ثقافة

بخلاء الجاحظ.. شرّ البليّة ما يضحك

لم ينفّر الجاحظ من البخيل، بل تعمد أن تكون شخصيته محببة من ناحية الطرافة، تثير في القارئ نزعة الفكاهة والضحك

 

لم يقدم كتاب البخلاء- اشهر ما كتب الجاحظ- مواقف طريفة للإضحاك والإمتاع، بل كان دراسة نفسية وتربوية واجتماعية واقتصادية ايضا لصنف من الناس مذموم عند العرب، وهم البخلاء.

فقد عرف عن العرب الكرم، واشتهر بينهم رموز حتى ضربت بهم الامثال مثل حاتم الطائي، وكرم البدو العرب قديما، كما حض الإسلام عند ظهوره في شبه الجزيرة العربية على الحفاظ على هذا الخلق الكريم والمبدأ الاجتماعي الراقي، ومدح كرم واحسان الانصار في الآية الكريمة “ويؤثرون على انفسهم ولو كانت بهم خصاصة” التي نزلت إكراما لصنيع احد الأنصار وقيل أبو طلحة، حين آثر الرسول محمد عن نفسه وعياله في الطعام وفضّله عليهم دون حتى ان يلاحظ رسول الله ذلك.

لكن الجاحظ، اختار ان يقدم الوجه الآخر للمجتمع العربي، في كتابه البخلاء، الذي تلا ذلك بعقود، المرتبط زمانيا  بالعصر العباسي، الذي يوصف دائما بانه العصر الذهبي للحضارة العربية في ازدهار العلوم والمعارف و الآداب ومختلف انواع العمارة والهندسة والفنون، إلا ان هذه الطفرة الاجتماعية والحضارية، قابلها انحدار كبير في الاخلاق الاجتماعية ، و ظهور صفات مذمومة و انتشارها حتى غدت عادة لأهل البلد ، خاصة منطقة خراسان التي نالها نصيب كبير من قدحيات الجاحظ في كتابه.

البخل طبع.. لا تطبّع

 

 

تميز بخلاء الجاحظ بالسذاجة وخفة الدم والطرافة، ولم ينزع الجاحظ في وصفهم إلى رميهم بالخبث والنذالة او الشر، بل أصّل فيهم صفة البخل حتى أصبحت طبعا لا يتجزأ منهم (أهل خراسان مثالا)، وهو ما عظّم البلية التي رماهم بها، ووثّق لمدى قرون صورة لا يمكن أن تمحى، كيف والجاحظ يعد من نوابغ عصره واحد أهم العلامة العرب الذين قدموا الكثير للحضارة العربية والإسلامية.

انتقم الجاحظ من أهل عصره على طريقته، فصوّر مذهب البخل على انه ركيزة اقتصادية واجتماعية لاستمرار الحياة حينها، ولم يكتف بذلك، بل أصل البخل حتى في الحيوان، فقال في إحدى حكاياته”قال ثمامة: لم أرَ الدّيك في بلدة قط إلا وهو لافظ، يأخذ الحبّة بمنقاره ثم يلفظها قدّام الدجاجة، إلا ديكة مرو، فإنّي رأيت ديكة مرو تسلب الدّجاج ما في مناقيرها من الحب.

قال: فعلمت أن بخلهم شيء في طبع البلاد، وفي جواهر الماء، فمن ثمّ عمّ جميع حيوانهم”.

وبفضل احتوائه على العديد من أسماء الأعلام والمشاهير والمغمورين وكذلك أسماء البلدان والأماكن وصفات أهلها والعديد من أبيات الشعر النادرة والمفيدة بموضوعها والأحاديث والآثار،اكتسى البخلاء أهمية علمية حيث كشف لنا عن نفوس البشر وطبائعهم وسلوكهم فضلا عن احتوائه فكان موسوعة علمية أدبية اجتماعية جغرافية تاريخية.

شخصية البخيل

 

 

لم ينفّر الجاحظ من البخيل، بل تعمد أن تكون شخصيته محببة من ناحية الطرافة والإضحاك، تثير في القارئ نزعة الفكاهة والضحك، وفي نفس الوقت تقدم مدلولات أدبية أعمق بكثير من اللحظة الراهنة من الإمتاع، فكان الخطاب في البخلاء مزدوجا، يتطلب الحفر للوصول الى عمق المدلول، كحال أغلب ما ألف العرب في ذلك الزمن.

إذ أجبرت مطرقة الرقابة المجتمعية وسندان السلطة الصارم آنذاك، الجاحظ و غيره على انتهاج أسلوب التورية والتعرية، واللعب على وتر الكلمات و ترتيبها، خاصة وان ما قدمه الكتاب مناقض لما تم تصويره لمناقب العصر العباسي دولة وحكما ومجتمعا.

حاول الجاحظ في كتابه، الذي ألفه في مرحلة عمرية متأخرة، بعد ان جمّع كمّا كبيرا من التجارب والقصص، سواءا  من المحيطين به من أصدقائه او تجارب عاشها هو ذاته، أن يعكس ما يدور حوله في المجتمع من خلال تقاليد الناس وتصرفاتهم بشأن المال، الذي يعتبر أخطر عنصر في الحياة الإنسانية يتحكم في العلاقات والوجاهات والمكانة والسلطة والهيمنة.

ورغم ان البخل رذيلة وفعل وخلق مذموم عند العرب، ولم يقصر الجاحظ في ابرازه ذلك، الا انه من جانب آخر ابدع في تصوير بلاغة وفلسفة البخل والبخلاء بما يكاد يكون مدحا، حتى لتعجب احيانا بشخصية على مافيها من التقتير والبخل، بسبب رجاحة عقلها وحكمة تصرفها، أفلا يكون الجاحظ بعد كل هذا، قد أشاد بالبخلاء بدل من القدح فيهم؟

الوسوم

فاتن عمري

عضو تحرير فريق مجلة ميم

مقالات ذات صلة

اترك رد