قديما، فاتهمه خصومه بمحاباة “الزنوج” والإيمان بالمساواة بين السود والبيض، فتلك كانت تهمة خطيرة في ذلك الزمان، ولذلك أنكرها لينكولن وأوضح أنه لا يسعى إلى المساواة (فذلك كفرٌ وتجديفٌ وخروجٌ من الملة) وإنما دعا فقط إلى إلغاء استرقاق الرقاب.

وفي الانتخابات الرئاسية للعام 1860 اشتد الخلاف على الرق، وطرحت قضية الانفصال وفاز لنكولن، لكنه لم يحصل على أصوات مؤيدة في ولايات الجنوب رغم مناهضته للعبودية، بل إن الكثير من الساسة ورجال الإعلام وكبارات المجتمع هدّدوا بالانفصال في حال فوزه.

 

ابراهام لنكولن:الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الامريكية

 

كانت الصحافة التي يفترض أن تحمل مشعل الحرية وتقف إلى جانب المساواة بين البشر وتتبنى القيم الإنسانية الكبرى، قد انحازت بسبب مصالحها إلى العبودية وأخذت تناهض الحرية والدعوة إلى المساواة.

أصدر لينكولن “إعلان التحرير” الذي قضى بمنع الرق في بعض الولايات، وكان يطمح إلى اجتذاب العبيد للتحرّر من قبضة الملاك، ما أدى إلى استنفار هؤلاء.

 

 

مع استمرار الخسائر في الحرب الأهلية تولدت ردة فعل لدى الشماليين، إذ اعتقد بعضهم أنهم لا يخوضون حربا من أجل توحيد وطنهم بل من أجل تحرير الزنوج، وهي قضية أقل أهمية لديهم، بعيدا عن تقدّم البشرية وأفكار الإنجيل والأخوة الإنسانية.

و ذلك واصل لنكولن الحرب واستطاع إنهاءها وإخضاع الجنوب، بعد مقتل أكثر من نصف مليون نسمة غير الجرحى، فضلا عن حرق المدن وتدميرها.

 

 

لكن إحدى الظواهر الغريبة التي أثارت حيرة الباحثين، أن هناك شريحةً من السود كانوا من ضمن معارضي لنكولن في دعوته لإنهاء العبودية، وبعضهم قاتل مع البيض ليبقى عبدا إلى الأبد.

 

 

بعض هؤلاء كان ينقصه الوعي والبصيرة التاريخية، فهم عاشوا عبيدا ولا يسوؤهم أن يورّثوا لأبنائهم العبودية والقيود، وبعضهم كان من الفقراء المعدمين وبعضهم عاش خادما حتى هرم، لا يجيد صنعة ولا يحسن الاعتماد على النفس، ولو خرج من بيت سيده لجاع وضاع في زحمة الحياة.

 

الوسوم

هالة سويدي

عضو في فريق تحرير مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد