مجتمعسياسة

الأقدام السوداء: صفحات مظلمة من تاريخ الجزائر

 

أعادت المبادرة الإقتصادية التي طرحها رئيس الوزراء الجزائري، أحمد أويحيى، في الآونة الأخيرة، للاعتماد على “المستوطنين الفرنسيين”وأبناء الجزائريين المتهمين بخيانة الوطن زمن الاستعمار الفرنسي، لغاية تسويق المنتجات الجزائرية في الخارج، ملف”الأقدام السوداء”، للواجهة.

 

“الأقدام السوداء”، الملف الشائك الملوث بدماء الشهداء من أبناء الوطن الجزائري، جراء جرائم الحرب والتعذيب والاستغلال الاستعماري على مدى 130 عام.

 

حقيقة التسمية

تعودنا في المعجم الاستعماري على تسميات رمزية للعصابات، الأيادي الخفية التي تحرك الاستعمار وتدفع لمزيد التقوقع في المستوطنات، حيث ظهرت عصابة “اليد الحمراء” التي اغتالت عديد المجاهدين والمقاومين والمناضلين، وعلى غرار هذا التنظيم، ظهر في الجزائر خلال الفترة الإستعمارية، “الأقدام السوداء”، التي اختلفت المصادر في تفسير أصل تسميتها، بيد أنهم اتفقوا جميعا أنها تحيل على المستوطنين الأوروبيين الذين عاشوا أو ولدوا في الجزائر إبان فترة الاحتلال الفرنسي من سنة 1830 إلى 1962.

 

المستوطنون الفرنسيون في الجزائر

 

ويرى مؤرخون، أن “الأقدام السوداء”، إشارة إلى أحذية الجنود الفرنسيين السوداء، والتي أطلقها الجزائريون سنة 1830، عند دخول الجنود الفرنسيين لأول مرة.

 

 

وأرجع البعض الآخر سبب التسمية إلى المزارعين المستوطنين الذين استولوا على الأراضي الفلاحية واستعمروها وكانوا يعصرون العنب بأقدام حافية لإنتاج الخمور والعصائر.

 

الأقدام السوداء والحركية في الجزائر العاصمة

 

فيما نفى آخرون كل ماروي واعتبروا أن سبب التسمية، يرجع إلى أفراد وجماعات فرنسية عوقبت من السلطات الفرنسية بالمشي حفاة لأيام عديدة، وصولا إلى مرسيليا، بسبب حماقات مخلة بالأخلاق العامة ارتكبوها. وجرّاء هذا العقاب اتسخت أقدامهم حتى صارت سوداء بفعل تراكم الوحل والطين عليها، ومن ثمة وقع ترحيلهم ونفيهم إلى الجزائر، التي كانت مستعمرة فرنسية آنذاك.

 

الرحيل من الجزائر

 

القفز على الذاكرة

غير أن هذا التفسير أبعد ما يكون عن أرض الواقع، وإلا لما تسبب إعادة طرح الملف من قبل أويحيى، في إحداث بلبلة وجدلا كبيرين، فقد استهجنت عديد الشخصيات السياسية والوطنية و المنظمة الجزائرية للمجاهدين، التي تضم قدماء المناضلين الجزائريين، هذه المبادرة، وعبروا عن استنكارهم ورفضهم لنفض الغبار عن هذا الملف المحظور واعتبروا أن التعامل معه هو تطبيع مع من تلطخت أياديهم بدماء الأبرياء من الشعب الجزائري، وأنه محاولة للقفز على ملفات الذاكرة العالقة بين البلدين وتناسي للماضي الاستعماري.

 

الإستعمار الفرنسي في الجزائر

الأيادي الملطخة

في بيان للمنظمة الجزائرية للمجاهدين، ذكّرت السلطات الجزائرية بالجرائم التي اقترفتها الأقدام السوداء في حق الشعب الجزائري خلال فترة الاحتلال الفرنسي، طيلة 132 سنة، وقالوا في نص البيان: “لقد تناسى هؤلاء ما ألحقته الأقدام السوداء والمعمرون من مآس بالشعب طيلة الحقبة الاستعمارية، وعلى وجه الخصوص في أواخر الثورة من تشكيل عصابات سرية إرهابية ارتكبت أبشع الجرائم وعاثت في البلاد فسادًا وتقتيلاً وتخريبًا”.

 

 

كما اتهموا بالمسؤولية الكاملة  في ارتكاب الإرهاب والتعذيب والعنصرية الإستعمارية، واستمرار العنف بشكل عام في عدة مدن جزائرية.

 

 

هذه الجماعات الاستيطانية، أو عصابات الأقدام السوداء التي تشير المراجع أنها تتألف من ثلة من المثقفين والممثلين والسياسيين الفرنسيين، فضلا على عديد من المستوطنين، الذين تنحدر  أغلبيتهم من أصول إيطالية وإسبانية ومن أوروبا الشرقية، وانتمى أغلبهم إلى الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية واليهودية،  سكنوا ضواحي تلمسان وقسنطينة ووهران وعنابة وسيدي بلعباس.

 

صور من رحيل الأقدام السوداء والحركية من الجزائر عام 1962

 

بدأ نزوحهم وفرارهم بعد مذبحة وهران 1962، حيث بلغ عددهم أكثر من 800,000 بين عامي 1962 و1964، واستقروا في مناصب ومراكز عليا بعد جلائهم إلى فرنسا، وأصبحوا منذ ذلك الحين يمثلون “لوبي قوي”، على الصعيد الاقتصادي والثقافي والسياسي، وهم يمثلون جماعات اليمين المتطرف، التي أسست “الاتحاد من أجل الدفاع عن حقوق الفرنسيين المطرودين من الجزائر ومن بلدان أخرى”.

 

الرحيل

محاولة العودة

وتسعى هذه العصابات، كمحاولة لمواصلة فرض الهيمنة على مستعمرتها السابقة وجعلها في تبعية، منذ استقلال الجزائر إلى محاولة العودة إلى التراب الجزائري، من أجل محاولة استعادة ماتسميه حقا، حيث رفعوا عدة دعاوى للحصول على تعويضات استناداً إلى قانون فرنسي مؤرخ في 15 يوليو 1970 ينص على أن ما قدمته الحكومة الفرنسية لهم من أموال هو مجرد “استباق” على الحساب لما يحق لهم.

وأقامو عشرات القضايا أمام المحاكم الجزائرية، للمطالبة بطرد عائلات جزائرية من منازلها، وتسليم هذه البيوت لهم، بحجة أنهم يحوزون وثائق تثبت عقود الملكية.

الوسوم

وفاء الحكيري

عضو فريق مجلة ميم التحريري

مقالات ذات صلة

اترك رد