اختيار المحررينثقافةغير مصنف

“بيـــــــــــــــونة” و”فاطمة سعيدان”: نقطة قوّة في السينما المغاربية

 

 خضعت أغلب نجمات السينما  العربية منذ بداياتها الأولى إلى مقاييس الجمال العالمية، خصر مشدود ووجه ذو تقاطيع جذابة، وتواصل الأمر إلى اليوم، فكلما كانت النجمة جميلة كلّما زادت نسبة الجمهور في متابعة الفيلم، من النادر جدّا بل من المستحيل أن تجد البطلة ذات تقاطيع بسيطة أو جسم مكتنز، البطلات هن الجميلات هكذا حسم المخرجون الأمر منذ تشكل السينما العربية كما فعل المخرجون من قبل في السينما العالمية.

 

بعيدا عن مقاييس الجمال العالمية، عن الشفاه المكتنزة والخصور المشدودة والنهود العامرة، في استثناء عن المشهد السائد  خطفت نجمتان الأضواء بتميزهما في الأداء، مبهرتان، عظيمتان، بل ساحرتان سحبتا الأضواء من أبطال الأفلام وشدتا المتابع إلى أدائهما المذهل.

لم تمتلكا جمال البطلات بل امتلكتا سحر وصدق الأداء، نضحك ونبكي معهما  في كلّ مشهد يتطلب منهما  التراجيديا أو الكوميديا، إنّهما قادرتان على فعل هذا بنا وأكثر.

طيلة سنوات كانت كل من “بيونة” نجمة الفنّ السابع الجزائري و”فاطمة سعيدان” سيّدة السينما التونسية  نقطة القوة في السينما الجزائرية والتونسية بل المغاربية بشكل عام. نجحت أفلامهما في كسب إعجاب الجمهور وأيضا في افتكاك جوائز محلية، عربية وعالمية، كما نجحت أيضا بعض أفلامهما في إحداث الصدمة  لدى الجمهور السينمائي، بيونة وفاطمة سعيدان لم تمتلكا من جمال الممثلات الأخريات الشيء الكثير لكن وجود اسميهما في أفيش الأفلام نقطة قوّة وتميّز.

 

 

طيلة سنوات طويلة تربعت “بيونة “(1952) على عرش التمثيل في الجزائر،  في أحد أكبر أحياء الجزائر العاصمة ولدت “باية بوزار” الإسم الحقيقي ل”بيونة ” ودخلت إلى الفنّ مبدعة متميّزة تمتلك مواهب مختلفة ، مغنيّة ذات  صوت غنائي جميل ذو بحة مميزة وحزينة، ولها عدّة ألبومات أشهرها “شقراء في القصبة “.

بدأت مشوارها الفني مغنية في الأعراس العاصمية قبل أن تلتقطها عدسة المخرج  مصطفى بادي لتمثل في سنّ السابعة عشر دور فاطمة في فيلم “الدار الكبيرة” نجحت بيونة في أداء الأدوار المركبة وأيضا الكوميدية واستطاعت أن تنتزع البسمة من شفاه الجزائريين ” ناس ملاح سيتي ” مازال حاضرا في ذاكرة المواطن الجزائري.

المتأمل في أعمال بيّونة سيدرك قدرتها العجيبة على تقمص الشخصية خاصة تلك الشخصيات المهمشة والمحتقرة في المخيال الشعبي، العاهرات والمداحات والمهمشات وغيرهن من الشخصيات التي تعاطفنا معها لأنّ “بيونة” تقمصتها وبينت الجوانب المضيئة في أعماقها رغم عتمة الحياة وقسوة المجتمع التي جعلتهن هكذا.

 

 

أفلام كثيرة مثلتها بيونة ” تحيا الجزائر” ،”حرم عصمان” و”ديليس بالوما” وكثيرا ما هاجمتها الصحافة الجزائرية  لجرأتها وفي المقابل  أشاد  النقادّ بأدائها،  “بيونة” ممثلة ذات قدرات هائلة لم تفجرها بعد، ملامحها العادية والبسيطة، بحة صوتها وسخريتها اللاذعة وتضامنها مع الفئات المهشمة والمحتقرة كل هذه الأشياء التي جعلت منها ممثلة بقامة مارد وأيضا شخصية مزعجة للمحافظين.

كلّ هذا خلق لها أعداء وأحبة، ولكن إن رفعت “بيونة” صوتها بالغناء وغنت على سبيل المثال أغاني الشيخ الهاشمي القروابي التي تميزت في أدائها  سيستمع الجميع إلى صوت عذب وجميل منكسر وحزين يدخل القلوب دون استئذان  وستعقد هدنة قصيرة طيلة غناءها قبل العودة للحكم على شخصية “بيونة” وتصريحاتها النارية.

خلقت “فاطمة سعيدان”(1949) لنفسها بصمة وشخصية لا يمكن أن تتكرر وإن تكررت ستتهم حتما بتقليد “سعيدان”، فاطمة نجمة سينمائية بل سيّدة السينما التونسية رغم أنّها لم تنل حقّها إلى حدّ هذه اللحظة لتفجير موهبتها الحقيقية، تتشارك مع “بيونة” النجمة الجزائرية في جرأتها وفي تضامنها مع الفئات المهمشة وأيضا في عبقريتها الفنيّة.

 

 

منحت “فاطمة سعيدان” الإضافة لعدّة أعمال فنيّة شاركت فيها، رغم أنّها لم تلعب أدوار البطولة في أغلب الأعمال التي قامت بها ، دخلت سعيدان إلى ميدان الفنّ في ثمانينات القرن الماضي وشاركت في عشرات الأدوار الثانوية في الأفلام التونسية، ومن أهم الأفلام التي شاركت فيها “صمت القصور” لمفيدة التلاتلي الذي دخل قائمة أفضل 100 فيلم عربي و”عصفور سطح” لفريد بوغدير  و”اخر فيلم ” للنوري بوزيد .

 

 

تؤمن سعيدان بما يسمى “المسرح السياسي الملتزم” وخاضت تجربة المسرح المعارض مع الثنائي فاضل وجليلة بكارّ في عدّة أعمال أشهرها “خمسون “، وإن اختارت النجمة الجزائرية دائرة الأضواء للحديث عن المواضيع الخاصة والعامة فإنّ فاطمة سعيدان اشتهرت بعزلتها وتعففها عن وسائل الإعلام، كما عرف عنها تواضعها مع جمهورها.

 

 

لا تنحصر نقطة اللقاء بين”بيونة” و”سعيدان” في شكلهما الخارج عن المألوف فقط بل تشتركان في حملهما لهمّ وقضية لقد تحررت كلّ منهما من وصاية الذكور وكان صوت كل منهما صوت المرأة المضطهدة في المجتمعات المغاربية والعربية، المرأة التي تعاني من تهميش المجتمع والسلطة الذكورية، لتراكم كل منهما تجربة مختلفة ومتميّزة في تاريخ السينما بتونس والجزائر، سينما تنتصر للمهمشين والمسحوقين ربّما يعود هذا إلى اشتغالهما في سينما المؤلف التي تميّز السينما المغاربية عن غيرها، هذه السينما التي لعب فيها المخرج أدوار البطولة ولكن حدث وأن سرقت منه الأضواء فاطمة سعيدان كما فعلت في مهرجان أيام قرطاج السينمائية بطلتها البسيطة أو كما تفعل  “بيونة” دائما  في الحوارات الصحفية.

الوسوم

خولة الفرشيشي

كاتبة وباحثة جامعية في علوم التراث، تشتغل حول الجسد الأنثوي ورمزياته وتمثلاته، ولها مقالات وأبحاث منشورة في صحف عربية عدة

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً

إغلاق